فجر الحكم الذى اصدره القاضى الفيدرالي الامريكى توماس بنفيلد جاكسون مساء امس الأول بتقسيم شركة مايكروسوفت للكمبيوتر الى شركتين متنافستين زوبعة من التكهنات حول مستقبل الشركة العملاقة التى اضحت نموذجا لكيان اقتصادى ضخم يعكس الطفرة التكنولوجية الحادثة فى نهاية القرن العشرين. وينص القرار الصادر عن القاضى جاكسون على تقسيم مايكروسوفت الى شركتين احداهما لبرنامج التشغيل ويندوز والاخرى لبرامج التطبيقات اوفيس واكسبلورار وحظر اندماج الشركتين لفترة عشر سنوات والحيلولة دون تملك كبار المسئولين والمساهمين بمايكروسوفت الحالية لحصص رئيسية فى الشركتين معا وقصر اطلاق الاسم التجارى لمايكروسوفت على احدى الشركتين فقط دون الاخرى. ويمنح القانون الامريكى مايكروسوفت فرصة التقدم بتظلم الى المحكمة العليا للنظر فى حكم المحكمة الفيدرالية الا ان فرص النجاح فى الغاء الحكم الحالى تبدو ضئيلة للغاية انما قد يتيح الفرصة امام مايكروسوفت للحصول على المزيد من الوقت لتأجيل تنفيذ القرار انتظارا لحدوث مستجدات على ساحة الادارة الامريكية عقب الانتخابات الرئاسية, ففى حالة تمكن مايكروسوفت من تمرير تظلمها الى المحكمة العليا فانها ستكسب مهلة زمنية اضافية تمتد ثلاثة اشهر هى الفترة بين انقضاء الدورة الحالية للمحكمة العليا فى نهاية يونيو الجارى وبداية الدورة الجديدة اول اكتوبر المقبل. تجدر الاشارة الى ان تباينا واضحا فى المواقف قد وضح جليا بين الحزب الديمقراطى الحاكم حاليا فى الولايات المتحدة ومنافسه الحزب الجمهورى ازاء قضية مايكروسوفت. ففى حين تبنت وزارة العدل و17 ولاية اخرى فكرة تقسيم الشركة ودافعت عنها بقوة ابدى فرس الرهان القوى للحزب الجمهورى جورج بوش الابن تعاطفا مع مايكروسوفت حين اكد انها قيمة اقتصادية كبيرة ليس بالنسبة للولايات المتحدة فقط بل للعالم اجمع. واعرب بوش فى رد فعله على الاجراءات المتخذة ضد مايكروسوفت عن تمنياته بألا يكون القرار النهائي معولا لهدم تلك الشركة التى تحولت الى مبتكر يثير الاهتمام مستطردا اتمنى ان يضع القاضى فى اعتباره ان مايكروسوفت جزء مهم من الثورة التكنولوجية فى امريكا. ويؤكد المراقبون ان انحياز المحكمة الفيدرالية لمطالبات وزارة العدل الامريكية و17 ولاية اخرى يأتى وفقا لما اعلنه القاضى جاكسون عقب مجموعة من التحذيرات المتنوعة لمايكروسوفت بضرورة الكف عن انتهاك سياسات قد توقعها فى شرك الاحتكار مشيرين الى ان الادارة الامريكية الحالية بدأت منذ عام 1998 فى اتخاذ مواقف متشددة حيال مايكروسوفت وصلت ذروتها فى الثالث من ابريل الماضى. ويقول المراقبون ان القاضى جاكسون وضع بقراره ذلك حدا لطموحات ملياردير البروليتاريا بيل جيتس الذى انزلق عقب ادانة شركته بانتهاك قوانين الاحتكار من اعلى قمة اغنى اغنياء العالم وخسر الكثير من ارصدته اعتبارا من اوائل ابريل حين هوت اسهم شركته بقيمة قاربت 108 مليارات دولار دفعة واحدة. واضافوا ان جيتس اكتسب لقب ملياردير البروليتاريا نظرا لاحتفاظه بهيئة مميزة تختلف كثيرا عن زملائه فى قائمة اغنى اغنياء العالم حيث عمد الى الابتعاد دائما عن الاسراف فى اناقته واكتفى بارتداء الملابس الكاجوال ولم يتخلص من نظارته الطبية البسيطة التى اكسبته دائما مظهر فتى العشرينات. والرجوع الى القرن الاخير فى التاريخ الامريكى يوضح ان الاتهام الموجه لمايكروسوفت ليس هو الاول من نوعه اذ سبقه ثلاث حالات مشابهة مع شركات ستاندارد اويل للبترول وايه تى اند تى للاتصالات وأى بى ام لاجهزة الكمبيوتر التى كانت هى الناجى الوحيد من اتهامات الاحتكار بينما تم تفتيت ستاندارد اويل وايه تي اند تى الى شركات صغيرة الامر الذى وضع حدا لطموحات الشركتين ولم تقم لهما قائمة منذ ذلك الحين. وعلى صعيد متصل رجح محللون تعرض اسهم مايكروسوفت لانخفاضات حادة فى بورصة وول ستريت فور بدء تداولات أمس. وقالوا ان الانخفاضات الجديدة قد تقود الى سلسلة من الانهيارات فى اسهم القطاع التكنولوجى فعلى الرغم من ان تفتيت مايكروسوفت سيتيح الفرصة امام العديد من شركات الكمبيوتر للعودة الى السوق بفعالية الا ان التخبط المتوقع فى قرارات الشراء قد يصيب تلك الاسهم بانخفاضات يصعب التكهن بمداها. واستدل المحللون على ذلك بالقول ان الادارة الامريكية وضعت فى اعتبارها تلك الاحتمالات فاعلنت قرارها عقب نهاية تعاملات امس فى بورصة وول ستريت لعدم التأثير على السوق التى بدأت حركة التداول بفتور ملحوظ فى ظل ابتعاد المستثمرين عن الردهة انتظارا لحكم المحكمة الفيدرالية الا ان انباء عن ارتفاع ارباح شركة (اى بى ام) اكسب السوق نشاطا مفاجئا وصعد بموشر داو جونز للاسهم الصناعية الثلاثين بواقع 29.77 نقطة ليغلق عند مستوى 86.10812 نقطة. كما قفز مؤشر ناسداك للاسهم التكنولوجية وزاد بنسبة 2.2 بالمئة من قيمته بواقع 89.82 نقطة واقفل مسجلا 26.3839 نقطة. وامتد التدعم ليشمل سهم مايكروسوفت الذى زاد بواقع 5.87 سنتا واغلق عند مستوى 5.70 دولارا فى ضو الامال العريضة التى داعبت مستثمريها فى ان يستجيب القاضى جاكسون لمطالب ادارة الشركة باعطائها فرصة لتوفيق اوضاعها واعادة التنافسية الى السوق من خلال ابرام عدة اتفاقيات مع شركات منافسة بشأن التعاون المشترك بينهم. وانعكس الجدل الدائر بين الادارة الامريكية ومسئولى مايكروسوفت منذ ابريل الماضى على اوساط الاستثمار فى مختلف بورصات العالم حيث انتقلت الحرب الكلامية الى تلك الساحة بالضراوة ذاتها. ففى حين ذهب فريق من المستثمرين الى القول بان قرار التقسيم سيكسب مايكروسوفت مزيدا من القوة مع تزايد القيم السوقية لاسهمها ذهب اخرون الى التأكيد على ان مستقبل الشركة بات مهددا بالمخاطر. ويقول ويليام ويتش المدير الادارى لصندوق الوكيل لادارة الاموال الذى يمتلك اسهما بقيمة 155 مليون دولار فى مايكروسوفت لن يكون الامر جيدا بالنسبة لشركتين. لكن مازالت مايكروسوفت هى مايكروسوفت واعتقد ان اسهمها يجب ان تشترى لانها ستحقق نموا قويا فى المستقبل. ويذهب جيفرى ويليام المحلل بمؤسسة وول ستريت انفستمنت الى القول بأن النتيجة ستكون ايجابية بالنسبة لاسهم مايكروسوفت التى سترتفع قيمتها عند اعادة تكوين الكيانين الجديدين الا انه يؤكد فى الوقت ذاته ان ذلك القرار سيفتح الباب امام شركات اخرى مثل نافيجاتور وفا لينوكس سيستمز وريد هات للمنافسة بقوة والحصول على حصة بالسوق الذى كان مملوكا لمايكروسوفت بمفردها. ويستهدف قرار التقسيم ضمان عدم سيطرة مايكروسوفت على برامج تشغيل الكمبيوتر وتسيطر برامج ويندوز التى تنتجها مايكروسوفت على نحو 90 فى المئة من أجهزة الكمبيوتر الشخصية فى العالم ويعود لنظام أو برنامج ويندوز لتشغيل الكمبيوتر الفضل فى الثروة الهائله التى جمعها بيل جيتس وتقدر بمليارات الدولارات. وقد بدأت الحكومة الامريكية اتهاماتها لمايكروسوفت بانتهاك سياسات تعارض عدم الاحتكار فى عام 1997 خاصه بعد ان اضرت مايكروسوفت بأنشطة المنافس الرئيسى لها انذاك شركة نيتسكاب. من المقرر ان تدخل اجراءات تفتيت مايكروسوفت حيز التنفيذ عقب اربعة اشهر غير انه من المتوقع ان تلجأ مايكروسوفت الى عدة خطوات قانونية لتأجيل عملية التقسيم الى نحو عامين فى حالة تنفذها. ويعود تأسيس مايكروسوفت الى عام 1975 وتقدر عائداتها السنوية بنحو عشرين مليار دولار حيث توصف بأنها اكبر شركة فى التاريخ يحتل قمتها احد اغنى الشخصيات فى العالم وهو بيل جيتس. وفى حالة تنفذ قرار التقسيم ستعد تلك هى الخطوة الاولى من نوعها فى الولايات المتحدة منذ عام 1994 حين تعرضت شركة ايه تى اندتى لمصير مماثل. ـ أ.ش.أ