تظهر على لافتات الاعلانات في ميادين مدينة هوتش منه, او سايجون, صورة عارضة الازياء الامريكية الشهيرة سيندي كرادفورد امام صورة الزعيم الشيوعي هوتش منه الذي اطلق اسمه على المدينة, عقب الانتصار الفيتنامي على اكبر قوة عظمى في العالم من 25 عاماً. وقد قتل في حرب فيتنام المعروفة نحو 58 الف جندي امريكي وثلاثة ملايين جندي فيتنامي, من اجل ان تظل الشيوعية والنظام الاقتصادي المركزي سائدين في شمال وجنوب البلاد. وقد انتهت المعركة العسكرية التي ادت إلى القضاء على الحكومة الموالية للولايات المتحدة, واستمرار النظام الشيوعي في فيتنام من 25 عاماً, لكن المواجهة الرأسمالية الغربية والشيوعية لا تزال قائمة بل وتزداد قوة. فلا تزال القيادة في هانوي مترددة بين رموز الشيوعية الفيتنامية الماضية والمستقبل الاكثر تعقيداً في ظل التغيرات الاقتصادية الدولية والعولمة. وتخشي هذه القيادة ان تمنى بالهزيمة في السوق العالمية الجديدة وتخسر ما حققته من انتصارات سابقة. ويقول السفير الامريكي الذي شارك من قبل في الحرب الفيتنامية وقضى ست سنوات في احد سجون الطرف الشمالي من البلاد, ان الحرب قد انتهت وان فيتنام لديها الآن الحرية والاستقلال, الحرية التي ضحوا من اجلها كل هذه التضحيات, لكن العالم غير هذه الاشياء والامور كلية, فما هو المستقبل الآن في الاقتصاد العالمي؟ فأي دولة الآن تعتمد إلى حد كبير على غيرها من الدول. يبدو ان العبقريات العسكرية في الحرب الفيتنامية, والمقاتلين الذين هزم ذكاؤهم ومثابرتهم القوة العظمى, قد هزموا امام التحديات التي واجهتهم لانشاء دولة مستقلة اقتصادياً وجديدة. لقد سمحوا مع مرور السنوات بدخول بعض الهواء الجديد وانفتاح الاقتصاد قليلاً وبحذر شديد, سمحوا ببعض الحريات الدينية والاجتماعية. لكن يبدو انهم الآن دخلوا إلى مفترق الطرق السياسية والاقتصادية. يقول احد قدامى المحاربين المخضرمين الذي يعمل حالياً في احدى الشركات الخاصة في هانوي ان خوض حرب امر سهل, لكن الادارة اصعب كثيراً من الحرب. فكل مسئول في موقع كبير يقول لابد ان نفعل شيئاً, لكنه عندما يصل إلى فعل هذا الشيء يلاحظ كم هو صعب جداً. حاولت القيادة الشيوعية بعد انتصارها على الجنوب الموالي للولايات المتحدة والقوات الامريكية, تطبيق اقتصاد اشتراكي, بكل ما اوتيت من قوة, حتى مع المحاولات الامريكية لعزل فيتنام اقتصادياً عن العالم. تجربة الانفتاح يقول كارليل ثاير الخبير الاسترالي في الشئون الفيتنامية ان فيتنام بدأت عام 1986 تطبيق تجربة انفتاح كانت في شكل تجديد شامل, واندفع العالم في التسعينات باستثمارات ومساعدات كبيرة اكبر من قدرة البلاد على ادارتها او استيعابها. وفي آواخر السعبينات والثماينات, كانت فيتنام لا تزال منخرطة في الحرب, واحتلت جارتها كمبوديا ثم حاربت ضد الصين التي عاقبتها على ذلك. ثم خسرت فيتنام في التسعينات حليفاً ومساعداً وعوناً كبيراً, عندما انهار الاتحاد السوفييتي السابق. وبدأ المستثمرون الاجانب يهربون من البلاد بسبب تعقيدات البيروقراطية والفساد وعدم كفاءة النظام القضائي الذي كان يعوق اعمالهم. واطلقت القوى المحافظة حملات ضد ما اطلقت عليه التأثير والنفوذ الفاسد والشرور الاجتماعية القادمة مع الفكر الغربي المتحرر الذي جاء من اجل الانفتاح. وحذر الزعيم الشيوعي لي خافيو من ان المعركة مع الغرب لا تزال مستمرة, رغم ان الميدان هو الآن ميدان اقتصادي. وقال ان الغرب لا يزال يسعى للقضاء على الدول الاشتراكية الباقية ويهاجم حركات الاستقلال والديمقراطية والتقدم الاجتماعي. وقال لا تتخلى عن يقظتنا لحظة واحدة. ويبدو في فيتنام ان كثيرا من الطاقات المكبوتة. فكثير من العقبات التي دفعت المستثمرين الاجانب بعيداً خلال تجربة الانفتاح القصيرة, لا تزال تعوق جهود رجال الاعمال المحليين. واصرار الحكومة على السيطرة على الصناعات الكبيرة والرئيسية يعرقل النمو الاقتصادي. وقال محلل اقتصادي غربي يمثل هيئة مساعدات دولية في هانوي انه اذا ابتعدت الحكومة عن الطريق, سوف تفوق هذه الدولة كل الدول الآسيوية الاخرى نمواً. ويقول اذا ذهبت إلى القرى تجد ان الفيتناميين في منتهى النشاط. وما يتحدث عنه هذا الخبير يعتبر ثورة بالنسبة للقيادة الفيتنامية, واعادة تعريف للنصر الذي سجلوه من 25 عاماً. ويقول ليس هناك دولة في العالم بهذا التفاوت بين الواقع وما يجب ان تكون عليه من حيث الامكانات. الاتفاق مع الولايات المتحدة الخطوة القادمة الصعبة لفيتنام لكي تتكامل مع الاقتصاد العالمي هي توقيع اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة ينص على تنفيذ وصفة صندوق النقد الدولي لاقتصاديات السوق. سوف يفتح هذا الاتفاق الطريق امام استثمارات مقدارها 800 مليون دولار لدخول البلاد ويمثل اشارة حيوية بأن هانوي مستعدة مرة اخرى للتجارة مع العالم الخارجي. وقع الطرفان هذا الاتفاق بالاحرف الاولى في نوفمبر الماضي, لكنه توقف عن التطور حيث بدأت هانوي تعيد النظر مرة اخرى. فقد سببت الوصفة الاقتصادية لصندوق النقد الدولي تحديات كبيرة لمصالح البعض واثارت كثيراً من المخاوف ان تخسر الحكومة المركزية سيطرتها. كما اثار الاتفاق ايضا موجة من عدم الثقة في الولايات المتحدة. وقال استاذ فيتنامي في الاقتصاد ان الحكومة تشعر ان هناك شيئاً غامضاً بين السطور. فلا يزال جيل الحرب الامريكية )الفيتنامية( هو الذي يحكم البلاد, وهم لا يثقون في النوايا الامريكية. تستقبل فيتنام الزائرين الامريكيين بترحاب الآن, سواء في الشمال او الجنوب, لكن هذا الذهاب لا يمتد إلى الحكومة ورغم ان هانوي ترسل نحو 1300 طالب للدراسة في الولايات المتحدة سنوياً, فهي تشك في آرائهم عندما يعودون. ويقول استاذ الاقتصاد انهم يقولون عن العائدين من الدراسة انهم قد يكونوا تحولوا لجواسيس امريكيين. حظر تجاري فرضت الولايات المتحدة حظراً تجارياً على فيتنام طوال عشرين عاماً بعد الحرب, لعدم تعاون فيتنام في العثور على الجنود الامريكيين المفقودين اثناء الحرب, وهو تعبير يقال عن جثث الجنود الذين قتلوا في الحرب. وظلت التجارة بين البلدين ضعيفة, حيث بلغت الصادرات الفيتنامية 650 مليون دولار سنوياً والصادرات الامريكية لفيتنام 350 مليون دولار سنوياً. محاولات فاشلة انشأت شركة نومورا اليابانية منطقة صناعية في مدينة هايبونج في الشمال الشرقي في عام ,1997 لكن الاراضي الزراعية تمتد على مرمى البصر في هذه المنطقة, بدلاً من مداخن المصانع التي كان يجب ان تقوم. فقد فشلت الشركة اليابانية في جذب مستثمرين اجانب إلى المنطقة, اللهم الا مصنعان فقط, احدهما لقطع غيار السيارات والآخر للكيماويات, وكلا المصنعين ياباني. وقال مدير المنطقة الصناعية هو دينه تبين ان الشركات الاجنبية اعتادت ان تأتي إلى فيتنام في وقت من الاوقات, لكن ليس الآن. ويعتبر فشل شركة نومورا في ذلك مثالاً على ما يحدث في الاقتصاد الفيتنامي منذ انفتاحه على العالم عام 1998. لقد عرقلت الاجراءات الروتينية الحكومية العقيمة المستثمرين الاجانب ومنعتهم من القدوم إلى فيتنام وإلى منطقة هايبونج الصناعية وغيرها. وساهم في ذلك ايضا موظفو الجمارك والضرائب. لكن إلى الجنوب من مدينة هوتشي منه بمسافة 1110 كيلو مترات هناك عالم مختلف تماماً, حيث يوجد في اقليم دونج ناي مصانع منتشرة لشركات اجنبية مثل نايك وفوجيتسو تنتج الاحذية الرياضية والسجاير واللوحات الالكترونية. واصبح اقليم دونج ناي اسرع اقاليم البلاد نمواً رغم الافتقار إلى التخطيط والمرافق. ويقول توماس فاليلي الاستاذ بمعهد هارفارد للتنمية الدولية هناك قوى متناحرة في فيتنام, احداهما تركز على الانتاج, والاخرى تركز على الاستخراج, والسؤال ايهما سوف تسود في النهاية؟. قال فاليلي وآخرون من سنوات انهم توقعوا للجنوب ان يجذب الشمال نحو الاقتصاد العالمي, لكن بعد مرور 25 عاماً على انتصار الشمال على الجنوب وتوحيد البلاد, لا يزال شطرا فيتنام منفصلين اقتصادياً. وتتسع الفجوة بين الشطرين, حيث سجل اقليم دونج ناي نموا بنسبة 22% خلال العام الماضي في الوقت الذي سجلت هايبونج في الشمال الشرقي انخفاضا بنسبة 15%. وبرغم النجاح الاقتصادي في الطرف الجنوبي من فيتنام, يقول بعض الخبراء ان الشيوعيين القدامى في هانوي هم الذين يسيطرون على مقادير البلاد ومستقبلها وليس الرأسماليون في مدينة هوتش منه. وقد تباطأت الاستثمارات الاجنبية التي وصلت ذات مرة الى 4 مليارات دولار سنويا الى 4.1 مليار دولار العام الماضي وحتى هذا الرقم مبالغ فيه, لأن الحكومة توافق على مشروعات كثيرة لا يقوم منها الا عدد محدود. ويقدر المحللون ان البلاد تجذب نحو 600 مليون دولار حسب أرقام العام الماضي. ويرجع الانخفاض لأسباب منها الأزمة الآسيوية المالية التي اضطرت كبار المستثمرين مثل اليابان وكوريا الجنوبية الى التراجع, لكن السبب الأكبر يرجع الى البيروقراطية والروتين الفيتنامي. وقد أنهت شركات مثل مؤسسة أوراكل مشروعاتها في فيتنام, ودخلت أخرى مثل بروكتر آند جامبل في نزاعات مريرة مع الشركاء الفيتناميين. وقد أثر تضاؤل الاستثمارات الاجنبية على الصادرات الفيتنامية وأعاق نموها الاقتصادي بعد ان بلغ النمو الاقتصادي الفيتنامي 5.9% و8.8% عام ,1997 وانخفض الى 8.5% عام ,1998 والى 8.4% العام الماضي. ويقول خبراء الاقتصاد ان فيتنام ستكون محظوظة اذا سجلت نفس النمو خلال العام الجاري. وفي الوقت الذي طورت فيه دول مجاورة مثل الفلبين صناعات الكترونية نشيطة, تناضل فيتنام من أجل الاحتفاظ بالمستثمرين في قطاع التكنولوجيا, حتى الشركات التي ترحب بها فيتنام مثل فوجيتسو اليابانية, لابد ان تنتظر سنوات حتى تحصل مشروعاتها على الموافقة. والمسئولون الفيتناميون يعملون بسوء سمعة الشمال بين المستثمرين الاجانب, ويرجعون ذلك الى ان الجنوب تعرض للرأسمالية الامريكية في الوقت الذي ظل الشمال يدور في فلك الاتحاد السوفييتي. ويقولون انه مع مرور الوقت سوف يضطر الشماليون الى التخلي عن العادات القديمة ويتعلمون مزيدا من المرونة والاستجابة. ويقول نائب رئيس المنطقة الصناعية في هوتش منه ان الجنوب أكثر ديناميكية وابداعا من الشمال, لكن على المدى القصير فقط يؤكد ان الحكومة سوف تطور سياساتها لتحقيق مزيد من التوازن بين الشمال والجنوب. ويقول مسئول في مؤسسة نومورا اليابانية ان قوى المقاومة للتغير لا تأتي من الحكومة المركزية, بل من الحكومات المحلية, وقال ان رئيس وزراء فيتنام سكرتير الحزب الشيوعي توجه الى مدينة هايبونج في الشمال لحث حكومة البلدين على ابداء مزيد من العون والمساعدة للأجانب. وقال سؤول نوروا ان منطق دونج ناي )في الجنوب( كان يمكن ان تكون أكثر ليبرالية لأنها كانت منطقة زراعية ولم تهتم الحكومة بها كثيرا, لكن هايبونج ينظر اليها دائما على انها أحد المراكز الصناعية الهامة في البلاد, لذلك فإن اللوائح والقيود فيها أشد. وتضخ الحكومة المركزية الفيتنامية مزيدا من أموال المساعدات الخارجية وعائدات الضرائب في الاقاليم الشمالية, وتنفق المزيد على مشروعات الاشغال العامة هناك. وبرغم ازدهار دونج ناي في الجنوب, فهي تفتقر الى الاسكان الجيد والطرق والنقل العام. وقال بريان كوين منسق جامعة هارفارد للتنمية الدولية في فيتنام ان الحكومة الفيتنامية كان يمكن ان تدمر دونج ناي بعدم كفاية البنية التحتية حول هذه المصانع, وهذا مثال على تجويع الجنوب من أجل اطعام الشمال. كتب المحرر الاقتصادي