على الرغم من ان الاعداد الجيد للمفاوضات يمثل عنصراً مهما لنجاحها إلا ان الامر الاكثر اهمية وقبل الدخول في أية جولة مفاوضات محتملة يتمثل في سؤال محدد: هل أتفاوض أم لا؟ وقد يعتقد البعض بأن التفاوض حول موقف محدد امر لابد منه وانه لا خيار إلا الجلوس مع الطرف الآخر حول طاولة المفاوضات. وفي واقع الامر فإن الحال بخلاف هذا تماماً ذلك لاننا لسنا مضطرين للدخول في أية مفاوضات يقترحها أي طرف وقد تكون الدعوة ونظرا لان الاعتراف والاقرار بضرورة التفاوض عند حدوث ما يستدعي هذا يعتبر أمرا ضروريا إلا انه بالدرجة نفسها من الأهمية فإن تقليب الاوضاع من كل جوانبها ورفض الدخول في أية مفاوضات عندما تكون الأمور في غير صالحنا يعتبران أمرين ضروريين ايضا. وينصح دائما بعدم الدخول في مفاوضات عند نشوء أي موقف من هذه المواقف: ـ عندما يكون الطرف الذي تتفاوض معه يملك نفوذا قويا وسلطة هائلة ويخطط لاستخدامهما لأننا إذا جلسنا أمام مثل هذا الطرف فسوف نكون كمن يقدم نفسه ضحية طيعة وسلسة الانقياد. ـ عندما تكون البدائل المتاحة أمامك أفضل من تلك التي يتم اقتراحها لانه لا يوجد اي سبب للدخول في مناقشات مطولة عندما ندرك ان ما يتوفر لدينا أفضل بكثير مما قد يتم طرحه خلال النقاش وهذا هو السبب وراء آهمية دراسة جميع الجوانب والاحتمالات الآخرى. ـ عندما يكون الوقت غير مناسب بحيث تنقضي جدوى التعاقد على تنفيذ مشروع ضخم ومعقد في الوقت الذي نكون منهمكين بكل طاقتنا في انجاز مشروعات اخرى عديدة ولا يتوفر لنا الوقت والموارد لتنفيذ أي مشروع جديد او اذا كانت الشركة التي نود التعامل معها تمر بمرحلة ادارية صعبة استوجبت تغيير الادارة العليا حيث يفضل الانتظار حتى يتضح الموقف. ـ عندما لا تتوفر الخبرة الكافية حول المسألة موضوع التفاوض. ـ عندما يؤدي التفاوض الى اضعاف موقفنا فعلى سبيل المثال اذا كان احد الاشخاص يرغب في الحصول على شيء محدد ولا توجد امكانية للحلول الوسط فإن التفاوض يصبح امراً غير مجد. وايضا فإن المقار الرئيسية للمؤسسات غالبا ما ترفض الاستجابة لطلبات الفروع التابعة لها اعتقادا منها بأن هذا سيؤدي الى مزيد من الطلبات. والآن هل انت مقبل على جولة مفاوضات؟ إذا كان الرد بالايجاب فبادر بتأمل هذه الاسئلة جيدا: * هل امتلك الخبرة المطلوبة في هذا النوع من المفاوضات؟ * ان توفرت لي الخبرة فهل تساعدني على النجاح؟ * إن لم تتوفر لي الخبرة فهل يوجد أي خبير متمكن يمكن استشارته؟ * هل المخاطر كبيرة بالدرجة التي ستضر بسمعتي اذا فشلت؟ * هل تتوفر لدي فكرة متكاملة عن ردود فعل الطرف الآخر؟ * هل الطرف الآخر ممن يعتمد عليهم ويستحقون التعامل معهم؟ * هل هذه المفاوضات مفيدة للطرفين؟ * هل الوقت مناسب لهذه المفاوضات؟ * هل الموضوع قابل للتفاوض؟ الآن حان وقت إعلان النتائج. اذا تمت الاجابة بـ(لا) على اربعة اسئلة فإننا ننصح بتأجيل الجولة المقبلة من المفاوضات او عدم التفاوض بنفسك على الأقل. ويفضل عادة تكليف شخص آخر بالتفاوض نيابة عنك او تضيف خبيراً لمساعدتك في التفاوض لان هذين الاسلوبين افضل كثيرا من الجلوس الى طاولة المفاوضات عندما يكون الانسان غير مسلح بكل الاسلحة التي تعزز من موقفه التفاوضي. أما اذا تمت الاجابة بـ(نعم) على ستة اسئلة على الاقل فإن الموقف مطمئن ونشجعك على التحضير والاستعداد للجولة المقبلة من المفاوضات. ما هي تلك اللحظة التي تبدأ فيها المفاوضات؟ وهل تتحدد هذه اللحظة عند نشوء المواقف التالية؟: ـ عندما يجلس الطرفان خلف طاولة المفاوضات. ـ عندما يبدأ الطرفان استعداداتهما للمفاوضات. ـ عند أول اتصال بين الطرفين وقبل ان يعرفا انهما سيتفاوضان. ـ عندما يقرر الطرفان التعامل معاً. إن تحديد اللحظة التي يبدأ فيها التفاوض امر صعب للغاية إلا انه من المؤكد ان المفاوضات تبدأ قبل بداية المناقشات الفعلية بوقت طويل. ولتوضيح الأمر دعنا نفترض انك تنوي فتح محل تجاري صغير وتعرف ان هناك العديدمن المحال المعروضة للبيع ثم ذهبت الى المالك مبديا رغبتك في شراء محل من تلك المحلات. ان عملية ذهابك الى مالك العقار اي مقابلتك له لأول مرة تمثل اللحظة التي بدأت فيها المفاوضات وبشكل عام فإن الطرف الآخر (مالك العقار) سيقابلك بكل هدوء اعصاب مفضلا عدم الحديث عن هذه المحال بالتحديد. وإن فعل فإنه سيتحدث عنها باعجاب ويعدد مزاياها من موقع ممتاز ومزدحم بالمتسوقين ولكنه سيتفادى الخوض في الحديث المطول ويكتفي بتقديم الحد الأدنى من المعلومات. هذه هي اولى المراحل اى ايجاد الصلة او الاتصال المباشر. وهنا يعرف الطرفان بأنهما (ربما) يتفاوضان مع بعضهما. ويتعين عليك في هذه اللحظة بالذات ـ ولمصلحتك الخاصة ـ ان تكون لطيفاً ومهذبا وجادا. إن هذا هو الوقت الذي يقوم فيه الطرفان بتقويم الموقف ويشرعان في معرفة بعضهما من خلال الملاحظة والانصات والتعلم. ويجب عليك هناك ان تحدد وبشكل سريع رأيا متكاملا حول الشخص الذي تتعامل معه. وهذا في الواقع ما يفعله الطرف الآخر ايضا ذلك ان المقابلة الأولى أو الاتصال الأول يعتبر عنصراً مهماً من عناصر التفاوض المثمر. ونظراً لأن المعلومات تشكل اساس عملية التفاوض يتعين عليك ان تنتقل للمرحلة الثانية وهو تجميع أكبر قدر ممكن من المعلومات حول الجدوى التجارية لشراء محل في هذه المنطقة بالتحديد. وافضل أسلوب هو ان تذهب الى احد المحال التي تقع في المنطقة (يفضل ان يكون قريبا من المحل الذي ترغب في شرائه) وتتظاهر بأنك زبون عادي يريد شراء حاجياته وبعد أن تقوم بشراء بعض الاغراض (صحيفة يومية او ولاعة) تطرح السؤال التالي على البائع: (كيف يسير العمل؟) . إن اللحظة التي تطرح فيها هذا السؤال تمثل ايضا بداية المفاوضات.. لماذا؟ لانك بدأت تفعل شيئا مفيدا للغاية إلا أنه نادراً ما يلقى الاهتمام الكافي ويتم تجاهله فقد بدأت الآن مرحلة دراسة السوق على الطبيعة وبهذه الطريقة تكون قد بدأت في تجميع المعلومات وبأسلوب فعال. وقد يوضح رد البائع تراجعا في مبيعات المحل نتيجة لافتتاح سوبر ماركت كبير في المنطقة وهذه المعلومة يمكن ان تلعب دوراً مهما للغاية في مفاوضاتك مع مالك العقار. ان التحضير الجيد والاستعداد الممتاز يشكلان جانبين مهمين لأي مفاوضات وهما جانبان محتجبان تماما عن الطرف الآخر في المفاوضات. وإذا كان الطرف الآخر مستعداً تماما ولم تكن أنت مستعدا بما يكفي فإنه يتعين عليك أن تدرك انه قد بدأ المفاوضات في غيابك وأنه بالفعل قد امتلك ميزة مهمة. ويعتبر التعرف على الابعاد النفسية للطرف الآخر من العوامل المهمة للنجاح في أية مفاوضات. ويمكن التدليل على هذا بابطال لعبة الشطرنج الذين يدرسون ويحللون ويحسبون كل نقلة ويقومون بالعديد من المناورات ويبدلون الخطط بسرعة فائقة خلال المباريات. ولكن ماذا يفعل هؤلاء الابطال والاساتذة قبل أية مباراة؟ انهم يدرسون المباريات السابقة التي خاضها منافسوهم ويحلونها واحدة فأخرى ويدرسون جميع جوانب شخصيات منافسيهم واوضاعهم الخاصة ودرجة مقاومتهم للاجهاد والارهاق وطرق تفكيرهم.. الخ من الجوانب النفسية والاجتماعية. ان مرحلة التحضير للمفاوضات هي مرحلة نظرية فقط وقد لا تكون مثيرة مثل المناقشات الفعلية ذلك ان اللعبة لن تبدأ بعد. ولكن يجب عليك دراسة جميع الجوانب ومحاولة استباق ردود افعال الطرف الآخر بجمع أكبر قدر من المعلومات كما يجب اعداد المقترحات والحجج القوية التي تؤدي الى حصولك على ما تريد وفي حقيقة الامر فإن المفاوضات يمكن ان تكون مواقف مثيرة للغاية تماما مثل لعبة الشطرنج. والآن ما هي الخطوة الأولى التي يجب القيام بها عند اتخاذ قرار بالتفاوض حول أمر من الامور وبداية الاستعداد؟ ان أول خطوة هي دراسة الموضوع وتجميع أكبر قدر من المعلومات حوله لتكوين صورة متكاملة للموقف ويتم هذا عادة بالاجابة على اسئلة من نوعها: * حول ماذا يدور هذا الموضوع؟ * ماذا يتضمن؟ * ما هي مختلف اشكال الحقائق؟ * ما هي المعلومات التي تتوفر لنا؟ * ما هي المشكلات التي يحتمل ان تحدث؟ وإذا افترضنا ان المفاوضات تتعلق بشراء وتملك مؤسسات تجارية فيجب الحصول على المعلومات الخاصة بأداء هذه المؤسسات وتوفير احصاءات حول الارباح التي تحققها والسلع التي تسوقها والمعدل السنوي لنمو عوائدها وموقف المخزون مقابل اجمالي المبيعات والايجار السنوي للمبنى الذي تشغله والزيادات السنوية لهذا الايجار ومدة عقد الايجار واقساط التأمين وحجم الرواتب والضرائب السنوية المقررة ورسوم الموردين ودورات البيع والشراء الموسمية وذلك بهدف تحديد الموقف التجاري للمؤسسة. ان التعرف على المبيعات السنوية والاطلاع على حسابات المؤسسة خلال السنوات الثلاث الماضية مثلا يعطي مؤشراً مهما لحجم اعمالها وذلك على الرغم من ان نتائج اعمال المؤسسة تتأثر ايضا بالسياسات الضرائبية المعمول بها. ولهذا فإن أي مشتر جاد لابد وان يطلب الاطلاع على كشوفات الحسابات الحالية حتى يتعرف على الوضع الحقيقي للمؤسسة. ويفضل ايضا القيام بزيارة شخصية للمؤسسة وذلك لأن الموظفين والبائعين عادة ما يتبرعون بالحديث والثرثرة حول اعمالهم بكثير من الاستمتاع وهكذا يمكن الحصول على المعلومات المطلوبة بالثرثرة معهم بعيداً عن أعين أصحاب المؤسسة. كما يفضل ايضا استكشاف المناطق المجاورة للمؤسسة فقد يغير المشتري الجاد من رأيه إذا اكتشف ان مؤسسة منافسة قد افتتحت فرعا لها في منطقة لا تبعد كثيراً عن تلك التي تقع عليها المؤسسة التي يريد شراءها. وينبغي التفكير بشكل جاد وتحليلي في الاسباب التي تجعل اصحاب المؤسسة يفكرون في بيع مؤسسة مثل منجم الذهب. ان اخذ فكرة واضحة ودقيقة وصائبة حول المشكلات الحقيقية التي تواجه اصحاب المؤسسة قد تكون ميزة مهمة ومؤثرة خلال عملية التفاوض. والهدف الأول لأي مخبر يحاول الكشف عن دوافع وملابسات حادث ما هو الباعث اي الحافز ذلك ان هذا الباعث ـ او بعبارة أخرى (دوافع الحادث) ـ يشكل احد اهم العناصر لفن المفاوضات الفعالة. اننا نحتاج لمعرفة الدوافع التي تجعل اصحاب المؤسسات مثلا يرغبون في بيعها أو الاسباب التي تجعل الطرف الذي نتفاوض معه يرغب في الحصول على شيء ما. إن هذا هو بالتحديد السلاح الذي يمكن ان نستخدمه لمساعدتنا في وضع خططنا واستراتيجياتنا التفاوضية.