سوق العمل هو سوق مثل باقي الاسواق, حيث تتوفر فيه العناصر والصفات التي تجعله كذلك, فتوجد به البضاعة (الخدمة) المطلوبة من قبل القطاعين العام والخاص وهي خدمة العمل مقومة بالوقت (ساعات العمل) أو حجم الانتاج أحيانا وجودته, والمعروضة في الوقت ذاته من قبل العمال بمختلف فئاتهم ومستوياتهم (المهرة وشبه المهرة وغير المهرة). وفي معظم دول العالم وخاصة تلك التي لديها كثافة سكانية عالية تنشط نقابات العمال المتخصصة مثل (نقابات المهندسين والمحامين والاطباء والصيادلة وعمال المناجم وعمال السكك الحديدية وعمال المواصلات... وهلمجرا) وتطالب بحماية حقوق العمال من جميع النواحي. ولا يقتصر نشاط تلك النقابات على العمال في الداخل بل تستخدم النقابات كافة الطرق الممكنة للضغط على الحكومات لاستخدام سلطاتها وعلاقاتها الخارجية لحماية حقوق العمال المهاجرين في الخارج. وهذا في الحقيقة ما يفسّر لنا تفاوت أجور العاملين في الدولة بتفاوت جنسياتهم, فلو أخذنا خدم المنازل كمثال, نرى انهم على الرغم من كونهم يؤدون نفس الوظيفة, الا ان أجورهم متفاوتة حسب الجنسيات التي ينتمون اليها. وينطبق الأمر ذاته على كافة فئات العاملين ومستوياتهم, حتى العمال المهرة والخبراء وأساتذة الجامعات وغيرهم, فلماذا نستغرب إذن عندما نرى ان رواتب المواطنين متميزة على الأجانب؟ إن للعمال الاجانب نقابات تحميهم وتقف وراءهم لتساندهم, هذا فضلا عن المساندات الدولية من منظمة العمل الدولية ومنظمة حقوق الانسان, أما العمال المواطنون بمختلف فئاتهم فلا يلجأون الى النقابات لأنه لا يوجد نقابات في المجتمع, وان وجدت بعض الجمعيات التي من الممكن ان تقوم بدور النقابات مثل جمعية الحقوقيين وجمعية المهندسين وغيرها, الا ان هذه الجمعيات لا تقوم بذلك الدور ربما لأنه لا يدخل ضمن أهدافها ووظائفها أو ربما لأنها لا تحتاج الى ممارسة مثل ذلك الدور, ولذلك نرى ان الجمعيات تحتوي من بين أعضائها ليس فقط فئات العاملين ولكنها تحتوي ايضا رجال أعمال وهذا يتناقض مع الدور النقابي لتلك المؤسسات. ومع هذا الواقع الذي نعيشه لا يوجد أمام العامل المواطن سوى اللجوء الى الدولة مباشرة لتوفر له الحماية اللازمة. والحقيقة ان الدولة لم تأل جهدا في توفير الحماية اللازمة للعامل المواطن بكل معنى الكلمة. غير اننا لو نظرنا الى سوق العمل المحلي اليوم سوف نشاهد ان الدول الاجنبية تمارس ضدنا سياسات الاغراق, حيث نجد ان انخفاض أجور أو تكلفة العمل الاجنبي هو العامل الرئيسي الذي يجعل الطلب على العمل الاجنبي أكبر على الرغم من توفر العرض. فالعامل الاجنبي يقبل بالأجر القليل في بداية قدومه الى الدولة حتى اذا ما كوّن الخبرة المطلوبة بدأ يطالب بالأجر الاضافي أو البحث عن البدائل المتاحة. وهذه الفكرة تشبه الى حد كبير سياسة الإغراق في سوق السلع تماما. وبما ان سياسة الاغراق في سوق السلع تكافح بسلاح الضرائب الجمركية من أجل حماية الصناعة المحلية من الاغراق فإن سوق العمل كذلك لابد من حمايته بالسلاح نفسه, وهي فرض الضريبة أو الرسوم على العامل الأجنبي حتى ترتفع تكلفته على الجهات التي تطلب للعمل, وبالتالي تضطر تلك الجهات الى توظيف القوة العاملة المواطنة عن طريق الضغط غير المباشر من قبل الدولة, وخاصة تلك الفئات من العمالة المتوفرة في الدولة, مثل: المدرسين والاداريين والمحاسبين والاقتصاديين والسكرتارية والمهندسين والمحامين وغيرهم, ويحتاج منّا هذا الأمر الى انشاء هيئة لتخطيط القوة العاملة قبل اللجوء الى نظام زيادة الرسوم أو فرض الضريبة, وذلك لأنني قد أفرض رسوما أو ضريبة على فئات معينة من العاملين ثم أفاجأ بأن هذه الفئات نادرة جدا بين المواطنين ويصبح بالتالي فرض الضريبة أو الرسم فارغا من المعنى الاقتصادي ولا يشكل حماية لأية فئة من العاملين. د. محمد إبراهيم الرميثي