قد يوحي لنا العنوان لوناً من النظرة التشاؤمية ولكنها في الحقيقة ليست كذلك بقدر ما هي نظرة واقعية. فالحقيقة عندما نورد أرقاماً مطلقة فنقول ان عدد المصارف والمؤسسات الاسلامية على مستوى العالم اليوم يقدر بحوالي 200 مؤسسة تدير حوالي 200 مليار دولار أمريكي، كأصول وتنتشر في أكثر من 30 دولة من دول العالم فان مثل هذه الارقام توحي لنا بأن هذه المؤسسات وعلى مدى 25 سنة تقريباً منذ قيامها قد نمت وانتشرت على مستوى العالم. غير ان الأحكام المطلعة في علم الاقتصاد لا معنى لها وانما المعنى الحقيقي للاحكام النسبية والارقام النسبية كذلك. فما هي معدلات نموها السنوية, وما مدى دقة هذه الارقام, وفي أي الدول تنتشر, وما هي العوامل التي تعرقل نموها, وما مدى نمو أنظمتها وتطورها؟ ان المقارنة يجب ان يتم عقدها بين النمو الحقيقي للمؤسسات والمصارف الاسلامية ونمو غيرها من المصارف والمؤسسات المالية. والحقيقة ان المصارف والمؤسسات المالية الاسلامية قد بدأت تنمو بمعدلات عالية في بداية نشأتها ولمدة تقترب من 15 سنة بالمفهومين الكمي والنوعي. ونقصد بالكمي النمو الرقمي للمؤسسات المالية والمصرفية الاسلامية وأصولها واستثماراتها. ونقصد بالنمو النوعي تطور أنظمة المصارف الاسلامية ذاتها والذي يكاد يتوقف نموه تماماً خلال السنوات العشر الأخيرة. أما النمو الكمي فان التباطؤ يبدو واضحاً جلياً في معدلات نموه بكل المقاييس وخاصة مقياس الانتشار. وان تباطؤ معدلات النمو لهذه المؤسسات الحيوية الضرورية هو الذي دفعنا الى كتابة ذلك العنوان الذي ينذر بالخطر. فلماذا؟ ان استمرار البنوك والمؤسسات المالية الاسلامية )بما فيها شركات التأمين الاسلامية وشركات التمويل الاسلامية( على هذا الوضع والنمو بهذه المعدلات قد يقودها الى الموت البطيء بالفعل وان ذلك الموت قد يأخذ احدى الصورتين: أما الصورة الأولى فهي الموت المادي والمعنوي. وأما الصورة الثانية فقد تبقى البنوك الاسلامية قائمة كمؤسسات مالية ومصرفية وشركات تمويل وتأمين الا انها تموت معنوياً. أي بمعنى آخر يتم تفريغها من الروح الاسلامية للنظام. ويرجع ذلك الى عدة أسباب: ـ ضعف مؤسسات البحث العلمي في مجال الاقتصاد الاسلامي والمصارف والمؤسسات المالية الاسلامية سواء في الجامعات أو في داخل المصارف الاسلامية ذاتها. ولا يخفى على أي انسان ان البحث العلمي هو الغذاء الحقيقي للمؤسسات الاقتصادية الذي يؤدي الى نموها وانتشارها. ـ ضعف الدافع لدى القائمين على المؤسسات والمصارف الاسلامية حول عملية نشر تلك المؤسسات محلياً وعالمياً مما ادى الى تباطؤ نموها الحقيقي النسبي وليس المطلق. ـ ظهور ظاهرة افتتاح اقسام في البنوك غير الاسلامية لممارسة الاعمال المصرفية الاسلامية. وهذه تعتبر من أخطر الظواهر المصرفية ومن أعتى التحديات التي تواجه البنوك الاسلامية وذلك لان تلك البنوك لاتتحول الى اسلامية بل تبقى كما هي عليه وتهدف الى سرقة السوق المصرفية الاسلامية بطريقة قانونية مشروعة مصرفياً. ـ ظهور بعض الآراء والفتاوى التي تقلل من أهمية المصارف والمؤسسات المالية الاسلامية والتي تؤثر بدورها على الرأي العام فتخلق نوعاً من التراخي وضعف الهمة تجاه تعزيز وتدعيم العمل المصرفي الاسلامي. ـ ظهور بعض الظواهر المصرفية السلبية في المصارف الاسلامية وبعض الممارسات اللا مسئولة التي تسيء الى سمعة ومكانة المصارف الاسلامية وتؤثر بالطبع تأثيراً سلبياً على تطور ونمو المؤسسات المصرفية والمالية الاسلامية. ـ عجز المصارف الاسلامية عن ايجاد الحلول لبعض المشكلات المصرفية القائمة التي تواجهها مثل مشكلة القروض والتمويلات النقدية الشخصية )الاستهلاكية(. ومشكلة اعتمادها على البنوك غير الاسلامية في كثير من عملياتها مثل عمليات بطاقات الائتمان والتأمين على معاملات عملائها وتوظيف فوائض اموالها, واعتمادها في المحاسبة والتدقيق والمراجعة على البنوك غير الاسلامية من حيث الانظمة ومن حيث التكنولوجيا ومن حيث الخبرات. ويرجع ذلك الى ضعف البحث العلمي التي ذكرناها في النقطة الأولى. ـ الاعتماد على المرجعية الدولية والتي تستند في أساسها على المرجعية الغربية في النظام المالي والمصرفي الاسلامي والانطلاق من تلك المرجعية وتكييف النظام تجاهها. وكان الأولى والاحرى الرجوع الى المرجعية الاسلامية والانطلاق منها وتكييف النظام على أساسها. ويرجع ذلك بالطبع الى النقطة الاولى أيضاً وهي ضعف مؤسسات البحث العلمي والتي غالباً ما تميل الى خلق حلول توفيقية ذات مرجعية غربية. ـ ضعف الدعم المعنوي السياسي المقدم لتلك المؤسسات المالية والمصرفية الاسلامية. د. محمد ابراهيم الرميثي