يبدو ان محاولات البنك المركزي الامريكي لتهدئة معدل النمو الاقتصادي الامريكي المتسارع الذي كان يهدد بارتفاع التضخم قد حققت المرجو منها. وقد اظهرت احصاءات معدلات البطالة ان الاقتصاد الامريكي بدأ بالفعل يهدأ, رغم ان الدليل لا يزال غير كامل. لقد بدأت آثار رفع اسعار الفائدة إلى 6% في منتصف العام الجاري )يونيو( تظهر رغم انها ليست واضحة بما يكفي, وهدأت من النمو في القطاعات الحساسة مثل الاسكان والانشاء. ويبدو ان هذا بدوره سيؤدي إلى مزيد من الهدوء في النمو والنشاط الاقتصادي. ويقول براد ديلونج الخبير الاقتصادي بجامعة كاليفورنيا ان آلان جرينسبان رئيس البنك المركزي يبدو انه فعل ما لم يفعله بشر من قبل او ان حظه ليس كحظ غيره من قبل ايضا. وهذه الانباء تعتبر طيبة جداً بالنسبة لليورو, الذي بدأ يسجل بعض الارتفاع امام الدولار الامريكي بعد انخفاضه بنسبة كبيرة حيث وصل إلى 45.88 سنتا في مايو الماضي. لكن الاشارات الصادرة عن نمو الاقتصاد الامريكي لا تزال غير واضحة الصورة بالكامل. فتقرير معدل البطالة مليىء بنقاط الغموض وقد يثبت انه لا يعكس الصورة كاملة. وحتى اذا اتضح ان هناك تراجعا في معدل توفر الوظائف, فقد يستعيد الاقتصاد سرعته الكبيرة التي سجلها في آواخر العام الماضي وبداية العام الجاري بسرعة, ويسجل معدل نمو سنوي بين 5 و 7%. الحقيقة ان اسواق الاوراق المالية هي التي لديها الخبر اليقين وهي التي تقرر, فإذا استمرت قوة الدفع السابقة, فقد يرتفع الطلب الاستهلاكي والتجاري, مما يدفع البنك المركزي الامريكي إلى زيادة رفع اسعار الفائدة. وقد يكون الهدوء الذي حدث في سرعة النمو الاقتصادي اكثر مما يريده بنك الاحتياطي الفيدرالي )المركزي(, وقد يكون نهاية توسع اقتصادي استمر اكثر من الطفرات الاقتصادية السابقة بكثير. لكن الآن على الاقل يبدو ان الاقتصاد الامريكي يسير في الاتجاه الصحيح الذي يريده له من يقودون السفينة. فالبيانات الاقتصادية الاخيرة تثير داخل البنك المركزي ما يؤيد فكرة ان يوقف البنك الدفع من اجل رفع اسعار الفائدة بشكل اكبر. والاسواق المالية )البورصات( التي ارتفعت في الفترة الاخيرة مقتنعة بان البنك المركزي سوف يظل مسيطراً على ورقة اسعار الفائدة. وقد ايد حجم التعاملات في سوق الصفقات الآجلة للاموال الفيدرالية وجهة النظر بأن البنك المركزي لن يشدد من القيود على الائتمان في اجتماعه المقبل في آواخر الشهر الجاري, رغم انه من فترة بسيطة كان البعض في هذا السوق يظنون ان البنك سيرفع اسعار الفائدة مرة اخرى. بيانات الوظائف اوضح تقرير الوظائف الاخير ان معدل البطالة ارتفع إلى 1.4% مقابل 9.3 في ابريل الماضي. والاهم من ذلك ان معدل التوظيف في القطاع الخاص انخفض بمقدار 116 الف وظيفة مع التعديل الموسمي, وهو اول انخفاض من نوعه في اربع سنوات والاكبر منذ نوفمبر 1991. التقرير ذاته من الصعب تفسيره فقد ذكر انه في مجال مؤسسات تجارة التجزئة مثلاً انخفض التوظيف بمقدار 67 الف وظيفة خلال مايو الماضي, وجاء ذلك عقب ارتفاع كبير في نسبة التوظيف في شهر ابريل. ومن الصعب تفسير ذلك, لأن مجال تجارة التجزئة ليست غالباً بهذه الحساسية بالنسبة لاسعار الفائدة. لكن التقرير يفيد بأن سياسة البنك المركزي الامريكي قد خفضت من سرعة النمو الاقتصادي. وجد البنك المركزي الامريكي في مسح اجري مؤخراً ان ربع البنوك الامريكية قد خفضت قروضها كرد فعل لرفع اسعار الفائدة من جانب البنك المركزي. وانخفض الطلب على القروض التجارية 25% في الاشهر الاولى من العام الجاري, وانخفض الطلب على الرهونات بنسبة اكبر من 56%. وانخفاض الطلب على قروض الرهونات ينعكس في سوق العقارات. فقد ذكرت الحكومة ان مبيعات المنازل الجديدة انخفضت بنسبة 8.5% في ابريل وانها اقل عما كانت عليه من عام مضي بنسبة 3.2%. كما انخفضت مبيعات المنازل القائمة بنسبة اكبر من ذلك. ومع هدوء النشاط في سوق الاسكان, انخفض ايضا معدل النمو في سوق الانشاءات. وينعكس هذا التغير ايضا على صناعات اخرى, التي تخدم سوق الاسكان. ويرى احد الخبراء في هذا المجال ان ارتفاع اسعار الفائدة اثر على الذين يشترون منازل لاول مرة. ويقول رئيس شركة هوم اند جاردين سنتر لتجارة المنازل ويليام ستراسبورج ان الناس يتوقفون عن المشروعات الكبيرة عندما يشعرون بانخفاض نسبة الثروة. وتشير الاحصاءات المنشورة مؤخرآً إلى ان الانخفاض في سوق الاسكان بدأ ينتشر بشكل اوسع في قطاعات الاقتصاد الاخرى. فقد سجل ارتفاع الانفاق الاستهلاكي اقل معدل نمو له في ابريل, رغم انه لا يزال مرتفعاً. كما هدأ معدل النمو والنشاط في قطاع الصناعة التحويلية وفقاً لأحدث تقرير عن الهيئة الوطنية لادارة المشتريات. هذه المؤشرات معاً توفر ايضاحات بأن معدل النمو الاقتصادي السنوي سوف يهدأ إلى 5.3% او 4%, وهي سرعة النمو التي يعتقد البنك الفيدرالي )المركزي( انها المناسبة على المدى الطويل. وكان المسئولون في البنك المركزي يقلقون من ان استمرار النمو السريع سوف يؤدى بلا شك إلى ارتفاع معدلات التضخم, لأن اصحاب الاعمال يعرضون اجوراً اكبر من اجل الحصول على العملة النادرة في سوق العمل. لكن ارتفاع معدل البطالة خلال مايو يعني انخفاضا مفاجئا وكبيرا في سرعة نمو الاجور. ويقلق بعض المراقبين امثال رجال الاعمال في صناعة المنازل من ان يكون البنك المركزي الامريكي قد بالغ في اجراءاته. لكن الاجراءات التي يتخذها البنك المركزي تستغرق على الاقل ستة اشهر حتى يظهر تأثيرها في الاقتصاد. يعنى ذلك ان الهدوء الحالي في النمو لا يعكس حتى الارتفاع بنسبة نصف في المئة الذي طبقه البنك المركزي في مايو. لكن احد المراقبين يقول ان الانخفاض في قطاع المنازل والبناء مجرد بداية وسيحدث انخفاضات اخرى. لكن يبدو من الواضح ان هذه رؤية الاقلية فهناك علامات كساد تلوح في الافق. الدفعة الاقتصادية لا تزال قوية حالياً, لكنها ليست بالقوة التي كانت عليها خلال الربع الاول من العام, عندما كان معدل النمو الاقتصادي السنوي يفوق 5%, او مقارنة بالربع الاخير من العام الماضي عندما كان المعدل السنوي يفوق 7%. كما ان البيانات التي نشرت مؤخراً عن معدلات البطالة ونمو القطاعات تثير الحيرة والربكة. فقد خفضت مؤسسة ماكروايكونوميك للاستشارات توقعاتها للنمو الاقتصادي إلى 4% بدلاً من 4.4% والدليل على ذلك انه في الوقت الذي ارتفعت فيه الوظائف بمقدار 357 الف وظيفة, بناء على احد اجزاء التقرير فإن معدل الوظائف في الحكومة انخفض بمقدار 111 الف وظيفة بناء على مؤشر آخر. هذا يعني انه قد يكون هناك خطأ في الارقام. والانخفاض في شهر مايو في الوظائف كان كبيراً, مقارنة بالنمو المسجل في الشهر السابق له وكان بمعدل 176 الف وظيفة. واعترف توم نوردوم رئيس قسم احصاءات العمل بوزارة العمل ان الارقام تعكس صعوبة التعديلات الموسمية وتنوعاتها. فمثلاً مؤسسات الاغذية والمشروبات سجلت معدل توظيف بلغ 200 الف وظيفة في ابريل, و150 الف اخرى في مايو. والطريقة التي اجريت بها التعديلات الموسمية تشير إلى ان الوظائف ارتفعت بمقدار 98 الف وظيفة في ابريل وانخفضت بمقدار 33 الف وظيفة في مايو, البيانات التي تم تعديلها موسمياً قد تكون صعبة, فلابد ان نتوخ الحذر عند قراءة تقديرات لاشهر منفردة. سخرية السوق هناك قلق في البنك المركزي الامريكي بأن اسواق المال قد ترتفع بناء على اعتقاد بأن البنك قد ادى ما عليه ونتيجة ذلك الا يحقق البنك ما كان يصبو اليه من رفع اسعار الفائدة. وكان رئيس البنك آلان جرينسبان يتحدث طويلاً خلال الاشهر الماضية عن ان الاسواق المالية القوية تعزز الطلب في الاقتصاد وتجعل من الضروري للبنوك المركزية ان ترفع اسعار الفائدة. لذلك اذا ارتفعت البورصات بشكل كبير فلابد ان ترتفع اسعار الفائدة تبعاً لذلك. ويقول بيل دودلي الخبير الاقتصادي في جولد مان ساكس نيويورك ان ما يثير السخرية ان جرينسبان لابد ان يتخذ مزيداً من الخطوات )برفع اسعار الفائدة( بسبب ارتفاع الثقة في خطواته. رغم ذلك فإن انخفاض اسهم شركات التكنولوجيا الفائقة حالياً منذ بداية العام يبدو انه من العوامل التي تساهم في تهدئة معدل النمو الاقتصادي الامريكي. فقد انخفضت اسعار اسهم مجموعة كبيرة من هذه الشركات, وفقدت كمية كبيرة من قيمتها السوقية مما اثر على قدرتها على التوظيف. واجلت شركات اخرى جديدة اصدارات المساهمة الاولى, مما جعل من الصعب عليها ان تجد التمويل الكافي لتظل نشطة في السوق. وهناك شركات اخرى اصيبت باضرار اكبر, ومنها من اضطر إلى اغلاق ابوابه. واتجه كثير من هذه الشركات إلى تكتيك معروف, هو تسريح العمالة, على اختلاف احجام وانواع هذه الشركات. فقد سرحت شركات كبيرة مثل امازون.كوم والتافيستا وبت ستور.كوم عاملين لديها منذ بداية العام الجاري وهذا يحدث لها لاول مرة في تاريخها. وهناك محاولة شركة ثروب لينوكس من اجل زيادة الارباح بسرعة اكبر وزيادة تحسين صورتها امام المستثمرين حيث سرحت عشرات من الموظفين الاداريين والتسويق وقالت انها تعتزم زيادة العاملين بها بعد ذلك لكن باعداد اقل من الذين تم تسريحهم. ويقول لون جونستون نائب رئيس الشركة للتسويق من اشهر قليلة كانت السوق تقول لشركات التجارة الالكترونية والتكنولوجيا الفائقة ان الطريق مفتوح امامها لتنطلق لكن الواضح ان الوضع تغير الآن. لكن الطلب على العاملين في قطاع التكنولوجيا الفائقة لا يزال مرتفعاً ومن الصعب ان يكون هناك تأثير لهذه التطورات على الاقتصاد بصفة عامة. وكثير من اجزاء وادي السليكون تسجل معدلات بطاقة سالبة, فهناك كثير من الوظائف ولا يوجد عاملون لمك هذه الوظائف. وقام كثير من الموظفين الذين سرحتهم شركة تربولينوكس مثلاً بالعثور على وظائف في صباح اليوم التالي. ويصل الطلب على العاملين من شركة سي.دي.آي للتوظيف في فيلادلفيا إلى ضعف ما تستطيع ان توفره الشركة ويقول مدير الشركة انها اذا عثرت على الكفاءات الفنية يمكنها ان تضاعف ما تورده من عاملين. وسجلت هذه الشركة عائدات بلغت 6.1 مليار دولار العام الماضي على اساس تقديرات بأنها تستطيع توفير 32 ـ 35 الف عامل يومياً في مجال العمالة الماهرة في التكنولوجيا رغم انها تقول انها تطلب نحو 70 الف موظف. ويضيف مدير الشركة انها فقط لا تستطيع ان تجد هؤلاء بالسرعة الكافية.