لم يكد يبدأ القرن الجديد ووقعت تغيرات جذرية في قطاع الشركات الأوروبية. كان اكبر مثال على ذلك شراء شركة فودافون ايرتاتشي لشركة مانسمان الألمانية, لأول مرة بالنسبة لشركة في السوق الألمانية اكبر الاسواق الأوروبية. وأثار ذلك مخاوف على قدر حجم الصفقة, حيث شعرت بقية الشركات بأنها عرضة للهجوم من شركات أخرى لشرائها. سرت هذه المخاوف لأن الشركات الأوروبية بعد عقود من بناء سياج لحمايتها من الشركات في أماكن أخرى من العالم شعرت ان إمكانات تعرضها للخطر أصبحت قائمة. في الثمانينات كانت كل الانظار مسلطة على الشركات اليابانية التي تحول التكنولوجيا الى ارباح. وفي التسعينات مع افول نجم الشركات اليابانية نسبيا, سرت موجة من إعادة الهيكلة في الشركات الأمريكية, حتى ان هناك 13 شركة حاليا في الولايات المتحدة من اكبر 20 شركة في العالم من حيث القيمة السوقية. فهل تشكل الشركات الأوروبية الآن تحديا جديدا؟ يبدو أن هذا غير محتمل عند القاء النظرة الأولى, لأنه خلال التسعينات تصدرت الشركات الامريكية مسيرة إعادة الهيكلة وتخفيض التكاليف وتسريح العمالة. وبيع لشركات الهامشية للتركيز على النشاط الذي تجيده. وكل ذلك ساعد في تحقيق الطفرة الكبيرة في سوق الاسهم الأمريكية. وفي الوقت الذي كانت الشركات الأمريكية تتخذ خطوات شجاعة وجريئة, كانت الشركات الأوروبية تتوخى مزيدا من الحذر. وظلت الشركات الأوروبية في مكانها, ولم تتقدم عملية التنويع بشكل ملحوظ. مع انتشار الالكترونيات في كل مكان, كانت الشركات الأوروبية تزداد سوءا, لم تتحسن في تحويل تكنولوجيتها المدهشة الى ادوات لاصطياد الأموال. كانت مسألة قيادة الى حد كبير, أو بالاحرى الافتقار الى القيادة. كانت كثير من الشركات تحت ادارة تكنوقراطيين وصلوا الى اعلى المناصب الادارية بعد المرور بالوظائف الصغيرة, لكن ليس لديهم احساس كبير بالادارة العامة أو التسويق. في نفس الوقت خنقت اللوائح الشركات الجيدة وأثرت على مسيرة شركات اخرى. خلال فترة طويلة من التسعينات فشل قطاع الشركات الأوروبي الكبير في تحقيق الأرباح لتغطية تكاليف رأس المال وقد تكون مستويات الارباح الان اعلى ما يكون منذ بداية السبعينات لكنها نصف مستويات ارباح الشركات الأمريكية. وسجلت الشركات في منطقة اليورو متوسط عائدات 14% على رأس المال المستثمر خلال العام الماضي, مقابل 27% بالنسبة للشركات الأمريكية, وفق احصاءات بنك كريدي سويس فيرست بوسطن, فلاعجب ان الشركات الأوروبية تتخلف عن الشركات الأمريكية. هناك تغيرات في أوروبا لكن هناك تحسن يحدث في أوروبا. فقد سجلت الاندماجات وشراء الشركات ارقاما قياسيا, حيث سعت الشركات الى السيطرة الاقليمية أو العالمية, اضافة الى السيطرة الوطنية. وهناك طفرة كبيرة في اموال المساهمة الأولى والتمويل لشراء شركات, لان المستثمرين زادوا اقتناعا بأن اوروبا تستطيع ان تنافس امريكا في الصناعات القائمة على المعلومات. وجرت عمليات إعادة هيكلة في بعض الصناعات بطريقة ليس لها مثيل سابق والشركات التي كانت ترفض التغيير لفترة طويلة تفكر مرة اخرى في الاستجابة لضغوط السوق. مثل ذلك بيع اسرة انجيلي نسبة 20% من اسهم شركة فيات لشركة جنرال موتورز للسيارات. وبدأ المديرون يهتمون اكثر بمصلحة اصحاب الاسهم. ويقول جاكسون دي سميث استاذ الادارة بكلية ادارة الأعمال الأوروبية بالقرب من فرانكفورت ان هذه التطورات تصل الى حد الثورة, أو على الاقل تطور سريع جدا. ما هو الدافع وراء هذه الثورة؟ الواضح انها المنافسة الشديدة المدعومة بارتفاع التجارة والاستثمارات العالمية. اصبحت المنتجات والخدمات عالمية بشكل متزايد, ولابد للتجارة والأعمال الأوروبية ان تنافس بشدة من أجل رأس المال. العامل الآخر وراء هذه التغيرات هو العملة الأوروبية الموحدة. عند اقامة سوق موحدة للعملة, مهد اليورو الطريق أمام ثورة مالية جعلت من أوروبا سوقا متناسقة متجانسة أكبر من الولايات المتحدة من حيث السلع والخدمات وأصبح مستقبل الاقتصاد الضخم واعدا في القارة الأوروبية. اقنع ذلك مديري الشركات أن الوطن ليس هو النطاق الذي يجب ان يتحركوا فيه, بل أوروبا قاطبة. لكن الذين لا يعرفون كيف يتحركون بسهولة. يمثل اليورو بالنسبة لهم تهديداً. فاليورو يشكل ضغوطا على الاسعار, مما دفع مثلا بعض مصانع وشركات قطع الغيار خارج دائرة المنافسة. رفع القيود وتخفيف اللوائح كان تخفيف القيود واللوائح عنصراً آخر وراء التغيرات التي حدثت في قطاع الشركات الأوروبي. اضطرت الشركات الأوروبية من الهواتف الى الغاز الى التخلص من الاحتكار والتحول الى صناعات نشيطة منافسة. تحركت بعض الدول بشكل اسرع مما تطلبه سلطات تنظيم المنافسة. انخفضت اسعار المكالمات الخارجية في ألمانيا بنسبة 40% خلال عامين مما اضطر شركة دويتشه تليكوم, التي تم خصخصتها بعد ان كانت شركة احتكارية الى السعي الى مشروعات في الخارج كما استيقظت صناعة الطاقة الالمانية على المنافسة الشديدة التي ادى اليها تخفيف القيود واللوائح. كان هناك شركات أوروبية كبيرة تقوم بإعادة الهيكلة من اجل الحفاظ على الميزة التنافسية لفترة ما. لكن إعادة الهيكلة السريعة والعميقة في منتصف التسعينات هي التي مكنت ديملر بنز من شراء كريزلر الأمريكية من عامين. وفضلت غالبية الشركات الأوروبية ان تظل على قمة القدرة التنافسية. لتحقيق ذلك قامت هذه الشركات بتسريح بعض العمالة وبيع بعض الوحدات الصغيرة. لكن قلق المديرين بشأن ان تباع شركاتهم لغيرها جعلهم يلاحظون ان الارتفاع في أسعار الاسهم ينتج غالبا من إعادة الهيكلة وتحسين مستويات الادارة. وفي الوقت الذي تبرم فيه كثير من الصفقات على اسهم الشركات, تعزز هذه الصفقات ايضا من قيمة العملات التي تتم بها. ويقول برس بارنفيك مدير شركة آسيا براون بوفيري التي تكونت من اندماج شركتين سويسرية وسويدية ان مديري الشركات التي لم تصرف عائدات على الاسهم لسنوات, كانوا يفخرون بذلك من خمس سنوات فقط, والآن يتحدثون عن وضع اصحاب الاسهم في مقدمة أولوياتهم فضلا عن انهم يقصدون ذلك فعلا. التخلص من التكتلات غالبية عمليات إعادة الهيكلة تهدف الى التخلص من التكتلات الكبيرة لشركات, التي غالبا ما تعاني من انخفاض اسعار الاسهم, الذي بلغت نسبته 25% مثلا في تكتلات شركات المرافق الالمانية قبل ان تبدأ في التركيز على قطاع الكهرباء العام الماضي. ويقول بعض المحللين ان اعادة الهيكلة في الفترة الماضية بدأ يأتي ثماره في ارتفاع عائدات الشركات. فقد سجلت 4 من كل خمس شركات أوروبية العام الماضي النمو الذي كان متوقعا لها, ومن المتوقع ان يفوق معدل نمو ارباح الشركات الأوروبية نظيره في الشركات الأمريكية هذا العام. قطاع الدولة حتى في قطاع الدولة تغيرت الصورة من القتامة السابقة الى اللون المشرق. فقد قللت الخصخصة عدد الشركات التي كانت مملوكة للدولة. والشركات التي لا تزال مملوكة للدولة تعمل بعقلية تحقيق الارباح. السكة الحديد الايطالية التى تعاني خسائر مطروحة للخصخصة. كما ان السكة الحديد الالمانية سوف يتم خصخصتها ايضا وعينت مؤخراً مديرا لها من القطاع الخاص. أول ما قام به هذا المدير هو سحب الدعم الحكومي لمشروع قطار الخط الحديدي الواحد. لكن رجال السياسة لايزالون يعترضون طريق التغيير لكنهم يديرون معاركهم مع الاسواق بعناية اكبر. قد تتحدث الحكومات الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا لغة اليسار, لكن الأعمال التي تقوم بها تميل الى اليمين. برغم كل ما تقوله الحكومتان الألمانية والفرنسية عن شراء الشركات الوطنية, فإنهما تضعان إجراءات لتسهيل عمليات بيع وشراء الشركات. تعزيز الرأسمالية تشير هذه التطورات ان الصورة الجديدة من الرأسمالية بدأت في التبلور والوضوح. كانت الشركات الأوروبية, خاصة في الشمال معتادة على طريقة واسلوب عمل يختلف عن اسلوب الشركات الأمريكية والبريطانية, اي اسلوب اقل عدوانية ومنافسة كانت هذه الشركات تركز على الاجماع والعدالة الاجتماعية ومحاطة بسياج قوي من قوانين الحماية تجعلها تأمن التغيرات والمنافسات الجديدة. وهناك مؤيدون ومعارضون لهذا الاسلوب في ادارة الشركات فكثير من المؤيدين يعتقدون ان هذا هو الاسلوب البديل للقوة المالية والاجتماعية التي تعتمدها الشركات الامريكية, وان هذا الاسلوب يسمح بتدريب العمال والحفاظ على مستقبل الشركات على المدى الطويل. لذلك فإن مديري الشركات يتساءلون الآن ما هو الاسلوب الذي يجب ان يحل محل الاسلوب المذكور. لكن هذا السؤال من الخطأ طرحه. فأوروبا ليست دولة واحدة متجانسة بل عدد من الدول تحتل انصبة في صناعات معينة لكل منها. المجموعات المالية والصناعية وشركات العائلات تتركز في ايطاليا, والشركات الهندسية تتركز في المانيا والشركات التكنولوجية الفائقة تتركز في الدول الاسكندنافية, لذلك تختلف صور اقتصاد السوق الاجتماعي فيما بين هذه الدول. هولندا يوجد بها اسواق اسهم تسود فيها صناديق المعاشات مثل بريطانيا, وتشبه فرنسا من حيث قوانين الشركات, وتشبه المانيا في اشياء اخرى. وفي المانيا تسود تقاليد القيادة الجماعية, فهناك اعضاء مجلس الادارة وليس رئيس مجلس الادارة. وفي اسبانيا لا تمثل النقابات العمالية في مجال الادارة كما يحدث في المانيا. هذا التنوع يجعل من الصعب التعميم, ويشير الى ان قطاع الشركات الأوروبية لن يكون موحد التصميم كما هي الحال في الولايات المتحدة. لكن الاسواق الأوروبية اقتربت اكثر من النسخة الامريكية خلال العامين الماضيين, لكن بسرعات متفاوتة بين كل دولة وأخرى, كانت موجة اندماج الشركات في العام الماضي اقرب الى المعارك التجارية الأمريكية في الثمانينات. نضوج الاسواق المالية كما اعطى نضوج الاسواق المالية الأوروبية عقب اطلاق اليورو للشركات الأوروبية صبغة امريكية بريطانية اوضح, هناك ثقافة اسهم تتطور عبر القارة بأكملها, هناك بورصة نيوير في ألمانيا, لشركات التقنية الفائقة, واثارت انتباه المدخرين العاديين. وفاق عدد اصحاب الاسهم في هذه السوق عدد اعضاء النقابات العمالية في المانيا للمرة الأولى. وهذا يسرع في هدم النظام الذي كانت الشركات تعتمد في ظله على البنوك التقليدية اكثر من الأسواق للحصول على المال اللازم لها, الآن تبحث الشركات عن اسواق الاسهم والسندات لجمع المال, وليس على البنوك, وفي اسواق الاسهم تتركز أعين اصحاب الاسهم على اداء الشركات وتراقبها عن كثب. حتى قبل ظهور ثقافة الاسهم, بدأ الفراغ في الملكية في اوروبا يشكل ضغطا على مديري الشركات. وتسبب الاخفاق في اصلاح نظام المعاشات في أن تفقد دول مثل فرنسا وايطاليا وألمانيا قاعدة محلية من المؤسسات الاستثمارية, كان على الشركات ان تسعى الى مستثمرين في أماكن اخرى, غالبا من الصناديق الاستثمارية العامة وصناديق المعاشات في أمريكا وبريطانيا, مما يعني تبنى الاعراف المحاسبية الامريكية والبريطانية, هذا هو الطريق الذي سلكته شركة مانسمان الالمانية, مما ساعدها على شراء الشركات المنافسة, لكنه جعلها ايضا عرضة لأن تشتريها شركة اخرى. ولم يكن هناك ما يمنع فودافون ايرتاتشى من شراء مانسمان التي تملك صناديق استثمارية أجنبية 60% من اسهمها, بما يعني انه ليس هناك قاعدة من اصحاب الاسهم مسيطرة على الشركة. لكن البديل للتعرض للبيع لشركة اخرى ليس بديلا جذريا, فهو يعني ارتفاع التكلفة وضيق المساحة أمام المناورة, لذلك فإن الشركات التي تملكها عائلات حريصة على بيع الاسهم في سوق الأوراق المالية. ويوضح ذلك ايضا سبب تدفق الأموال الأجنبية على اسواق الاسهم الأوروبية في السنوات الأخيرة. في بورصة ميلان يأتي 40% من حجم التداول من الخارج. ويمتلك مستثمرون من امريكا وبريطانيا اكثر من ثلثي اسهم الشركات الفرنسية القيادية. استيراد الوسائل الأمريكية كما تستورد الشركات الأوروبية الوسائل الأمريكية والبريطانية من خلال جيل جديد من المديرين, وكثير منهم يحمل درجات علمية امريكية مثل الماجستير, وغيرهم لديهم خبرة في الاستثمارات المصرفية العالمية. يضع هؤلاء المديرون اصحاب الاسهم على رأس اولوياتهم, كما انهم يقدرون ايضا الحاجة الى الدبلوماسية خاصة في مسألة إعادة الهيكلة. مثلا عندما كثرت الانتقادات ضد جورجين شريمب مدير ديملر كريزلر لاهتمامه الزائد بأصحاب الأسهم, بدأ يخفف من هذه الوتيرة ويزيد اهتمامه بالعملاء والموظفين. وبعد هدوء الانتقادات, توجه بكل ثقله الى اعادة الهيكلة. وبالتأكيد كانت هناك اشياء اخرى تستطيع الشركات الأوروبية ان تعلمها لمنافسيها في اجزاء اخرى من العالم فقد حققت شركة نبيتون ثورة في عالم تجارة التجزئة في الملابس عندما خفضت دورة الانتاج لاسابيع قليلة. وحافظت شركة سواتش على صناعة الساعات الأوروبية عن طريق كسر كل القواعد في الادارة الحديثة. ولا تزال التكتلات الصناعية الايطالية تلفت الانتباه في مجال الاستشارات. لكن هناك الكثير الذي يجب ان تطبقه هذه الشركات. والشركات الأوروبية وضعت اقدامها على الطريق الصحيح, وساعدها في ذلك العملة الأوروبية الموحدة ونمو اسواق الاسهم. وبدأت الهياكل القوية القديمة التي كانت تعوق الأعمال على الطراز الحديث في الانهيار, وظهر كثير من الشركات التي تتمتع بقوة جديدة. فإذا كان للشركات الأوروبية ان تحافظ على صدارتها العالمية في مجال الهاتف المتحرك, فسوف تجعل منافسيها من الشركات الأمريكية تلهث وراءها في مضمار الاقتصاد الجديد. وكان أحد الكتاب الفرنسيين قد حذر في كتاب له ان الشركات الأمريكية سوف تدهس الصناعة الاوروبية. وبدأ المستشارون يتحدثون الآن بأصوات خافتة عن التحدي الأوروبي. وقد يكون في ذلك نوع من المبالغة لكن الواضح ان الفجوة الآن بين الشركات الأوروبية والأمريكية هي اضيق ما يكون حاليا من اي وقت مضى. كتب المحرر الاقتصادي