أقر الكونجرس الامريكي, تماماً كما توقعنا في مقال سابق لنا, قانون العلاقات التجارية الطبيعية الدائمة مع الصين في عملية تصويت شابها خلاف كبير. وقد ضمن الحشد الذي قامت به إدارة كلينتون الى جانب قيادة اعضاء الكونجرس من الجمهوريين الصراع على ارض مجلس النواب هامشاً أكبر للفوز مما كان متوقعاً. فقد تم اقرار التشريع, الذي سيمنح علاقات تجارية طبيعية دائمة للصين ويشكل لجنة لمراقبة سجلها في مجال حقوق الانسان بأغلبية 237 صوتاً مقابل 197 صوتاً معارضاً. وينتقل مشروع القانون, الذي ينهي 20 عاماً من نظام المراجعة السنوية لوضع الصين التجاري, الان الى مجلس الشيوخ, حيث يعتبر اقراره مضموناً من ناحية عملية بحلول منتصف يونيو الجاري على الرغم من المعارضة الشديدة من جانب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في المجلس, السناتور جيسي هيلمز. ويتوقع ان يتسبب هيلمز في اشعال بعض المفرقعات في محاولاته لاعاقة سن القانون. ويأمل هيلمز الذي يعتبر منتقدا قاسيا للصين وكذلك الرئيس كلينتون بأن يستهدف القيادة في بكين لموقفها المهدد ازاء تايوان. وتبذل غرفة التجارة الامريكية جهدا رئيسيا ضاغطا مؤيدا لنشاط الأعمال يهدف الى اقرار مشروع القرار. وقد وصف رئيس الغرفة توماس دونوهو نتيجة التصويت من الحزبين بأنها (انتصار للواقعية على الخوف وفوز تاريخي للاقتصاد الأمريكي وأمننا القومي, وقد فازت الحقيقة حول التجارة الحرة اليوم) . وأضاف دونوهو قائلا ان (قانون العلاقات التجارية الطبيعية الدائمة يفتح الاسواق الصينية أمام المنتجات الامريكية ومصالح الاعمال والمزارعين, ويوجد فرص عمل للعاملين هنا في الداخل) . وبصفته مساعدا لرئيس لإئتلاف مصالح الاعمال من اجل التجارة الامريكية ـ الصينية, حدد دونوهو الحشد الاساسي في اكثر من 66 منطقة تابعة للكونجرس من أجل مواجهة جهود جماعات حقوق الإنسان والاتحادات العمالية ونشطاء البيئة الذين حاولوا وقف اقرار القانون بمساعدة عناصر اساسية في قيادة مجلس النواب من الحزب الديمقراطي. اما رد الفعل الرسمي للصين, فقد كان مختلفا تماما. فبخليط من الفخر والانزعاج, امتدح مسئولو الحكومة الصينية القرار ووصفوه بأنه (خيار حكيم) مع التأكيد على انه يعزز العلاقات السياسية والاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين. وصرح هو تشوسهنج, المتحدث باسم وزارة التجارة الخارجية والتعاون الاقتصادي قائلا بأن اقرار القانون (سيفيد التطور السليم والثابت للعلاقات التجارية الصينية الامريكية على اساس من المساواة والمنفعة المتبادلة) . لكن كلا من هو ووزارة الخارجية عبرا عن (قلق خطير وعدم رضى) من قيام اعضاء مجلس النواب كجزء من القانون, بتشكيل لجنة خاصة بحقوق الانسان لمتابعة سجل الصين حول قضايا حقوق الإنسان والعمال. وصرح الناطق بلسان وزارة الخارجية الصينية ذهانج كيو بأن لجنة حقوق الانسان هذه (تتضمن بنودا تحاول ان تتدخل في الشئون الداخلية للصين تحت ذريعة حقوق الانسان وان تلحق الاذى بمصالح الصين) . وينص مشروع قانون العلاقات التجارية الطبيعية الدائمة على تشكيل لجنة تضم 23 عضواً لمراقبة السياسات الصينية فيما يتعلق بحرية العبادة وحقوق العمال والتعبير السياسي والاحتفاظ بقوائم ضحايا الانتهاكات الحكومية المزعومة. وستقدم تقريرا سنويا للكونجرس وتضع الاسس لأي تشريع مستقبلي تعتبره مناسبا. غير ان التشريع لا يربط بين انتهاكات حقوق الانسان والسياسة التجارية, كما انه لا يضع معايير لتحديد المقاييس حول انتهاكات حقوق الانسان. واذا كان هناك ارتباط, فان هذا سيؤدي الى انتهاك قوانين منظمة التجارة العالمية التي تنص على ان اعضاء المنظمة يتعين ان يمنحوا بعضهم البعض وضع التجارة الطبيعية بدون شروط وباقرار هذا القانون والاتفاقيات الحديثة بين الاتحاد الأوروبي والصين, تكون جميع الشروط الضرورية قد تم تلبيتها من أجل دخول الصين منظمة التجارة العالمية. الصراع الداخلي في الصين يعتبر المغزى الاستراتيجي لاقرار قانون العلاقات التجارية الطبيعية الدائمة مهما جدا بالنسبة للصين وكفاحها لمواصلة عملية الاصلاح. لقد التزم الاصلاحيون الصينيون البارزون بزعامة رئيس الوزراء زهورونجي الصمت بشكل جلي ازاء عملية التصويت التاريخية. فعلى الرغم من ان عملية التصويت في الكونجرس الأمريكي, بحسب مراقبين مطلعين, قد ضمنت فوزا لرئيس الوزراء, الا ان متشددي الحزب الشيوعي كانوا شديدين في معارضتهم لانضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية. وخلال العام الماضي, كان المتشددون واضحين على نحو متزايد في معارضتهم للسياسات الاصلاحية للرئيس جيانج زيمين وزهورونجي. وعلاوة على ذلك, فقد حاول العديد من كبار القادة العسكريين والبيروقراطيين الحمائيين المحافظين في بعض وزارات الحكومة المركزية ـ حاولوا منع تعامل الصين مع الولايات المتحدة. ومن أجل تهدئة المتشددين, دعا جيانج زيمين الحزب الشيوعي لكي يتولى دوراً اقوى داخل المشروعات الخاصة في الدولة. وفي خطاب له امام مؤتمر للحزب الشيوعي عقد في شنغهاي في الرابع عشر من مايو الماضي, قال جيانج ان خلايا الحزب يتعين ادخالها الى هذه المشروعات من اجل ضمان التطور السليم للقطاع الخاص. وكان جيانج الذي يشغل منصب الأمين العام للحزب قد وصف المشروعات الخاصة بانهاء جزء لا يتجزأ من (اقتصاد السوق الاشتراكي) . ان ما يحاول جيانج والقيادة الاصلاحية عمله هو وضع حجر الاساس لمهمة جديدة لكادر الحزب الشيوعي. وفي تقرير رسمي لوكالة انباء زينهو, حدد جيانج بالتفصيل وظيفة كادر الحزب التي تقوم من خلالها (خلايا الحزب) في نشاط المشروعات الخاصة بـ(تعليم رجال الأعمال الذين يتمتعون بروح المغامرة والدفاع عن سياسات الحزب وضمان عمل المشروعات ومصالح الأعمال وفقا للقانون وحماية مصلحة المستخدمين. ووفقا لمراقبي الصين في جهاز الأمن القومي الأمريكي, فان الاصلاحيين الاقتصاديين الكلاسيكيين تم خلال العام الماضي تهميشهم من قبل المتشددين مما زرع الشكوك في اوساط الحكومات الغربية حول ما اذا كانت هذه الاصلاحات سيتم تطبيقها في اطار تشكيل اقتصاد يعتمد على السوق بالفعل. ومما يؤكد هذه النقطة خطاب آخر القاه الرئيس جيانج وأعلن فيه بأن الأولوية القصوى للحزب الشيوعي ستكون في إعادة احياء الشركات المملوكة للدولة. وفي ذلك الوقت, تطور تغير دقيق على التركيز في السياسة حيث حدد جيانج اهمية الشركات المملوكة للدولة بالنسبة للمستقبل الاقتصادي للصين. وكانت هذه الخطوة بداية لتراجع طفيف في اصلاحات الخصخصة التي كان زهو رونجي يعمل على تطويرها. وفي الواقع, ان بعض المحللين قد قالوا لصناع السياسة الامريكيين بأن رئيس الوزراء قد تم تجريده عمليا من دوره كمصلح اقتصادي رئيسي للصين. والدليل على هذا التغيير كان قرار المؤتمر الوطني الشعبي بزيادة سلطته على حساب زهو فيما يتعلق بالسياسة الاقتصادية القومية. وكان زعيم المؤتمر الشعبي الذي قاد هذا التحرك هو حامل لواء (الحرس القديم) ورئيس الوزراء السابق لي بينج. فقد كان لي معارضا للاصلاحات السريعة التي روج لها خصمه زهو. ويعتقد لي ومعه المزيد من المتشددين ان الصين ستواجه اضطرابات سياسية واجتماعية أكبر بسبب تأثير دخول الصين الى الاقتصاد العالمي ومنظمة التجارة العالمية على الصعيد الداخلي. ومن الأهمية بمكان الأخذ بعين الاعتبار حقيقة وجود تناقض متنام بين رجال الاعمال في القطاع الخاص والسكان وخاصة في المناطق الغربية من الصين حيث يتزايد الفقر بشكل سريع. وتحاول الحكومة المركزية يائسة تطوير هذه المناطق النائية ولكنها تواجه صعوبات. وفي ابريل الماضي, نشر مكتب الاحصاء الوطني تقارير تظهر وجود تفاوت متنام بين مدراء الشركات ومستخدميهم. وقد نشرت صحيفة الحزب الشيوعي الرسمية (بيدلز ديلي) افتتاحية يوم السادس عشر من مايو الماضي تحدد طبيعة الفجوة المتسعة في الدخل داخل الصين. وعلاوة على ذلك, فان البلاد بأسرها تكافح فساداً هائلاً في أوساط طبقات بأكملها في المجتمع يؤدي الى تقويض شرعية الحكومة المركزية. ويصل الفساد المستشري الى أعلى مستويات القيادة في بكين. ويتم القاء اللائمة في هذا التأثير المدمر للفساد على (نموذج التطور الرأسمالي) الصيني القائم على مبادىء السوق الاشتراكية من قبل متشددي الحزب. ان ما يقوله بعض المحللين الامريكيين هو ان الصراعات الداخلية حول الاصلاحات وتأثير انضمام الصين للاقتصاد العالمي يعني انها ستطبق من جديد اصلاحات داخلية رئيسية تقود الى صراع عملاق على السلطة قد يؤدي الى انهيار النظام. تحديات الصين الاقتصادية الداخلية تبحث مذكرة سياسية اصدرتها مؤسسة فكرية تتخذ من واشنطن العاصمة مقراً لها هي (بروكنجز انستيتوشن) في المشكلات التي تواجه الاقتصاد الصيني. ويخلص التقرير في البداية الى ان (الصين تواجه تحدياً كبيراً في الحفاظ على النمو الاقتصادي السريع الذي ميز منذ عام 1978 تحولها من الاقتصاد الموجه الى اقتصاد السوق. ووفقاً لاحصائيات حكومية, فان معدل النمو الاقتصادي كان 1.7% في عام ,1999 وهو العام السابع على التوالي الذي يكون فيه النمو أبطأ مما كان عليه في السنة السابقة. والتوقع الرسمي للحكومة الصينية لمعدل النمو في عام 2000 هو 7%, الأمر الذي سيعني استمرار تباطؤ النمو لسنة اخرى أيضاً) . ويضيف التقرير قائلاً بأن (البيانات الرسمية تبالغ في وتيرة التوسع الاقتصادي والمكاسب في الرفاه الاقتصادي الحقيقي, وان لم يكن لسبب آخر فلحقيقة انه كان هناك مراكمة استثنائية للسلع غير المبيعة أو غير القابلة للبيع خلال العقد الماضي. وبينما يتم حساب هذه السلع المخزنة كجزء من الانتاج وبالتالي تساهم في نمو الناتج المحلي الاجمالي للصين, فانه لايتم الاستفادة منها سواء للاستهلاك أو للاستثمارات الثابتة. والموارد الحقيقية التي استهلكت في عملية انتاج هذه السلع قد تم إهدارها على نحو كبير. ومنذ عام 1990 الى ,1998 بلغ معدل الاضافات الصينية على السلع المخزنة 7.5% من الناتج المحلي الاجمالي) . ويذهب التقرير الى القول بأنه (وفي حين يتطلب الأمر بعض الزيادة في المخزون من السلع لدعم مستويات أعلى من الانتاج, فان التراكم الكبير على نحو غير متكافىء في المخزون في الصين يعكس الانتاج المتواصل لسلع ذات جودة متدنية يوجد عليها طلب ضئيل أو لايوجد على الاطلاق. وكان من الممكن ان يكون المجتمع الصيني بحال افضل بكثير لو لم يتم انتاج سلع بالمرة. وقد اعترف رئيس الوزراء الصيني زهو رونجي في خطابه السنوي أمام المؤتمر الوطني الشعبي في مارس الماضي, بأن تراكم المخزون هو مشكلة متواصلة وانه يتعين على الصين ان (تحد من انتاج المنتجات التي لايمكن تسويقها) . ويمضي التقرير قائلاً: (بالاضافة الى تباطؤ النمو هنالك العديد من المؤشرات الاخرى للتحديات التي تواجهها القيادة الصينية في ذروة الازمة المالية الآسيوية التي اندلعت في عام 1997. فنمو الصادرات قد تباطأ على نحو كبير منذ عام 1997. وفي الفترة ما بين 1987 و,1997 ارتفعت الصادرات الصينية من اقل من 40 مليار دولار الى 183 مليار دولار أي متوسط نسبة توسع سنوية يبلغ 5.16%, ولكن في السنتين الماضيتين, كان نمو الصادرات أكثر تواضعاً, حيث بلغ معدله أكثر بقليل من 3% سنوياً فقط. وعلى نحو مماثل, فبعد مراقبة تدفق الاستثمار المباشر يرتفع من 3 ـ 4 مليارات دولار سنوياً في أواخر الثمانينات الى 45 مليار دولار في عام 1997 )قبل اندلاع الازمة المالية الآسيوية(, فان القيادة رأت نمو الاستثمار الاجنبي المباشر يتبخر في عام 1998 وشهدوا هبوطاً كبيراً فيه الى 40 مليار دولار في عام ,1999 وهذا الانكماش في الاستثمار الاجنبي المباشر هو الأول من نوعه على الاطلاق في فترة الاصلاح) . ويختم التقرير بقوله : (اخيراً, ولأول مرة منذ ثلاثة عقود تصارع القيادة الصينية مشكلة الانخفاض العام في الاسعار. وكانت المشكلة الاساسية تتمثل في المبالغة في الاستثمار في قطاعات عديدة, مما قاد الى قدرة زائدة وميل لدى المصنعين لتخفيض الاسعار في محاولة لبيع سلع كافية لتغطية نفقات مجهود العمل المبذول فيها والمواد المتنوعة الاخرى التي تدخل في الانتاج, وهكذا, فان تخفيض الاسعار في بعض المنتجات الصينية الحيوية مثل الفولاذ استبق بزمن طويل الازمة المالية الآسيوية. لكن تلك الأزمة عمقت على نحو كبير التوجه العام لخفض الاسعار حيث ان سعر الصرف الصيني الثابت مقابل الدولار الأمريكي يعني ان خفض الاسعار في أي مكان آخر من المنطقة قد تم جلبه الى الصين. واشنطن ـ ليوسكانلون