لم ينص قانون انشاء المصرف المركزي وتحديد أهدافه ووظائفه صراحة على دور المصرف المركزي ولا دور المصارف التجارية في الرقابة على عمليات غسيل الاموال وطريقة مكافحتها ربما لأنها ليست ظاهرة اقتصادية أو مصرفية محضة وإنما هي ذات أبعاد متعددة، أو لربما لكونها لم تكن معروفة قبل عشرين سنة عند انشاء المصرف المركزي أو لربما لكونها كانت معروفة ولكنها لم تنتشر بالصورة التي هي عليها الآن. أو ربما لسبب رابع هي انها لا تدخل ضمن الاختصاصات والوظائف التقليدية المعهودة للمصارف المركزية. غير ان كل هذه الاسباب والمبررات لا تعفي المصرف المركزي من مسئوليته المصرفية والاستراتيجية تجاه مكافحة الظاهرة. وتنشط عمليات غسيل الاموال في الدول ذات الاقتصادات المفتوحة للعالم الخارجي والدول التي لديها فساد مالي ومصرفي واداري واقتصادي بشكل كبير والاقتصادات المجاورة لها حيث يلجأ المجرمون والمهربون الى ايداع أموالهم المكتسبة بطرق غير مشروعة في البنوك بهدف اخفاء جرائمهم واختلاط أموالهم بالاموال الاخرى اعتقادا منهم بأن ذلك الاختلاط يكسبها لونا من التصفية أو الغسيل لتخرج بعده صافية نظيفة وقد أخفت وراءها ما أخفت من جرائم. ان عملية غسيل الاموال لا تقتصر فقط على غسيل أموال المخدرات, وإنما تشمل كافة أنواع الجرائم مثل المتاجرة بالأعضاء البشرية وسرقة واختلاس المال العام وتجارة الهوى وغيرها. ولا يمكن الحصول على احصائيات دقيقة حول حجم عمليات غسيل الاموال وذلك لأن تلك العمليات تخفي وراءها جرائم بشعة لا يكتشف منها الا نسبة بسيطة. والحقيقة ان جرائم غسيل الأموال هي امتداد طبيعي لمسرح الجرائم المرتكبة التي أدت الى الكسب غير المشروع وهي احدى نقاط الضعف في تلك الجرائم التي من الممكن ان تؤدي بالفعل الى اكتشاف الجريمة فيما لو تمت مراقبتها بشكل صحيح ودقيق. ان الوظائف التقليدية المعهودة للمصارف المركزية لا تنص على ظاهرة غسيل الاموال وذلك لأن هذه الظاهرة في الحقيقة ليست ظاهرة مصرفية محضة ولكنها ذات أبعاد أمنية واستراتيجية, وان الوظائف التقليدية لادارة الرقابة في المصارف المركزية يرتكز دورها على الرقابة المصرفية من الناحية الاقتصادية والادارية والمحاسبية والقانونية فقط ولا يتعداها خارج هذا الاطار. لذلك فإننا لو جلسنا مئات السنين ننتظر من ادارة الرقابة على المصارف في المصرف المركزي وبهذا المستوى من الصلاحيات لتكتشف لنا جرائم غسيل الاموال فإنها لن تحقق لنا ما نريد, وذلك لأن الرقابة على مصادر الاموال المودعة في البنوك بشكل دقيق تقود الى الجرائم أو الرقابة على أغراض الائتمان المصرفي بشكل دقيق كذلك بحيث تكشف تلك الجرائم التي تمولها البنوك عملية شاقة ولا تدخل ضمن الاطار القانوني والاداري والمحاسبي وحتى الاقتصادي لدور ادارة الرقابة. وهي مسئولية جسيمة تتعدى طاقات تلك الادارة فيما لو حتى فكرت في الخوض فيها. ان ظاهرة غسيل الاموال ليست ظاهرة اقتصادية أو مصرفية محضة ولكنها ظاهرة أمنية واستراتيجية بالدرجة الأولى وإن كانت البنوك مسرحها ومحل وقوعها كجرائم, وان البنوك المركزية في بلاد العالم المتقدمة قد أدركت منذ وقت مبكر الابعاد الحقيقية الظاهرة والخفية لتلك الظاهرة فجندت لها رجال أمن مدربين ومؤهلين بصورة موظفين مصرفيين غير ان الصلاحيات والمسئوليات المعهودة اليهم تتعدى تلك المسئوليات الروتينية الرسمية التقليدية الى البحث عن الحقائق والتحري واستخدام الطرق الامنية في ذلك. بل ان بعض البنوك المركزية في العالم لم تقتصر على ادخال العناصر الأمنية في ادارات الرقابة لديها بل عممتها على كافة البنوك التجارية والمتخصصة والمؤسسات المالية غير المصرفية وشركات التأمين لأنها هي المسرح الفعلي لجرائم غسيل الأموال. انها جرائم خطيرة تخفي وراءها ما هو أخطر منها فلابد من مواجهتها والتصدي لها عالميا. د. محمد ابراهيم الرميثي