بقلم: بول صامويلسون العالم كله متبادل الاعتمادية اقتصادياً, الآن اكثر من اي وقت مضي. ولا ادل على هذه الحقيقة في شعر جون دون الذي قال فيه: .. لا إنسان جزيرة, مستقلاً بذاته.. .. كل إنسان يموت يدفع بي للفناء.. لهذا لا ترسل من يأتيك بخبر لمن تقرع الاجراس, انها تقرع لك: لا انوي الحديث عن الموت البشري بل عما كان سيتعرض له الناس اقتصادياً في كل مكان لو قدر لوول ستريت امريكا ان تتعرض في مطلع قرن جديد لكارثة كتلك التي حصلت بين عامي 1925 و1993. وشأن تلك الايام كان لجرثومة الانهيار المالي في نيويورك ان تنتشر بسرعة الضوء لتصل اسواق لندن وباريس وفرانكفورت وزيوريخ وامستردام وميلان ومدريد وهيلسنكي ومكسيكو وسان باولو وبوينس ايرس وطوكيو وسيؤول وسنغافورة وهونج كونج وتايبيه وبومباي. واهتمامي هنا هو ليس ما يمكن لمضارب ثري ان يخسره لآخر او يكسبه منه. بل اركز اهتمامي على (الاقتصاديات العامة حيث يعمل الناس لانتاج السلع وكسب دخولهم الحقيقية. بعد عام 1929. وفي امريكا تحت قيادة الرئيس هيربرت هوفر, تلىالكساد العظيم انهيار عام 1929. وبعد عام 1990 حين انفجرت فقاعتا الاسهم والعقارات في اليابان بدأ عقد من الركود والتضخم وحتى الآن لم يصبح تعافي اليابان مضموناً. ولهذا السبب اختلفت مع اولئك الخبراء الشباب الذين نصحوا رئيس الاحتياطي الفيدرالي الامريكي آلان جرينسبان الصيف الماضي بعدم اشغال نفسه بارتفاع مؤشرات اسعار الاسهم الامريكية. حينما قالوا له بكل ضحالة حكمة الشباب (ركز على مهمتك المتمثلة بمنع التضخم. تلك هي وظيفتك الوحيدة. وفيما يلي وجهة نظري المختلفة. جرينسبان وغيره من قادة المصرف الاوروبي المركزي ومصرف اليابان وغيرها من المصارف المركزية لديهم فعلياً مهتمان اثنتان: * عليهم العمل على تحقيق نمو مضطرد في اعداد الوظائف والاحتفاظ به في الاقتصاديات العامة. ـ عليهم العمل على تجنب تسريع تضخم معدلات الاسعار في الاقتصاديات العامة. الفقاعات التي يمكن تجنبها في اسواق المضاربة في الفقاعات الصاعدة والفقاعات الهابطة ذاتية الدوام مثل تلك التي تحدث تكراراً في تاريخ الاقتصاد الرأسمالي الصرف والمختلط, تقتحم دورات الاعمال ومؤشرات متوسط الأسعار الاستهلاكية ولهذا السبب المقنع فان المصارف المركزية والخزانات الحكومية تضطر لفعل ما بوسعها لمنع أو ابطاء الاندفاعات القوية في أسواق المضاربة الساخنة. قبل سنوات سابقة فهم جرينسبان هذا الأمر, وحذر من (الوفرة اللاعقلانية) . وقام هو وزملاء لجنة لعدة مرات برفع أسعار الفائدة القصيرة الاجل. لم؟ ليس لوقف الأسعار الاستهلاكية الآخذة في التحليق مسبقاً ونسب الاجور. إذ لم تبدأ القوة المفرطة في الاقتصاد العام ونسب نموه باستنزاف عرض العمالة لدنيا وتسرع ارتفاع الأجور إلا مؤخراً. واحد الأسباب وراء الارتفاعات المتكررة عامي 1999 و2000 في أسعار الفائدة الاتحادية هو تهدئة نمو الناتج المحلي الاجمالي للاقتصاديات العام السريع جداً. وإذا ما اعتبرنا ان الرخاء هو هدفنا, فان التاريخ الاقتصادي ونظرية التحليل تقول بان هذا الابطاء حصيف وليس نابعاً من الهواجس. لكني اعتقد أيضاً ان الاحتياطي الفيدرالي قد أراد أيضاً وضع ضوابط خفيفة على التجاوزات المفرطة لسوق (العصر الجديد) المستثمر والذي أوصل أسعار أسهم شركات الانترنت والاتصالات والشركات الطبية الحيوية حتى عنان السماء. وكانت الثروات قد تشكلت فيها سابقاً. وكانت الثروات قد ضاعت فيها مسبقاً ايضاً. نعم, انها متلازمة (جنون التوليب) حيث سعر البصيلة منها أصبح يفوق سعر منزل أو قلعة لمجرد ان الناس يظنون بأن هذا سوف يحدث وان مشترياتهم الجديدة تجعل ذلك يحدث. واليوم لم يعد الجنون بالكامل خداعاً نفسيا. فنسب نمو الانتاجية الامريكية قد حلقت فعلاً أواخر التسعينيات وخصوصاً في هذه القطاعات ذات العلاقة بالحاسب. وهنا نحن نواجه اكثر من مجرد انفجار متسلسل تقليدي, حيث القادمون المتأخرون الذين سيخسرون حتى ثيابهم فعلياً يقومون لبعض الوقت باغناء القادمين المبكرين, وان أسميها حمى الذهب كتلك التي شهدتها كاليفورنيا عام 1899 أو ألاسكا أواخر القرن التاسع عشر. فحين سماعهم بالغنائم الكبيرة التي تنتظرهم في مقامرة باكتشاف منجم جديد كان الناس يزحفون زرافات من شتى انحاء المعمورة للفوز بغنيمة كبيرة. لكن فقط قلة من المهاجرين الاوائل من حققوا الثراء. في عام 1920 كانت هناك 300 شركة امريكية لصناعة السيارات وكان المستثمرون متلهفين وراء شراء احداها طمعاً في الثروة, لكن ثلاث شركات منها نجحت نهاية الأمر وهي هنري فورد وجنرال موتورز وكرايزلر موتورز, ولعبة الروليت هذه مرشحة للتكرار في عالم أعمال الانترنت. فالتجار الصغار قد انهاروا وانتهى أمرهم. ومعظم الشركات الجديدة التي حلقت للأعلى اخذت طريقها الان نحو الاسفل ومعظمها سينتهي به الامر إما بالافلاس أو على طاولات المساومات للاندماج, هذا ما كان استاذي في هارفارد, الراحل جوزيف سكمبتر, ما كان سيتوقعه من نظريته الرائعة عن التطور الاقتصادي بالاعتماد على الابتكارات التقنية. وما يقلقني هو ان جرينسبان في الشهور الاخيرة هو انه بدأ بنسيان الماضي ويبدو وقد وقع ضحية اغراء الحماسة للعصر الجديد. وبعض عباراته التي تلفظ بها توحي بقناعته انه حينما يؤمن العديد من المستثمرين اللامعين في شيء ما ضمن المرشح له ان يكون ذا مصداقية لها قيمتها. ذلك يحدث مع السذج, فالمصرفيون المستثمرون الحصيفون الذين يأتون للسوق باصدارات عامة يضعون أموالهم في المقدمة, وحتى لو كان سعر الأسهم الجديد قد تضاعف اليوم عما كان عليه الأمس فإنه سيعود للنصف ثم للنصف خلال الشهر التالي, أما الفوائد التي يحصلها الوسطاء فلن تتأثر, فهل نسي جرينسبان قول الشاعر المفحم؟: حينما يصبح كل العالم مجنونا من الحماقة ان تفقد عقلك أنا جاد فيما أقول, فالاسواق المعاصرة قليلة الكفاءة لأنها حين تسيء تقديم أسهم جنرال موتورز قبل وبعد تاريخ توزيع الارباح, أستطيع بالحصافة ان أحقق الكثير بالبيع والشراء حتى أصحح هذا الانحراف قصير الأمد. وعندما تضاعف السوق الاجمالي الياباني ثم عاد وتضاعف ثم عاد وتضاعف بين أعوام 1980 و,1989 كان لأي شخص عاقل بما فيه الكفاية ان يؤمن بأنه ليست هناك أسهم تستحق نسبة الارباح 300 الى 1 يمكن ان تنهار ليحاول أصحابها بيعها بالأجل لدرجة ان السوق أفرط في تقييمها بشكل لا يصدق. أنا هنا لا أحاول أن أكون غامضا, نعم هناك بالفعل نوع من فقاعة في سوق اليوم, وهذا لا يعني ان ننصح القراء بالاسراع الى النقد الآمن. إذ ان الفقاعة يمكن ان تستمر طويلا مرة اخرى كما استمرت سابقا. العديد من الناس أصبحوا يتسامحون مع الاحتفاظ بالأسهم بدلا من السندات في مدخراتهم الخاصة بالتقاعد, وربما بعد عقود من الآن قد أصبحت نسبة الارباح من الثمن المعقولة تزيد بفارق واضح عن 15%, وهو ما ساد عادة. أنا أخاطب جرينسبان واعضاء الكونجرس من الحزبين وزعماء العالم.. يجب على هؤلاء ان يؤخذوا بنشوة الايمان بازدهار العصر الجديد أو بتشاؤم انتهاء العالم. وسيكون الحاكم جورج بوش متهورا لو انه دافع عن السماح لكل أمريكي باختيار وسطائه الخاصين ووضع جزء مهم من مدخرات ضماننا الاجتماعي في الأسهم الساخنة التي يقرأ عنها في الانترنت. وسيكون أكثر تهورا اذا ما وعد بأن الحكومة الامريكية ستطلق سراحي بكفالة لو تبين ان خياراتي من الأسهم كانت سيئة. وذلك سيكون كشركة تأمين تشجع عملاءها على التخلص من اجهزة اطفاء الحريق لأن بوليصة التأمين تغطي اعادة البناء. واذا كانت صناعة التأمين تسمى ذلك (خطر اخلاقي) فأنا أسميه حماقة متهورة.