ليس من قبيل المبالغة ان نقول: ان الانسان المعاصر يمكن ان يشهد من الاكتشافات الحديثة في يوم واحد, ما لم تشهده البشرية من قبل في سنة كاملة.. هذه النسبة المتزايدة لا يمكن تخمين مداها في السنوات المقبلة, ويفترض بداهة في عصر (القرية الكونية الصغيرة) ، ان تضيق دائرة الشقاء الانساني, وتنتفي حالات الموت والجوع, أو بسبب المرض أو سوء التغذية, كما حصل ومازال يحصل في بلدان افريقية وآسيوية, بل يحتم منطق التطور واتساع دائرة الرفاهية ولو بحدودها الدنيا المتمثلة في الغذاء الكافي, والكساء المناسب, والطلب والتعليم ذلك لأن الشروط الحضارية تقتضي ضرورة ارتقاء الانسان وتحسين رفاهيته حتى لا يضيع المعنى الاخلاقي للانجازات الحضارية. ولو ألقينا نظرة سريعة على مجريات الواقع العالمي, ونحن على أعتاب القرن الحادي والعشرين, لوجدنا من الحقائق المؤلمة ما يكفي لادانة الانجازات الحضارية برمتها.. فمازالت البلدان النامية أو دول العالم الثالث تعاني دول الديون الخارجية المستحقة للدول الغنية, ومازالت فوائد الديون تبتلع في هذه الدول, التي لا تزال تذهب ثرواتها ومعظم دخلها القومي إن لم يكن كله.. الى خدمة الديون التي تتفاقم بشكل رهيب.. ومازالت البلدان النامية ذات المديونية الضخمة تواجه تحديات كبيرة تؤثر على مستوى معيشة الفرد.. وللأسف فإن قدرة هذه الدول على ادارة هذه الديون بنجاح وتقليل أثر التقلبات في سعر الفائدة وسعر صرف العملات الاجنبية على هذه الديون مازالت ضعيفة.. ولكن ما هو حجم هذه المديونيات؟ وما هو أثره على الدول النامية؟ وهل هناك حل لهذه المشكلات التي مازالت تكبل دول العالم الثالث؟ تقول د. منى الطحاوي استاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة: ان الديون الاجنبية لم تظهر على الساحة العالمية كمشكلة متفاقمة تقع تحت اغلالها معظم البلدان الا في أوائل الثمانينات, وقد تزايدت القروض الاجنبية للبلدان النامية زيادة مستمرة حتى اقتربت في عام 1993 من ثلاثة أمثال ما كانت عليه في بداية الثمانينات وكان الجزء الأكبر منها في شكل قروض طويلة الأجل, اضافة الى تأخر كثير من البلدان في السداد لعدة سنوات قفزت الفوائد الاضافية المستحقة على المتأخرات من 7.8 مليارات دولار الى 6.25 مليار دولار بين عامي 85 و1988. وتضيف: مع مطلع التسعينات بذلت جهود مكثفة لمواجهة مشكلة الديون المتراكمة التي أصبحت تنذر بالخطر, وأبرمت اتفاقيات جديدة تستهدف تسهيل السداد على الدول النامية, الا اننا يمكن ان نطلق مثل (القط والفأر) على مسألة الديون التي مازالت تكبل دول العالم الثالث, ففي الوقت الذي يقوم فيه البنك وصندوق النقد الدوليان بالتشاور والاتفاق مع الدول الدائمة لتخفيف هذه الديون خوفا من تملص دول العالم الثالث من تسديد مديونيتها, كانت تفكر هذه الدول فعلا في عدم الالتزام بتسديد ديونها, ولم ترغب حتى في جدولتها. مصيدة الديون وعن تفاقم مديونية العالم الثالث وعجزه عن السداد يقول د. رأفت عبدالغفور استاذ الاقتصاد بكلية التجارة جامعة الزقازيق: ان المردود السيىء لهذه المشكلة الاقتصادية لا يقتصر فقط على الدول المدينة, وإنما يمتد ايضا وبنفس الدرجة من السوء الى الدول الدائنة, فقد ثبت ان ديون المكسيك التي بلغت عام 1986 نحو مئة مليار دولار, قد أثرت على اقتصادات الولايات المتحدة الامريكية بشكل أو بآخر. إن ديون العالم الثالث سنة 1987 كانت قد تجاوزت مبلغ الف مليار دولار (تريليون دولار) تتجاوز فوائدها السنوية مئة مليون دولار بحيث أصبحت أقساط هذه الديون وفوائدها تستغرق كل صادرات الدول النامية وتحول كلية دون تنميتها, وهذه الديون في الواقع ترجع الى أواخر الستينات حيث أقبلت الدول المتخلفة بحجة تمويل التنمية وسد فجوة العملة الصعبة, وكانت هذه القروض.. فضلا عن فوائدها المرتفعة مشروطة بالتزام الشراء من الدول مقدمة القرض, وكان الأمل لدى الدول المدينة.. ان تسدد أصل هذه القروض وفوائدها من عائد مشروعات التنمية التي تستغل فيها هذه القروض, ولكن بحكم شروط هذه القروض استنفذت لصالح خبراء الدول المقرضة أو في تصريف سلعها الاستهلاكية أو مصانعها المستهلكة, ووجدت الدول النامية نفسها قد وقعت في مصيدة الديون, وبدلا من حجة تمويل التنمية في أواخر الستينات.. حلت محلها في أواخر السبعينات حجة تمويل أعباء خدمة الديون, حيث بادرت الدول المقرضة بجدولة ديونها وتقديم المزيد من القروض الجديدة استخدمت في سداد بعض القروض القديمة أو فوائدها.. وما زاد الطين بلة ان مقابل القروض الجديدة طالبت الدول الدائنة الدول المدينة ان تخصص أغلب صادراتها أو بعض مواردها الدائمة لخدمة ديونها أو ان تطبق برامج صندوق النقد الدولي التقشفية.. خاصة تخفيض انفاق الحكومات وكفها عن تدعيم السلع الأساسية كرغيف العيش والاسكان والكهرباء والمياه... الخ, الأمر الذي أدى الى توقف أو تصفية الكثير من مشروعات التنمية وركود النشاط الاقتصادي وافلاس الكثير من رجال الأعمال, وزيادة اجحاف الفقراء والطبقات الكادحة, وبالجملة ارهاق الدول النامية, وصب البنزين, على نار البركان الاجتماعي في كافة الدول المدينة. مشاركة لا قرض ويؤكد د. احمد عبدالخالق استاذ الاقتصاد الاسلامي بجامعة الازهر ان سائر الحلول البشرية عجزت عن معالجة مشكلة ديون العالم الثالث ولم يبق سوى الاحتكام الى خالق الكون والبشر, وذلك بالاخذ بالحل الاسلامي, ويقول: ان هذا الحل يلزم الدول المدينة بسداد ما اقترضته بغض النظر عن استفادتها أو عدم استفادتها من هذه القروض, ولكنه في الوقت نفسه لا يجيز للدول الدائنة ان تأخذ سوى أصل الديون دون فوائده الربوية. واستكمالا لهذا الحل الاسلامي يقول د. عبدالخالق: نظرا لحاجة الدول الفقيرة الى الاقتراض لتحقيق تنميتها الاقتصادية فإنها يجب ان تتبع مع الدول الغنية صيغة اسلامية قوامها المشاركة لا القرض, فتقدم الدول النامية للدول المتقدمة كافة التسهيلات لاقامة ما تحتاجه من مشروعات اقتصادية, وذلك على المشاركة في الارباح وبالتالي تكون الدول المتقدمة صاحبة الخبرة والتقنية الحديثة أكثر حرصا على نجاح هذه المشروعات بمصلحتها المباشرة في استرداد مساهماتها وفوائدها, وذلك عن طريق الحصول على نسبتها من الارباح بدلا من أسلوب الاقتراض الربوي الذي ثبت فشله الذريع, بل ونكبته الكبرى على كافة الدول الدائنة والمدينة على حد سواء. تحويلها الى سندات ومن جانبه يدعو الخبير المصرفي العربي والمحافظ السابق للبنك المركزي المصري د. علي نجم الى ضرورة التصدي لمشكلة الديون العربية على الصعيدين الدولي والمحلي, وذلك باعتماد فكرة تحويل هذه الديون الى سندات عن طريق انشاء مؤسسة عربية يساهم في رأسمالها صندوق النقد العربي, وصناديق التنمية العربية, والمصارف العربية, والمؤسسات الدولية والاقليمية في هذا المجال, موضحا ان مجموع الديون المدينة للبلدان العربية حوالي 60 مليار دولار, وبالتالي فإن اجمالي المديونية المستحقة على ثمانية أقطار عربية تصل الى أكثر من 260 مليار دولار, وبالتالي فإن اجمالي المديونية المستحقة على ثمانية أقطار عربية تصل الى أكثر من 260 مليار دولار تقريبا. ويضيف: في الوقت نفسه, فإننا نجد ان الموجودات العربية في الخارج تتجاوز 670 مليار دولار, مما يعني ان الوطن العربي دائن للنظام المصرفي العالمي بنحو 410 مليارات دولار, وهو يعني ان اجمالي المديونية العربية يعادل 8.38% من اجمالي ودائع العرب لدى المصارف العالمية, مشيرا الى انه اذا كانت معدلات الفائدة في المصارف العالمية تتراوح ما بين 8 و16%, فإننا بحساب متوسط سعر الفائدة بحوالي 12% سنويا, نجد ان عوائد الودائع العربية تصل الى 80 مليار دولار سنويا, أي ما يعادل 30% من اجمالي المديونية العربية وهي تمثل عشرة اضعاف فوائد خدمة الدين والاقساط ما يعادل 8 مليارات دولار سنويا. ولكن اذا كانت تلك هي الصورة العامة للمعادلة النظرية للأرقام المالية, فهل يمكن عمليا ان تقوم أموال العرب بتسديد ديون العرب في الخارج؟ ويجيب د. علي نجم: الدول العربية مطالبة بالتنسيق فيما بينها للوصول الى صورة مناسبة لحل أزمة الديون سواء عن طريق معادلتها بسلع تصديرية أو باقامة مشروعات استثمارية يتم استخدام عوائدها في سداد اقساط الديون, لأن خطورة أزمة الديون العربية تتمثل في تأثيرها المباشر على خطط التنمية الاقتصادية في العالم العربي.. حيث تلتهم اعباء خدمة هذه الديون نسبة عالية جدا من الدخل القومي للدول العربية, وهو ما يؤدي الى دخول الاقتصاد العربي في دائرة الكساد وانخفاض معدلات الاستثمار الانتاجي, وبالتالي ارتفاع نسبة البطالة وظهور مشاكل اقتصادية كثيرة. أسباب التفاقم ويرى د. حمدي عبدالعظيم استاذ الاقتصاد بأكاديمية السادات للعلوم الادارية بالقاهرة ان أسباب تفاقم أزمة الديون العربية تعود الى قيام دول العالم العربي باستنزاف جزء كبير من مواردها المالية في اقامة مشروعات المرافق والبنية الأساسية واعتمادها بصورة كبيرة على استيراد التكنولوجيا من الخارج في شكل قروض, معونات فنية, بالاضافة الى زيادة قيمة فاتورة الغذاء العربي الى ما يقارب من 12 مليار دولار سنويا. وكذلك ارتفاع قيمة ديون الدول العربية بصورة كبيرة خلال السنوات القليلة الماضية حيث بلغت الديون المستحقة على مصر 37 مليار دولار, وعلى الجزائر 28 مليار دولار, وتونس 15 مليار دولار, والاردن 9 مليارات دولار. وأضاف د. عبدالعظيم: ان دول الخليج العربية شهدت خلال السنوات الماضية اقامة عدد كبير من مشروعات المرافق والبنية الأساسية واتجاهها الى الاقتراض من الخارج لتمويل هذه المشروعات حتى وصلت نسبة تغطية المدخرات المحلية بالدول البترولية لنفقاتها الاستثمارية 55 فقط وهو ما يعني اقتراض 45 من اجمالي نفقات المشروعات الاستثمارية التي تتم اقامتها بالدول البترولية العربية. وعن عدم الاستفادة من الودائع العربية بالمصارف الاجنبية والتي تبلغ 800 مليار دولار لسداد الديون أكد ان الدول العربية لا تستطيع سحب ودائعها بصورة مفاجئة من هذه المصارف بالاضافة الى ان عددا كبيرا من دول العالم تفضل الاحتفاظ بودائعها لدى المصارف الاجنبية للاستفادة من عوائدها المرتفعة في تمويل عمليات الاستيراد المختلفة. واشار الى ان الدول العربية الكبرى تتجه الى تسويق قروضها بالتنسيق مع المؤسسات المالية الدولية والعمل على تقديم تسهيلات كبيرة لتمويل مشروعات البنية الاساسية لاتاحة الفرصة لتصدير التكنولوجيا الخاصة بها واتاحة فرص عمل لخبرائها في المجالات المختلفة. وطالب د. عبدالعظيم بقيام الدول العربية بالتفاوض مع الدول الدائنة لسداد الديون في شكل سلع ومنتجات عربية, ووضع ضوابط صارمة للاقتراض من الخارج ليصبح في اضيق نطاق بالاضافة الى اجراء دراسات الجدوى لأي مشروع يحتاج الى تمويل خارجي بحيث يكون قادرا على سداد القروض دون تأخير مع ملاحظة ان تكون هذه المشروعات متوافقة مع الموارد المتوافرة بالدول العربية والاستغناء عن مستلزمات الانتاج المستوردة من الخارج في تشغيل هذه المشروعات. كما يطالب بضرورة تنويع مصادر الاقتراض من الخارج وعدم الاقتصار على جهة واحدة حتى لا يستدرج الاقتصاد العربي للتبعية السياسية والاقتصادية للدول الدائنة مثلما حدث مع مصر خلال العدوان الثلاثي عام ,1956 بالاضافة الى استنزاف جزء كبير من القروض في شكل تمويل دراسات الجدوى والاستشارات الفنية التي تقوم بها الدول الدائنة. مشروع (مارشال) عربي أما الخبير الاقتصادي د. محسن الخضيري فيطالب بتبني مشروع (مارشال) عربي لسداد الديون عن طريق مبادلتها بالسلع والمشروعات, مثلما فعلت المانيا بعد الحرب العالمية الثانية, خاصة ان تأجيل سداد اقساط الديون وفوائدها سوف يحمل الاقتصاد العربي العديد من الاعباء المالية الاضافية وكذلك التأير على المشروعات الاستثمارية التي يتم تنفيذها. ويضيف د. خضيري انه يمكن للدول العربية ذات الظروف المتشابهة تبني وجهة نظر موحدة تجاه الدول الدائنة بمعنى ان تقوم دول مجلس التعاون الخليجي بالتفاوض لسداد ديونها في شكل سلع ومنتجات يتم تصنيعها محليا.. وكذلك بالنسبة لمصر ودول شمال افريقيا والعمل على استخدام الموارد العربية المتوافرة بكثرة مثل البترول كأداة مساعدة للضغط على هذه الدول لقبول سداد الديون في شكل سلع وخدمات او قيام الدول الدائنة بإمداد الدول العربية بالتكنولوجيا وحق المعرفة بشروط ميسرة لاقامة مشروعات استثمارية عربية يتم استخدام عوائدها في سداد الديون المستحقة لدول العالم الخارجي. كما يطالب بزيادة الاعتماد على صناديق الانماء العربية في تمويل اقامة المشروعات المختلفة مع زيادة رأسمال هذه الصناديق أو دمجها لتكوين صندوق نقد عربي يتولى توفير الاموال اللازمة لاقامة المشروعات المختلفة بالدول العربية على ان تساهم كل دولة بحصة محددة في رأسمال الصندوق يتم على اساسها تحديد المبالغ التي يمكن استخدامها في تمويل المشروعات التي تقام بهذه الدولة.
ديون العالم الثالث محنة تبحث عن حلول ، القروض الاجنبية للبلدان النامية تزايدت في التسعينات الى ثلاثة أضعاف
