في الوقت الذي تحول العالم فيه الى ما يشبه التكتلات الدولية القائمة على أسس عسكرية كحلف الاطلسي أو اقتصادية كمجموعة (النافتا) أو الاتحاد الاوروبي, أو النمور الآسيوية, رغم الفروق الايدلوجية والعرقية بين دول هذه التكتلات؟ يفتقد العرب وجود تكتل خاص بهم رغم وجود تجانس في كل المجالات التي يمكن ان تحدث تكتل في كل مجال منها (اقتصادي ـ عسكري ـ ثقافي ـ ديني). ومن المجالات المهمة التي يمكن ان تسهم بالاسراع في خروج تكتل ووحدة عربية اقتصادية بين الدول العربية هي العمالة التي تقدر بالملايين وهو ما انعش سوق العمل العربي حيث يمكن اعتبار هجرة العمالة العربية خطوة ايجابية على هذا الطريق, فالوطن العربي يتميز بموارده البشرية المتنوعة قدر تنوع دوله جغرافياً وسياسياً, وقد شهد ـ وما زال ـ منذ العقودالاربعة الماضية حركة واسعة للهجرة البشرية يتراوح مداها ما بين الهجرة بقصد العمل المؤقت الى الهجرة الدائمة بغرض الاقامة والتوطين, وكانت في البداية هجرة فردية تحولت الى هجرة جماعية.. وكانت هجرة العمالة العربية ضرورة اقتصادية واجتماعية ملحة تتطلبها تطلعات التنمية في الاقطار العربية مع الاختلال الواضح في توزيع الموارد البشرية والاقتصادية بين دول الوطن العربي, فهناك دول تملك القدرة المادية والامكانيات الاقتصادية, ولكنها تفتقر الى الموارد البشرية القادرة على تحقيق حلقة التنمية.. وعلى الجانب الآخر هناك مجموعة الدول التي تمثل الأغلبية العظمى تمتلك موارد وطاقات بشرية هائلة وتفتقر الى الطاقة المادية والاقتصادية القادرة على استيعابها. لقد ترتب على حرب أكتوبر 1973 والحظر النفطي العربي, وارتفاع اسعار البترول العربية عائدات مادية هائلة للأقطار العربية البترولية, والتي اتجهت بدورها الى تبني خطط التنمية الشاملة والبرامج الانمائية الطموحة في مجالات البناء والتشييد والخدمات والصناعة.. ولكن تلك الدول التي نالت الكثير من عائدات البترول وتطمح الى التنمية تفتقر الى الطاقة البشرية القادرة على البناء والتشييد ومن هنا أخذت تتدفق اليها موجات هجرة عمالية من الأقطار العربية الاخرى. مؤشر ايجابي ان هجرة العمالة العربية خطوة كبيرة ومؤشر ايجابي على طريق التكامل الاقتصادي العربي, فيمكن عن طريقها تطبيق فكرة سوق عربية قومية للعمل العربي تتخطى حاجز الحدود وترتفع فوق القيود القطرية التي تفرضها كل دولة..وتسمو على الخلافات والنزاعات الحكومية. بما يضمن للدولة المصدرة للعمالة الملايين من الدولارات السنوية التي تمثل تحويلات ابنائها العاملين في الخارج تستطيع من خلالها الاستمرار في عمليات التنمية واعادة التوازن إلى ميزانيتها.. وفي نفس الوقت يسمح للدولة المستوردة العمالة المضي قدماً في برنامجها الانمائي دون التأثر بافتقارها إلى قاعدة محلية من العمالة اللازمة لتنفيذ تلك الشماريع. واذا كان هذا بالنسبة للجانب الاقتصادي.. ففيما يتعلق بالجانب الاجتماعي.. يلاحظ ان انتقال العمالة العربية يمكن ان يدعم الروابط الاجتماعية والثقافية, فالهجرة تعمل على التقارب بين عادات وتقاليد ومدركات وافكار وحياة الشعوب في تلك الاقطار المنتمية إلى امة واحدة وتاريخ وماض مشترك, فمن خلال الجاليات العربية المنتشرة في كل الدول العربية المضيفة يتم التفاعل الاجتماعي بينهم وبين سكان تلك الاقطار, الذي قد يصل في بعض الاحيان إلى حد الامتزاج, هذا التقارب ونقل الخبرات والتفاعل الاجتماعي يساعد ولو بشكل غير مباشر على تشكيل اتجاهات موحدة نحو قضايا مصيرية كالوحدة العربية الكاملة والصراع العربي الاسرائيلي. معوقات وسلبيات واذا كانت العمالة العربية المهاجرة ظاهرة اجتماعية واقتصادية لها ايجابياتها منها ايضاً سلبياتها التي تعوق خطواتها إلى الهدف المرغوب فيه. من تلك المعوقات. ـ ان الاقطار العربية المستوردة للعمالة العربية خاصة في منطقة الخليج العربي يندر فيها حدوث تفاعل اجتماعي حقيقي بين العرب الوافدين والمحليين نتيجة تشدد القيم الاجتماعية السائدة ودوافع الولاء والانتماء إلى ابناء القبيلة والعشيرة الواحدة مما يجعل سلوكهم نحو الوافدين يتسم بالحذر. ـ التباين في الاجور والرواتب وفرص الترقي الوظيفي والتأمينات بين العمال العرب الوافدين والعمال المحليين مما يؤدي إلى نشوء علاقات غير ودية بين الطرفين. ـ ارتفاع التكلفة الحقيقية التي يتحملها العامل العربي الوافد للحصول على تأشيرة دخول وفرصة للعمل. وبعض الحكومات في الاقطار العربية المستوردة للعمالة تشترط وجود عقد او كفيل كشرط مسبق واساسي للحصول على التأشيرة وتصريح العمل والاقامة. وينطوي نظام الكفيل المعمول به في هذه الاقطار على اجحاف بحقوق العامل العربي الذي يعاني من وقوف القوانين المحلية بشكل كامل في صف الكفيل الذي عادة ما يحتجز جواز سفر العامل لديه ويتيح له المطالبة بترحيله وقت ما يشاء.. ومن الملاحظ ان العامل العربي الوافد يكتشف ان العقد الذي وقعه قبل سفره يختلف عن عقده الفعلي والذي عادة ما يكون اقل ملاءة من شروط والتزامات العقد الاولى. ـ الصراع الخفي بين الوافدين العرب والمحليين الذي ينعكس إلى سلوك معاد احياناً فيما بينهم. فعقب تعلم العديد من ابناء الاقطار العربية المستوردة للعمالة, وجدوا ان غالبية الوظائف الحكومية مشغولة بالوافدين العرب. ـ تؤدي فرص العمل القليلة مقابل الاعداد الهائلة من الايدي العاملة.. إلى التنافس الشديد داخل العمالة الوافدة مما يؤدي إلى ضعف التعامل الاجتماعي بين تجمعات وجاليات الوافدين بالاقطار المضيفة. ويقترح خبراء اقتصاديون عدة خطوات من خلالها يمكن تجاوز تلك المعوقات منها: ـ انضمام كافة الاقطار العربية المصدرة والمستوردة للعمالة الى الاتفاقية العربية الخاصة بانتقال الايدي العاملة والتي تم التوصل اليها في اطار منظمة العمل العربية عام 1975. ـ تسهيل اجراءات انتقال العمال العرب عبر الاقطار العربية. ـ منح الأولوية في التشغيل من قبل الاقطار العربية المضيفة للعمالة العربية الوافدة والعمل على احلالها محل العمالة الأجنبية. ـ ضمان تمتع العمال العرب الوافدين بنفس الحقوق والمزايا للعمال الاصليين.. وعدم اللجوء الى اجراءات تعسفية ضد العمال العرب الوافدين. ـ تنظيم سوق العمل بين الاقطار العربية من خلال انشاء هيئة مختصة بانتقال العمالة في كل قطر. ـ جعل انتقال العمالة العربية داخل الوطن العربي بمنأى عن النزاعات والخلافات السياسية بين الاقطار العربية. ـ دعم جهود ونشاطات المؤسسة العربية للتشغيل والتي تهدف الى الاسهام في الاستخدام الامثل للقوى العاملة العربية وتيسير انتقالها.. والعمل على مواءمة الطلب على القوى العاملة مع الغرض منها بالمساهمة في مشروعات تدريبية عربية مشتركة. ـ لابد من وضع صيغة معينة تتبناها الدول المصدرة والمستوردة للعمالة يتم على اساسها ضمان حقوق العاملين الذين يتم الاسغناء عنهم وفي نفس الوقت تساعد الاقطار المصدرة للعمالة على استيعاب العائدين اليها وفقا لظروفها الاقتصادية. ان هناك مسألة على جانب كبير من الاهمية وهي انه من الصعوبة تحديد دقيق لحجم انتقال العمالة العربية داخل الوطن العربي وهذا يرجع الى ان الاقطار العربية المصدرة والمستوردة للعمالة لا تحتفظ بسجلات عن عدد العمال خاصة الوافدين.. وتعتبر مصر في مقدمة الاقطار العربية المصدرة للعمالة تليها اليمن والاردن وفلسطين.. ويلاحظ ان العمالة العربية الماهرة والفنية المتخصصة تأتي في المقام الأول من مصر والاردن وفلسطين وسوريا ولبنان, بينما تأتي العمالة غير الماهرة من اقطار اخرى كاليمن والسودان, ويتركز معظم العمال العرب الوافدين الى الاقطار العربية البترولية في قطاعات البناء والتشييد وقطاع الخدمات كالتعليم والصحة كما تأتي دول مجلس التعاون الخليجي الست في مقدمة الدول العربية المستوردة للعمالة العربية وكذلك العمالة الاسيوية.. كما يلاحظ ان توجه عمال المغرب العربي الى اوروبا يفوق كثيرا توجههم الى العمل في الاقطار العربية. لقد لعبت العمالة العربية في الماضي, ورغم كافة السلبيات الدور الايجابي في بناء مرتكزات التنمية في البلاد المستوردة كما كان لها أكبر الاثر في انعاش البلاد المصدرة من خلال تحويلاتها المالية التي ساهمت ايضا بقدر مهم في النهوض الاقتصادي في تلك البلدان خاصة في حقبة ارتفاع اسعار النفط في السبعينات والثمانينات.. إلا انه ينتظر في ظل الاتجاه نحو اقامة منطقة للتجارة الحرة وانشاء السوق العربية المشتركة ان يكون للعمالة العربية دوراً آخر أكثر أهمية. كتب المحرر الاقتصادي