ظهرت في الآونة الاخيرة فكرة آلية ضبط اسعار النفط الخام لمتوسط سعر سلة خامات اوبك في الاسواق العالمية وبالطبع طالما ان سعر نفط اوبك قيادياً فإنه قد يجر وراءه اسعار خامات النفط الاخرى لأي تغير يطرأ له سواء بالزيادة او النقصان. والحقيقة انه عندما تطلق كلمة آلية للاسعار في المفهوم الاقتصادي فإنه يقصد بها ترك الاسعار تحددها قوى السوق )اي تركها لآلية العرض والطلب(. ومن الناحية النظرية وقد يكون من الناحية العملية لبعض السلع ايضاً فإنه يبدو مع وجود التكنولوجيا الحديثة ممكنا جداً برمجة حركة الاسعار وفقاً لقوى العرض والطلب. وان اسعار النفط الخام اذا نظرنا اليها من الناحية الاقتصادية المحضة فإنها بلا شك قد تكون مؤهلة للخضوع لآلية العرض والطلب وبطريقة مبرمجة آلياً ودون تدخل الانسان في مراقبة الاسعار او التحكم بها اطلاقاً. ومما يدعم هذا الرأي المرونة العالية للانتاج ومن ثم للعرض بالنسبة للمنتجين وكذلك سهولة تخطيط الطلب والتنبؤ به بالنسبة للدول الصناعية المستوردة للنفط الخام. غير انه لو اخذنا بالاعتبار الابعاد السياسية والاستراتيجية بكل ابعادها الاقتصادية والسياسية والامنية والاجتماعية فإن واقع الحال يقول ان ترك اسعار النفط الخام في اوبك لآلية العرض والطلب المبرمجة الكترونياً غير ممكن عملياً وذلك لعدة اسباب: ـ لا اعتقد ان الدول الصناعية المستوردة للنفط الخام سوف تسمح بذلك وذلك لأن هذا الوضع يعطي للمنظمة سلطة قيادية مبرمجة الكترونياً للانتاج والاسعار. وتجدر الاشارة إلى ان الانتاج الاجمالي لدول اوبك حالياً يصل إلى 35.28 مليون برميل يومياً في حين ان الاتفاق الرسمي بين الاعضاء بأن سقف الانتاج اليومي لا يتجاوز 692.24 مليون برميل ويغطي انتاج اوبك بمستواه الحالي حوالي 38% من الطلب العالمي على النفط الخام كما ان لدى دول اوبك طاقات انتاجية كامنة مؤهلة لتغطية الطلب العالمي اليومي على النفط الخام الذي يقدر بحوالي 76 مليون برميل في الحالات الطارئة بنسبة قد تصل إلى 80% حسب المستوى الحالي للطلب. وعلى الرغم من ان هذا الوضع يعطي لدول اوبك اهمية خاصة الا انه من الناحية الاستراتيجية والسياسية فإن الدول الصناعية المستوردة لنفط اوبك لن تسمح لاوبك بحيازة تلك المكانة القيادية لاسعار النفط الخام العالمية بشكل آلي تلقائي. وذلك لأنه كما اشرنا سابقاً فان اسعار النفوط الخام الاخرى تتبع اسعار خام اوبك في اغلب الاحيان. ـ ان الوضع الدولي الحالي يميل إلى تحرير التجارة وقد تكون تجارة النفط الخام مستقبلاً واحدة من تلك التجارات المحررة. وهذا يعزز الحجة بالميل نحو آلية الاسعار دولياً وليس من خلال اوبك. ـ التباين الواضح بين مصالح كل من الدول المنتجة للنفط )اوبك( والدول المستوردة للنفط الخام سوف يجعل من الصعب بل من المستحيل الاتفاق حول حدود الانتاج الادنى والاعلى التي تحدد الاسعار الدنيا والعليا وتحركها آلياً. اي انه من الصعب جداً الحصول على موافقة الدول المستوردة للنفط حول معايير اوبك حول الحركة الآلية للاسعار فيما لو تمت الموافقة المبدئية على فكرة الآلية وهي موافقة صعبة وقد تكون مستحيلة كما ذكرنا في النقطة الاولى ـ ان الاوضاع السياسية والاقتصادية والاستراتيجية الحالية للدول الاعضاء في المنظمة تشير إلى ان هذه الآلية قد تخدم بعض الاعضاء ولن تخدم الآخرين. وقد يكون ذلك عائقاً آخر في طريق تطبيق فكرة آلية الاسعار. ـ ان ضعف النظام الداخلي للمنظمة وهشاشة تكوينه يجعل من الصعب تطبيق النظام الآلي للاسعار. فالمنظمة مازالت بالفعل بحاجة إلى اعادة تنظيمها من الداخل وفقاً للمستجدات والمتغيرات الاقليمية والدولية. ـ تبعية انتاج النفط الخام للقطاع الحكومي وليس القطاع الخاص يجعل من الصعب جداً ربط الانتاج والاسعار بالحركة الآلية للعرض والطلب والمضاربات الدولية التي تصاحبه فلابد من التدخل الحكومي لوضع السياسات الاقتصادية اللازمة التي تحكم ذلك وتراقبه من حين لآخر. ان كافة تلك العوامل مجتمعة تجعل من الصعب جداً تطبيق فكرة آلية الانتاج وآلية الاسعار في اوبك في الوقت الراهن. د. محمد ابراهيم الرميثي