جاء إعلان الحكومة المصرية بالتراجع عن خطط خصخصة البنوك العامة, ليجدد الجدل الدائر حول هذه القضية, والذي اندلع بقوة منتصف عام 1998 بعد إصرار الحكومة على إدخال تعديل تشريعي يسمح بخصخصة البنوك العامة الأربعة (الأهلي, القاهرة, الإسكندرية, مصر). وأكد أصحاب الرأي المعارض لهذا الاتجاه مخاوفهم من عودة سيطرة رأس المال الأجنبي على البنوك الأربعة.. فيما بررت الحكومة تراجعها بعد عامين من إقرار تعديل التشريع في البرلمان, بأنه جاء تلبية لمطالب الرأي العام الذي مازال متحفظا على خصخصة البنوك, ومنعا لحدوث أي اهتزازات بالنظام المصرفي المصري. ويرى رئيس اتحاد البنوك المصرية محمود عبد السلام أن خصخصة البنوك العامة أمر غير وارد حاليا, مادام لم يتوافر القبول لدى الرأي العام للقيام بعملية خصخصة البنوك. موضحا أن حجم الودائع في البنوك بلغ 22 مليار جنيه العام الماضي, وأن إجمالي حجم التسهيلات الائتمانية للبنوك في نهاية يناير الماضي بلغت 7.219 مليار جنيه مقابل 191 . 1 مليار في يناير 1999. ويضيف عبد السلام أن حجم القروض التي تمنحها البنوك في مصر للقطاع الخاص خلال الربع الأول من العام الجاري بقيمة 9.5 مليارات جنيه وارتفع حجم الودائع بالعملة المحلية في نهاية يناير الماضي إلى 2.19 مليار جنيه مقابل 8.173 مليار جنيه في يناير 1999 مفضلا الاتجاه إلى الاندماج الاختياري بين البنوك والتخلص من حصص البنوك العامة في البنوك المشتركة. ويقول وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية المصري الدكتور يوسف بطرس غالي, أن 60% من المعاملات المصرفية حاليا تقوم بها البنوك الخاصة من ائتمان وقروض وغيره من المعاملات. مشيرا إلى أن العبرة في البنوك بمن يديرها وليس بمن يمتلكها إذ أن القانون يخول للوزير ومحافظ البنك المركزي سلطات تسمح لهما بكفالة جودة سير العملية الإدارية لأي بنك عام. ويقلل غالي من مخاوف خصخصة البنوك العامة وما يتبعه من إقدام المواطنين على سحب مدخراتهم منها شعورا بعدم الأمان, إذ أن القانون يمنح للبنك المركزي حق مراقبة أعمال وأداء البنوك في مصر. وعند خصخصة أي بنك عام يفرض القانون تعيين عضو مراقب في مجلس إدارة البنك ومن حق الدولة طبقا لمواد القانون أن تستبعد أي من أعضاء مجلس إدارة البنك وحل مجلس الإدارة, وتعيين مجلس مؤقت لإدارته أو دمج البنك مع بنك آخر إذا ثبت أن تصرفات مجلس الإدارة قد تضر بأموال المودعين. ويؤكد وزير الاقتصاد المصري وجود ضوابط تجعل عملية خصخصة البنوك أمرا لا يستحق كل هذه المخاوف, تشمل مراقبة انتقال ملكة الأسهم لضمان عدم تجاوز الحد الأقصى. المسموح بيعه لمستثمرين أجانب (10%). وأن تكون الأسهم اسمية وليست لحاملها للتأكد من هوية المشتري, وتقييم مستمر لإدارة البنوك التي تم خصخصتها, علما أن البنوك المخصخصة ستخضع إدارتها لنفس نظام إدارة شركات الأموال, وليس البنك المركزي, حيث سيضم مجلس إدا رتها ممثل للقطاع العام (الحكومة) وممثلين لرأس المال الخاص. ويتدخل مستشار وزير الاقتصاد الدكتور محمود محيي الدين في الحديث قائلا إن الإعلان الحكومي بتأجيل خصخصة البنوك العامة ليس إلغاء لاتجاه عالمي للتحول إلى آلية السوق وخصخصة الهياكل الاقتصادية, بل إرجاء استجابة لضغوط الرأي العام الرافض لفكرة الخصخصة, والمتحفظ على بيع هذه البنوك, رغم نجاح تجربة البنوك الخاصة في مصر, بسبب حسن الإدارة وتقديم الخدمة, مما أدى لتنامي ثقة الناس في حسن إدارة القطاع الخاص لأموال المودعين. ويعترف مستشار وزير الاقتصاد هناك تحفظات على خصخصة البنوك العامة حالت دون تنفيذها في الوقت الراهن, تشمل تركيز البنوك الأجنبية أو التي يمتلكها القطاع الخاص على القطاعات والأقاليم ذات الربحية العالية والخطر المحدود, وترك المشروعات ذات فترات الانتظار الطويل وذات العائد الاجتماعي المرتفع, والمخاوف من سيطرة هذه البنوك الأجنبية والخاصة على السوق المحلية خاصة في ظل غياب قوانين مطبقة بفاعلية للمنافسة ومنع الاحتكار والإضرار بمصالح البنوك العامة, والتخوف من تحويل المدخرات المحلية إلى خارج البلاد, علاوة على التخوف من اتباع هذه البنوك الخاصة لطريقة (الضرب واله رب). ومن جانبه يتحفظ رئيس اتحاد البنوك العربية محمود عبد العزيز على سياسة الحكومة. ويقول: إن سياسة الحكومة بسبب أن تتسم بالشفافية والعلانية وأن تتحدد برامجها تجاه الخصخصة والإصلاح المالي والاقتصادي للجميع, أي تحديد الخطوط الحمراء والخضراء مسبقا وإتاحتها أمام الجميع. وسبق أن كان لي رأي خاص بضرورة خصخصة البنك الأهلي الذي هو أكبر البنوك العامة في مصر, وتقدمت للحكومة المصرية بذلك بهدف إتاحة الفرصة لزيادة رأس المال البنك من مليار إلى 2 مليار جنيه, ولتحسين مستوى أداء داخل البنك, تمهيدا للاستعداد لمرحلة العملقة, أي قيام الكيانات الاقتصادية الضخمة القادرة على مواجهة المنافسة القادمة لا محالة مع البنوك العالمية, بتقديم خدمات الاستشارات وتحولها للوظائف الشاملة بدلا من الوظائف التقليدية النوعية تجارية كانت أو صناعية.. علما أننا ملتزمون بتحرير الخدمات المصرفية في مصر بحلول عام 2005 حسب اتفاقاتنا الدولية ويستلزم ذلك تطويرا لأداء الأفراد داخل الجهاز المصرفي. ويسترسل عبد العزيز أن تضارب الأمور والقرارات في مسائل استراتيجية مثل البنوك أمر غير مقبول, ويتسبب في إحداث بلبلة لدى رجل الشارع البسيط . كما أن السياسة المالية والاقتصادية لابد أن تقوم على الاستقرار ووضوح الرؤية مشيرا إلى أننا منذ عام ونصف عندما بدأ الحديث عن خصخصة البنوك العامة, لم تسجل حالات تدافع على سحب المودعين أموالهم من البنوك العامة خشية هذه الخصخصة, بل استمر العملاء مع البنوك التي يتعاملون معها في الأوقات الطبيعية. ويحض عبد العزيز على التخلي عن أفكار باليه مثل سيطرة رأس المال الأجنبي, وغيرها من الأفكار التي لم يعد لها وجود سوى في أذهان البعض من أصحاب المصالح الضيقة.. مطالبا بوضع التشريعات مثل الدول المتقدمة التي تحول دون حدوث ذلك مثلما فعلت الدول المتقدمة والتي سبقتنا في عمليات الإصلاح الاقتصادي ووضع المنظومة الرقابية القوية وبعدها لن يختلف الوضع حال الملكية سواء كانت عامة أو خاصة أو مشتركة. وأيد محمود العربي رئيس اتحاد الغرف التجارية في مصر يختلف مع ما سبق إذ أننا اقترحنا في السابق أن تكون عملية خصخصة البنوك العامة آخر مراحل تحرير التجارة الداخلية والخارجية مشيرا إلى أن في ظل حالة الركود التي تعاني منها الأسواق ماليا كيف سيكون الوضع والتصرف في ظل خصخصة البنوك العامة التي هي عماد التحرك الحكومي لمواجهة الأزمة والتغلب على مشكلة السيولة. وعلى صعيد آخر يرى الدكتو ر مصطفى مظهر مستشار وزير الاقتصاد أن الاندماج بين بنوك القطاع العام يعد المخرج الطبيعي لعمليات الخصخصة, حيث يتيح اندماج البنك الأهلي ومصر على سبيل المثال زيادة الوزن النسبي لهما إلى 9.67% من حجم البنوك الأربعة, مقابل 54% عند اندماج الأهلي مع القاهرة.. مؤكدا أن الاختيار بين البدائل المطروحة تحكمه عدة اعتبارات تحتاج إلى التأني والدراسة لمعرفة المردود الاقتصادي من كل بديل مفضلا الاندماج عن الخصخصة في الدول النامية.. علما أن مجموع أصول هذه البنوك بلغ 9.311 مليار جنيه. أما على مستوى أساتذة الاقتصاد ترى الدكتورة أمنية حلمي المدرسة بقسم الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية أنه بالنسبة للبعد الزمني لخصخصة البنوك العامة التجارية فمن الأفضل أن تؤجل إلى حين الانتهاء من خصخصة البنوك المشتركة تماما وبرنامج المؤسسات العامة التي تبلغ حجم الديون القائمة عليها لدى الجهاز المصرفي حوالي 32 مليار جنيه حوالي 60% منها ديون مشكوك في تحصيلها.. علما أن 1.4 مليارات جنيه من إجمالي حصيلة خصخصة المؤسسات العامة والبالغة 2.8 مليارات جنيه استخدمت في تسوية مديونية المؤسسات العامة لدى الجهاز المصرفي. القاهرة ـ حسين عبد الهادي