تمثل قضية الربط بين السياسة والاقتصاد قضية جدلية واسعة النطاق بين الاقتصاديين الاكاديميين في الوسط الاكاديمي بعضهم البعض وكذلك الحال بين الاقتصاديين الممارسين في مجال العمل ورجال الأعمال. فتركز أغلب المدارس البريطانية بشكل خاص والاوروبية بشكل عام، على قضية الربط القوي بين السياسة والاقتصاد في حين تركز المدارس الأمريكية ومن يعتقد بفكرها على الفصل التام بين كل من السياسة والاقتصاد وذلك على الرغم من ان واقع الحال يشير الى الربط القوي بين الجانبين. فهذه شركة مايكروسوفت التي يملك رئيسها ومؤسسها الأول ومهندس برمجياتها )بيل جيتس( 15% من أسهمها في حين يملك )بول ألن( المؤسس والمدير 5% ويملك )ستيف بالمر( المؤسس والرئيس التنفيذي في أوروبا 5%, في حين تتوزع 75% من باقي الاسهم على المساهمين بشكل عام. وعلى الرغم من كون ان مايكروسوفت تمارس الاحتكار في سوق البرمجيات بمفهومه العام وبمفهومه الامريكي في ظل المنافسة الاحتكارية التي تسمح بها القوانين الأمريكية. بيد أننا لوفكرنا ملياً بالطرق والمنهجية التي أوصلت مايكروسوفت الى هذا الوضع الاحتكاري لرأينا ان القوانين والتشريعات الامريكية التي ترفض اليوم وضع مايكروسوفت هي ذاتها التي سمحت لمايكروسوفت بأن تصل الى ما وصلت اليه. فلو نظرنا الى عائدات الشركة منذ بداية السنة المالية 2000 حتى اليوم نجدها تزيد على 17 مليار دولار منها حوالي 7 مليارات عائدات ويندوز الذي تستخدمه أكثر من 80% من اجهزة الكمبيوترات الشخصية في العالم, وحوالي 8 مليارات عائدات البرامج المكتبية لميكروسوفت وان أكثر من 2 مليار دولار عائدات السلع الاستهلاكية والتجارية. كما يبلغ عدد العاملين بالشركة حوالي 31396 موظفا. وعلى الرغم من ان الشركة تتبع للقطاع الخاص تبعية كاملة الا أن الحكومة والسياسيين يريدون ان يلقون بثقلهم في وسط القضية وفوق هامتها وذلك لعدة أسباب: منها ان هذه القضية قد تهز البورصة الأمريكية والبورصات العالمية تباعاً هزة عنيفة, فيما لو أيد الاستئناف حكم المحكمة القاضي بتقسيم الشركة الى شركتين منفصلتين ومتنافستين احداهما لبرامج التشغيل ويندوز والاخرى لبرامج التطبيقات أوفيس واكسبلورار وحظر اندماج الشركتين لفترة عشر سنوات والحيلولة دون تملك كبار المسئولين والمساهمين بمايكروسوفت الحالية لحصص رئيسية في الشركتين معاً وقصر اطلاق الاسم التجاري لمايكروسوفت على احدى الشركتين فقط دون الاخرى حيث لابد من ان تختار الشركة الاخرى اسماً تجارياً جديداً لها. والحقيقة ان قضية مايكروسوفت ليست الأولى ولن تكون الاخيرة التي تتم محاكمتها بتهمة ممارسة الاحتكار فقد سبق محاكمة ستاندرد أويل وشركة ايه تي اند تي للاتصالات وأي بي ام للكمبيوتر. والحقيقة اننا لو اخضعنا العديد من الشركات الامريكية الى قانون مكافحة الاحتكار بالمفهوم الاقتصادي المحض لجزأنا العديد من الشركات الامريكية ومنعناها من الاندماج. بيد ان البعد السياسي والمصلحة القومية هما الغالبان على تقييم الوضع الاحتكاري للشركات وهذه مايكروسوفت تمثل درساً حياً على الربط بين السياسة والاقتصاد حيث يبدي الرئيس الامريكي والمرشحون للرئاسة وبعض كبار الساسة يبدون تعاطفاً واضحاً لصالح مايكروسوفت انطلاقاً من تقييمهم الكلي العام لحساب الربح والخسارة للاقتصاد القومي من قرار التقسيم فيما لو تم تطبيقه. ان قضية مايكروسوفت تؤكد لنا فيما لايدع مجالاً للشك ان الفصل بين السياسة والاقتصاد في الاقتصاد الامريكي هو فصل نظري فقط. وهو لايعدو كونه تمييزا للتخصيص عن بعضهما أكثر من فصلاً حقيقياً. حيث ان واقع الحال يبرهن على ان الربط بينهما هو الغالب. د. محمد ابراهيم الرميثي