عند عقد مقارنة مبسطة بين الدوريات او المطبوعات الدورية الاقتصادية العربية )اي المجلات الاقتصادية( سواء تلك التي تصدر في العالم العربي او التي تصدر خارج الوطن العربي عند مقارنتها مع نظيراتها التي تصدر باللغة الانجليزية في الدول الصناعية الغربية نري التباين الواضح بين واقع ومستقبل كلتا الدوريتين. فالدوريات الاقتصادية التي تصدر في العالم العربي سواء باللغة العربية او الانجليزية والدوريات الاقتصادية التي تصدر باللغة العربية خارج اطار العالم العربي تكون في الغالب عبئاً وهماً على الجهات التي تصدرها. وهي لا تكاد تغطي تكاليفها لولا لجوء جهات الاصدار إلى تغطية التكاليف باستقطاب بعض الدعايات والاعلانات إلى المجلة. فاما ان يتم الاقتصاد بتكلفة المجلة او اتخامها بالدعايات والاعلانات الكثيرة والمملة للقارىء. وفي كلتا الحالتين يكون ذلك على حساب الجودة المادية والمعنوية للمجلة فتهبط قيمتها في نظر القارىء ويهبط بالتالي سعرها. حيث غالباً ما يتراوح سعرها ما بين 3 دراهم إلى 15 درهما كحد اقصى للعدد الواحد. وغالباً ما يلجأ الاقتصاديون والمثقفون إلى الدوريات الاجنبية )العلمية والاعلامية معاً(. فنلاحظ ان العديد من الدوريات الاقتصادية العربية تولد ثم بعد عمر قصير جداً تموت دون ان يرق قلب على احيائها ودعمها. وتجد بعضها يترنح بين الحياة والموت ولا يجد كذلك من يهتم به. في الوقت ذاته نجد ان الدوريات الاقتصادية الصادرة باللغة الانجليزية في الدول الصناعية الغربية قد اعطاها المستهلك )القارىء( قيمة كبيرة جداً وبالتالي سعراً جيداً في السوق يتراوح ما بين 15 درهماً إلى 50 درهماً للعدد الواحد فتراها تكتسب اسماً وسمعة في الاسواق وتثبت ذاتها. وبالتالي فإن مصيرها ومستقبلها يبدو اكثر وضوحاً واكثر طمأنينة. لاشك ان هذه الظروف التي تمر بها الدوريات الاقتصادية العربية هي انعكاس للواقع المؤلم الذي نعيشه. ذلك الواقع الذي يجعل من الاقتصادي والمثقف العربي عاجزاً عن شراء الدورية الاقتصادية بخمسة دراهم فقط وذلك لأن لديه اولويات اهم في ميزانيته في حين نرى المثقف والاقتصادي الاجنبي يشتري الدورية بمبلغ 40 درهماً ويرصد لها مبلغاً دورياً في ميزانيته باعتبارها غذاءً فكرياً وثقافياً ومن ضروريات الحياة. وعلى الرغم من ايماننا بأن الظروف العامة هي السبب الرئيسي في وصولنا إلى هذه الحالة الا اننا يجب ان نحدد نقاطاً معينة حول مسئولية الجهات التي تصدر تلك المطبوعات وذلك من اجل النهوض بجودة تلك المطبوعات وذلك لاننا نلاحظ ان العديد من المثقفين العرب المستهلكين لتلك المطبوعات يفضلون المطبوعات الاجنبية المكلفة على العربية المنخفضة التكاليف. وبالتالي فإن الرقي بجودة المنتج امر يصبح في غاية الاهمية. حيث ان المستهلك المستهدف وهو رجل الاعمال والاقتصادي المثقف والمتعلم لديه الاستعداد للشراء ولديه الميزانية اللازمة لذلك طالما انه يبحث عن الجودة. فأين تكمن جودة المطبوعات الاقتصادية العربية وكيف نطورها: ـ اول خطوة لابد منها هي اللجوء إلى مبدأ التخصيص وتقسيم العمل وهو مبدأ اقتصادي معروف. ويقتضي هذا المبدأ انني لابد لي من استقطاب باحثين اقتصاديين متخصصين وذوي خبرة ومتمكنين للعمل في المجلة ومراجعة مادة المجلة وتدقيقها قبل نشرها. ـ فصل الاقتصاد عن السياسة حيث يستوجب الفصل وعدم الربط بين كافة الموضوعات الاقتصادية والسياسية. ـ استقطاب الكتاب المتخصصين والاهتمام بعمق التحليل الاقتصادي وبعد النظر وسعة الافق المبني على حقائق وارقام صحيحة ودقيقة. وليس تلك التحليلات السطحية التي تتحكم فيها العواطف ويسيطر عليها الحدس والتخمين وتخرج في تحليلها عن الواقع. او تلك التي تختبىء تحت الستار الاقتصادي لتحقيق غايات غير اقتصادية. ـ ومن اهم النقاط التي لابد من اخذها بعين الاعتبار هي ضرورة استقاء المعلومات من منابعها ومن مصادرها الاولية وضرورة توثيق تلك المصادر والاقلال من المصادر الثانوية وعدم اللجوء إلى النقل وسرقة المعلومات والبيانات والمقالات والتحقيقات والبحوث وتغيير اسلوب طرحها حيث ان ذلك من العوامل الهدامة التي تعمل على هدم ثقة الجماهير بالمجلة. ـ عند اجراء التحقيقات الاقتصادية الاعلامية لابد من ارسال الصحفي الاقتصادي المتخصص الذي يجيد اختيار الشخصيات التي سوف يحقق معها واختيار الموضوعات الهامة محل التحقيق ويجيد صناعة الاسئلة ويجيد الاستماع والكتابة والفهم والتحليل ويجيد فن التعامل مع الآخرين ويحترم اصول وقواعد المهنة الصحفية واخلاقياتها. فإذا ما توفر هذا النوع من الصحفيين سوف يجد قطعاً الاحترام المتبادل من الآخرين وسوف يحقق هدفه. ـ اللجوء إلى اسلوب الاقلال من الاهتمام بمظهر المجلة المكلف مادياً وتخصيص ما يتم توفيره من ذلك إلى الاهتمام بجوهر المجلة ومعنوياتها. وفي الختام نقول ان المستهلك اليوم يبحث عن جودة السلعة او الخدمة المقدمة اليه فلابد من الاهتمام بعامل الجودة حتى نتمكن من ضمان مستقبل جديد لدورياتنا الاقتصادية. د. محمد ابراهيم الرميثي