قبل فترة وجيزة أعلنت حكومة دبي انها لاتفكر في نهج سياسة التخصيص في الوقت الراهن. والحقيقة ان عاصفة التخصيص التي شملت كافة دول العالم يبدو انها قد بدأت تهدأ كسوق انفض, ربح فيه الرابحون وخسر فيه الخاسرون. ان للتخصيص ايجابياته الادارية والمالية, كما ان له سلبياته أيضاً في ذات الجوانب وغيرها. ولقد نهجت حكومة دبي نهج إحكام الرقابة الادارية والمالية الخارجية )أي خارج اطار المؤسسة( وكذلك الرقابة الداخلية وتدعيم دور الرقابة الذاتية. فهذه جائزة دبي للتميز التي تمنح للدوائر الحكومية بعد اخضاعها للتقويم بالطرق والمنهجية العلمية والمنطقية تدل دلالة قاطعة على غرس وتدعيم روح الرقابة والتقويم بفروعها الثلاثة التي ذكرناها. فالرقابة الخارجية هي رقابة الحكومة لدوائرها ومؤسساتها وتقويم ادائها ويأتي على رأس تلك الرقابة الزيارات الميدانية التي قام بها ومازال الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع والتي اكتشف خلالها بعض السلبيات الادارية التي أمر سموه مباشرة بتقويمها وتصحيحها بالطرق والمنهجية العلمية والخبرة العملية العميقة. ومن وسائل الرقابة الحكومية أيضاً وجود ديوان للمحاسبة محلي يتولى الرقابة والتدقيق والمراجعة المالية لميزانيات الدوائر والمؤسسات الحكومية وحساباتها الختامية من الناحيتين المالية من جهة والمالية الادارية من جهة اخرى. أي بمعنى آخر لايوجد قبض أو تحصيل للايرادات الا بقانون أو بأمر أو بقرار مبني على قانون وكذلك لايوجد صرف الا بقانون أو بأمر أو بقرار مبني ايضاً على قانون. حيث ان الرقابة المالية الصحيحة تقتضي التحقق من سلامة اجراءات القبض والصرف من الناحية الادارية ايضاً اضافة الى الناحية المحاسبية. والحقيقة ان الحكومة قد نجحت الى حد كبير في إحكام انظمة الرقابة الادارية والمالية على دوائرها ومؤسساتها من الناحية العملية وقد نجحت الى حد بعيد في ذلك من الناحية المنهجية. والحقيقة ان ايجابيات التخصيص قد تحدث عنها الكثير وهي ترتبط بفلسفة القطاع الخاص ذاته الذي يهدف الى الربح بخلاف القطاع الحكومي. غير أن سلبيات التخصيص قد تكون كثيرة أيضاً ومنها صعوبة استرجاع القطاع أو المؤسسة التي تم تخصيصها الى القطاع الحكومي مرة اخرى فيما لو ظهرت هناك سلبيات بعد تخصيصها وكان التخصيص بحد ذاته سبباً فيها أو أن الحكومة رأت استرجاعها لأسباب أو أهداف أو متغيرات مستجدة أو نظرة مستقبلية أو عوامل خارجية تستدعي ذلك. حيث ان الاسترجاع في حينه قد يكلف الحكومة كلفة عالية جداً ان لم يكن مستحيلاً أحياناً. من هذا المنطلق تصبح المؤسسات الخدمية والمرافق العامة ذات الطابع المرتبط بمصلحة الافراد المباشرة لايمكن تخصيصها لأن في عملية تخصيصها انقاص من الدور الذي يجب ان تؤدية الحكومة تجاه المجتمع ورفاهيته. وان انقاص الدور الحكومي في ذلك وزيادة الأعباء على أفراد المجتمع قد يتطلب زيادة مستوى الاجور والمرتبات مما يعني زيادة التكلفة على الحكومة والافراد معاً وذلك لان كل زيادة في الاجور والمرتبات قد تترتب عليها زيادة الاسعار أيضاً. أما الانشطة الاقتصادية الحكومية والمؤسسات ذات الطابع التجاري, فان تخصيصها لاشك فيه مصلحة الحكومة وان ايجابياته في الغالب تفوق سلبياته. وان التخصيص أو الخصخصة ليس بالضرورة ان تشمل المشروع المستهدف بكامله وانما ربما تقتصر على الجزء ذي الطابع التجاري فقط في الوقت الذي يبقى اجزاء المشروع الاخرى تحت الادارة الحكومية. د. محمد ابراهيم الرميثي