التعديل بحد ذاته مطلب أساسي وسنة من سنن الحياة تدل على التفاعل الايجابي مع المتغيرات والمستجدات, ولا شك ان التغيير في القوانين والتعديل مطلب جوهري يسعى اليه كافة افراد المجتمع ومؤسساته وذلك انطلاقا من تغير الحياة العامة برمتها والمستجدات التي نلاحظها. غير ان التغيير لابد وان يتم بناؤه على أسس علمية وعملية وواقعية ولابد من ان يتم بناؤه على فلسفة معينة تتضمن تلك الأسس والأركان وتكون لها أهداف محددة وغايات واضحة. ولابد للتغيير المستهدف في أي قانون ـ وبشكل خاص قانون العمل, وذلك لأنه يمس مصالح أفراد ومؤسسات وشركات من مختلف الجنسيات ـ لابد له وان يلتزم بأحكام ومبادىء الشريعة الاسلامية أولا, فالاطار العام للقانون الدولي, والاطار العام للقيم الاجتماعية والآداب العامة, والاطار العام للنظام العام والأهداف العامة للدولة. ومن هذا المنطلق فإن كافة الاقتصاديين يكادون يتفقون على ان أي تعديل يطرأ على قانون العمل والقرارات واللوائح والنظم المرتبطة به لابد وان ترجح زيادة مصلحة العاملين على حساب أرباب العمل ـ في رأيي ـ هو دائما العنصر المظلوم من عناصر الانتاج. ومن تبنى فلسفته وسار على نهجه. ومن يرجع منّا الى الاقتصاد الاسلامي بمبادئه وأحكامه وخصائصه وفلسفته العامة يلاحظ كيف ان ذلك النظام الفريد قد أنصف العاملين وضمن حقوقهم بطريقة ليس لها مثيل. إن التوجه الدولي العام هو تغليب حقوق العاملين وتنميتها, فلا يعقل أبدا ان يأتي التعديل المقترح بعكس ذلك. كما ان زيادة حقوق العاملين هو نوع من الحوافز التي ينادي بها كافة الاقتصاديين والاداريين وعلماء النفس المتخصصين (بعلم نفس العمال). وان مبدأي الرضى الوظيفي, والأمن الوظيفي, لابد من مراعاتهما عند ادخال أي تعديلات على قانون العمل. وتعتبر الاجازات الدورية وغيرها وكذلك الحقوق المالية والالتزامات الدعامات الاساسية لحوافز العاملين, فلا يعقل أبدا ان نضعف من تلك الدعامات لحساب رب العمل وعلى حساب العامل. فلو أخذنا اجازة الحج مثلا, فهي مرة واحدة في العمر يفرح بها العامل وتدخل السرور والطمأنينة على نفسه, وهي ليست خسارة لرب العمل, بل هي استثمار له, حيث ان الغذاء الروحي الذي سيتزود به العامل خلال تلك الاجازة يصقل من شخصيته ويكيفها تجاه مصلحة العمل واخلاصه لعمله. ولو أخذنا الاجازات الدورية فإن تأثيرها النفسي والمعنوي على العامل كبير لأنه قد يعود الى العمل بحيوية ونشاط أفضل. بيد اننا من الممكن جدا تنظيم تلك الاجازات بحسب فئات العاملين وسنوات خدمتهم للمؤسسة والمستوى الوظيفي لهم, بحيث لاتقل الاجازة السنوية عن 30 يوما. والحقيقة ان قانون العمل اذا لم يتمكن من الزام القطاعين الخاص والعام باعطاء الأولوية في التوظيف للمواطنين في حالة توفر العنصر المواطن المؤهل للوظيفة الشاغرة بنسبة تأهيل لا تقل عن 60% (دون الالتزام بشرط الخبرة), واذا لم يتمكن القانون كذلك من وضع سياسة معينة لالزام القطاعين العام والخاص على احلال المواطن محل الأجنبي في حالة توفر المواطن العاطل عن العمل فإن باقي التعديلات لا تصبح ذات قيمة تذكر اذا لم يتم تحقيق الهدف الرئيسي من التعديل. والحقيقة اننا لو تركنا سياسة توطين القوة العاملة بهذه الصورة الهلامية غير الواضحة التي تهدف اليها الوزارة في تعديلاتها فإننا لن نحقق الأهداف المنشودة على الاطلاق. وبالتالي لابد من انشاء هيئة مستقلة لتخطيط القوة العاملة تكون وظيفتها تخطيط القوة العاملة على مستوى الدولة بكل ما تقتضيه عملية التخطيط من اجراءات, ولا يقتصر دورها على التنسيق والمتابعة, إذ لابد لها من وضع البرامج والخطط اللازمة لذلك والتدخل الفعلي حتى في السياسات التعليمية. د. محمد إبراهيم الرميثي