اعادت زيارة الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة الى فرنسا الحرارة الى العلاقات الفرنسية الجزائرية التي واجهت الكثير من البرود. فمنذ استقلال الجزائر, هذه هي المرة الثانية التي يزور فيها رئيس جزائري فرنسا. وهذا التقارب يعكس ايضا الجانب الثقافي: فاللغة الفرنسية تأتي بقوة الى المشهد السياسي حيث سيتحدث الرئيس الجزائري بلغة موليير من تلفزيون الدولة. تعتبر فرنسا شريكا اقتصاديا وتجاريا اساسيا للجزائر. ما هو حجم التبادل التجاري بين البلدين. وماذا يريد الجزائريون اقتصاديا من فرنسا؟ ان محادثات الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة والوفد المرافق له مع المسئولين الفرنسيين تتناول الاصلاحات الاقتصادية التي بدأتها الجزائر وسبل كسب التأييد والدعم الذي تحتاجه هذه الاصلاحات وخصوصا من فرنسا انطلاقا من منحى التحسن الذي شهدته العلاقات الجزائرية الفرنسية في مختلف المجالات والتي يتوجها اليوم زيارة الرئيس الجزائري لتعكس هذه الزيارة بشكل ملموس هذا التحسن الذي بدأ يتبلور اقتصاديا ومصادقة البرلمان الفرنسي في فبراير الماضي على اتفاق الاستثمارات بين البلدين والذي كان معلقا منذ عام 1993. اما العلاقات الاقتصادية بين البلدين فلا تزال تواجه العوائق العديدة. وهكذا فأن الرئيس بوتفليقة لا يشجع ما يطلق عليه بـ(اقتصاد السوق), إذ يعيب على الصناعيين الاجانب وعلى الخصوص الفرنسيين اعتبارهم للجزائر سوقا تجارية وارضا للاستثمار فقط. وفي هذا المناخ يواجه الفرنسيون المنافسين الأمريكيين والاسبان. أحد الدبلوماسيين العاملين في الجزائر يقول: (هذا الانطباع لا يقدر الصمود لا أمام الحقائق ولا أمام الأرقام. في معرض الجزائر ـ الذي افتتح ابوابه أمس الأول الثلاثاء عرضت فرنسا 180 جناحا, وهناك قرابة 30 جناحا اضافيا موزعا خارج الجناح الرئيسي, وهو ما يعادل ضعف ما تم عرضه في العام الماضي). وهذا يعني وكما تشير جميع المؤشرات بأن حجم التبادل التجاري الفرنسي الجزائري في ازدياد ويلاحظ ايضا ازدياد حجم التبادل التجاري الألماني الجزائري بعيدا عن امريكا واسبانيا. وعلى اية حال ان ميزان العجز التجاري الجزائري ازاء فرنسا يتعمق ليصل الى 6.1 مليارات فرنك اي 930 مليون دولار. اضافة الى التجارة العشوائية التي تغذي الجزائر حيث يعيش في فرنسا نحو مليون مهاجر جزائري. وهذه التجارة الموازية تغذيها عمليات (التهريب) لا يمكن حساب ارقامها ولكنها مهمة بحيث تسمح لثلاثة ملايين من الجزائريين العاطلين عن العمل اي 30 بالمئة من السكان الفعليين ان يعيشوا على هذه التجارة الموازية. ولكن السوق الجزائرية لا تشكل دعامة اساسية بالنسبة للصادرات الفرنسية. في قطاع السيارات, على سبيل المثال, ان شركتي بيجو ورينو الشهيرتين إذا ما حققتا قرابة مليار دولار من المبيعات فإنهما غير قادرتين على منافسة الشركات الكورية مثل هونداي ودايو وكيا الحديثة العهد. فالجزائريون يفضلون الاستثمار المباشر, الذي يؤدي الى خلق الوظائف والثروات. ومن وجهة نظرهم فإن رؤوس الأموال تصل الى الجزائر ببطء. ويعتقد المستثمرون الاجانب ان عمليات الخصخصة لا تزال بطيئة. فبعد مرور خمسة اعوام على اجراء أول قانون للتجارة الحرة, وبعد مرور عشرين شهرا على مادة التنفيذ في 7 يونيو 1998, لم تبدأ سوى الآن عمليات خصخصة 89 شركة تابعة للقطاع العام. ومنذ شهر فبراير, انتقلت شركتان من ملكية الدولة الى القطاع الخاص, الأولى اسست مع ألمانيا والثانية مع المملكة العربية السعودية. وهاتان العمليتان كلفتا بين 50 و 60 مليون دولار لكل منهما. وغياب الفرنسيين عن هاتين العمليتين لا يعني عدم وجود مستثمرين فرنسيين. مجموعة شركة بيير فابر ستبدأ هذا الاسبوع بالتعاون مع الشركة الدنماركية نوفو نورديسك والشركة الجزائرية سيدال. وهناك مشروع لبناء مصنع للأدوية في منطقة تيزي ـ أوزو تبلغ كلفته 60 مليون دولار ويوفر عملا لـ236 عاملا بطريقة مباشرة وقرابة الف وظيفة بطريقة غير مباشرة. وفي الاسبوع الماضي قام الرئيس الجزائري بوتفليقة بوضع حجر الاساس لمشروع مطحنة وهو انتاج مشترك 70 بالمئة من شركة سوكريمو الفرنسية و30 بالمئة من قبل شركة هابور الجزائرية. وتبلغ تكلفة هذا المشروع قرابة 15 مليون دولار. وهناك مشاريع اخرى مع شركات فرنسية مثل شركة سانوفي ـ سينتيلابو ورون ـ بولينيك. اضافة الى مشاريع تصفية المياه, والمطار, ومترو الجزائر. ويمكن القول حسب الخبراء ان العلاقات التجارية الجزائرية الفرنسية بدأت بالفعل بين البلدين وخصوصا بعد ان تثبتت دعائم الحكومة وارتفاع اسعار البترول 30 دولارا للبرميل, ولم تكن هذه هي الحالة قبل عام, وعلى الخصوص ان البترول يشكل 95 بالمئة من ميزانية الجزائر, وبهذا الارتفاع في اسعار البترول يمكن للجزائر ان يسدد جزءا من ديونه الخارجية. وبطبيعة الحال ان فرنسا مرتاحة جدا من تحسن الاقتصاد الجزائري نسبياً ولكنها تطالب الجزائر بضرورة اصلاح النظام المصرفي الجزائري وعلى الخصوص شركة كوفاس اي (الشركة الفرنسية لضمانات التجارة الخارجية). ذلك لأن الجزائر تشكل 22 بالمئة من السوق الفرنسية بالنسبة للشركات الفرنسية. فرانسوا ديفيد مدير الشركة المذكورة اعلن قائلاً: (على الرغم من كل ذلك فإننا نتخذ الاحتياطيات اللازمة ذلك لأن المدفوعات غير مضمونة والوضع الجزائري لم يعد مستقرا مئة بالمئة). ذلك لان مناطق عديدة من الجزائر لا تزال مسرحا للصراع المسلح. والشركة الفرنسية لضمانات التجارة الخارجية تضطر للجوء إلى وزارة المالية من اجل تدعيم وضعها. ولعل ـ المخاطر السياسية ـ هي وحدها التي تهدد عمل الشركة الفرنسية لضمانات التجارة الخارجية وخصوصا ما يتعلق بالثقة المتبادلة التي لا تزال هشة بين الطرفين للاسباب الآنفة. كما تطلب فرنسا من الجزائر تحسين مدفوعاتها لضمان الاستثمارات الاجنبية, وعلى الخصوص ان الجزائر تحتل المرتبة السادسة اي ما قبل الاخيرة حسب تقديرات صندوق النقد الدولي. وعلى أي حال فإن فرنسا مستعدة كما تطالبها الجزائر بتحويل الديون الجزائرية العامة إلى استثمارات محلية. ولهذا ينبغي تقديم الطلب إلى (نادي باريس) للبت في هذا الموضوع ومن المعلوم ان الجزائر لم تطرح هذا الموضوع في (نادي باريس) على العكس من المغرب الذي يستفيد من تحويل 30 بالمئة من ديونه العامة إلى استثمارات محلية. ومن الواضح ان الجزائر تعمل على اغراء المستثمرين الاجانب من اجل ضمان 95 بالمئة من عملتها الصعبة. وتعتبر الجزائر سادس منتج للغاز في العالم (يبلغ انتاجها 70 مليار متر مكعب). وهي المنتج النفطي رقم 21 في التسلسل العالمي (يبلغ انتاجها النفطي 850 الف برميل في اليوم). وبعد ان تمت مناقشة قانون المناجم في البرلمان الشعبي, انتقلت الحكومة الجزائرية إلى موضوع الطاقة الكهربائية. وسوف تقوم الجزائر بتنظيم مؤتمر وطني حول الطاقة الكهربائية بين 18 و19 يوليو المقبل. وسيتم استغلال طاقة الغاز في الكهرباء التي تشكل 75 بالمئة من الانتاج اي 2000 ميجاوات المكرس للسوق الخارجية, وعلى الخصوص اسبانيا. وأكد وزير الطاقة والمعادن خليل شكيب, وأكد في المؤتمر العالمي للغاز في نيس الفرنسية مؤخراً: (بأن انتاج الغاز وتوزيعه سيكون حرا من قبل الشركات الاجنبية. وسيعرض هذا القانون الجديد على البرلمان في السنة المقبلة. وفي الوقت الحاضر تقوم شركة وطنية جزائرية (سونترا) بإنتاج الغاز وتضم شركات التوزيع مئة بالمئة. وهناك شركات التصفية الاجنبية العاملة معها مثل: نافا, ونافتيك, واينيب. وهذا التدخل في الانتاج يسمح للشركات العالمية بالمساهمة. وتوجد حاليا قرابة 20 شركة بترولية عاملة في الجزائر مثل توتال فينا, ايلف, بيبي اموكو, ايكسون موبيل ريبسول وغيرها. ولابد من الاشارة إلى ان احتياطي البترول في عام 2000 هو افضل مما كان عليه في عام 1970. ومن ثم زيارة وفد ارباب العمال الفرنسيين إلى الجزائر للتعرف ميدانيا على الاوضاع والاطلاع عن قرب على مشاريع الاستثمار المتاحة في الجزائر وذلك خلال شهر مارس الماضي. وقد سجلت الجزائر مبادلاتها التجارية في العام الماضي فائضا مع عدد من الدول بقيمة ثلاثة مليارات دولار سجلت عجزا مع فرنسا, وعلى الرغم من ان فرنسا تعتبر المصدر الاول للجزائر والمستورد الثاني منها, تبقى الاستثمارات الفرنسية في الجزائر متواضعة بالمقارنة مع استثمارات بلدان اخرى اذا ما استثنينا قطاع المحروقات وصناعة الادوية والنشاط المصرفي حيث تتاجر حوالي ثلاثة آلاف شركة فرنسية مع الجزائر ولكن عشرات منها فقط حاضرة بشكل دائم ففي اغلب الاحيان عبر مكاتب التنفيذ. من هنا فإن الرئيس الجزائري الذي شدد على العلاقات الاقتصادية خلال لقائه بارباب العمل الفرنسيين وطرح عليهم المشاريع التي من الممكن الاشتراك فيها في الجزائر, وقدم لهم الضمانات في صالح المستثمرين الاجانب, تخص جميع الميادين الاقتصادية التي تهم السوق الفرنسية: الاتصالات والمياه والطاقة الكهربائية والنقل وغيرها. ووعد المستثمرين الفرنسيين بالمضي على طريق اقتصاد السوق كي يزيل الصناعيون وممثلو الشركات الفرنسية تحفظاتهم حيال العمل والاستثمار في الجزائر التي بدأت تتعافى من دوامة العنف بعد ان اعاقت هذه الدوامة الاستثمارات الاجنبية والتي تسعى الجزائر للحصول عليها بغية مواجهة الصعوبات الاقتصادية وذلك على امل اقامة مشاريع مشتركة تسهم بتطوير القطاعات الاقتصادية الجزائرية وتساعد على إعادة هيكلة المؤسسات من أجل انعاش الاقتصاد الجزائري كي يكون هذا الاقتصاد قادرا على مواكبة التطور ولكي يتمكن من مواجهة التحديات المطروحة امام الجزائر ومنها اتفاق الشراكة الاوروبية المتوسطية. وعلى هذا الصعيد تكتسب زيارة الرئيس الجزائري بوتفليقة اهمية في انها تأتي قبل تولي فرنسا رئاسة الاتحاد الاوروبي في مطلع الشهر المقبل ولمدة ستة اشهر على امل اعطاء دفع جديد لمفاوضات الشراكة الاوروبية المتوسطية عامة والجزائرية ـ الاوروبية خاصة في المجال التجاري والجزائر التي اجرت مفاوضات مع الاتحاد الاوروبي تطالب بأن يأخذ الاتحاد بالحسبان اقتصادها الذي يعتمد بشكل رئيسي على تصدير النفط ومشتقاته على عكس المغرب وتونس اللذين يبيعان منتجات زراعية بالتنافس مع المنتجات الزراعية الاوروبية. وبالتالي انطلاقا من ثقل فرنسا في الاتحاد الاوروبي وثقل الجزائر في منطقة المغرب العربي, يمكن لزيادة الرئيس الجزائري ان توجد مناخا جديدا من الثقة و ان تعيد اطلاق عجلة التعاون الاقتصادي بين فرنسا والجزائر على اساس المصالح المشتركة المتوازنة.