يختلف البشر في كل شيء تقريباً وما من شخصين يمتلكان الصفات ذاتها حتى ولو كانا توأمين فالنفس البشرية تختلف من شخص لآخر والصفات الجسدية والالوان غير متماثلة وكذلك الرغبات والآمال والطموحات والاهداف والآراء والافكار حيال مختلف القضايا. واذا طرحنا السؤال: هل تجد في نفسك ميلاً نحو التفاوض؟ أو بشكل مباشر هل تحب المفاوضات؟ على مجموعة من البشر فسوف نجد ان الاجابة تختلف من شخص لآخر فالبعض قد يقول: (نعم) والبعض الآخر: (لا) وقد تكون اجابة البعض: (إلى حد ما) . ولكن ماذا عنك انت أيها القارىء؟ وإلى أي من هؤلاء تنتمي؟ ان الاجابة عن هذا السؤال قد تكون مدهشة للغاية الا انها تتطلب قدراً عالياً من الصراحة والوضوح مع النفس والا تبادر إلى طرحها الا بعد تفكير جاد وتأن شديد لانها سوف تحدد وبشكل قاطع ونهائي طبيعة ادائك كمفاوض. وللاجابة عن هذا السؤال يتعين اولاً التفكير ملياً في تلك الجوانب التي نحبها )أو التي لا نحبها( في عملية التفاوض حتى ولو كانت خبرتنا محدودة للغاية. وينبغي التفكير في امور مثل: هل تشكل المفاوضات بالنسبة لي تحدياً وتجعلني متيقظاً على الدوام؟ هل احس بالارتياح والسعادة عند انتهاء المفاوضات بطريقة مرضية؟ هل تجعلني عملية التفاوض احس بالمسئولية والانتماء التام لعملي؟ ولتسهيل هذه المهمة الصعبة نقدم الاختيار التالي الذي استند إلى مجموعة من الاسئلة تضمنها استبيان حول الاسباب التي تجعل المديرين التنفيذيين يحبون المفاوضات او يترددون في الدخول في عمليات التفاوض. ونشدد هنا على ضرورة الوضوح والصراحة في الاجابة عن الاسئلة ذلك لانه كلما كانت الاجابة امينة كانت النتائج دقيقة وبشكل يساعد على تحديد جوانب القوة والضعف الذاتية والتخطيط, بالتالي لتعزيز موقف ايجابي تجاه المفاوضات. وعلينا ان ندرك اننا نضع مواقفنا الذاتية امام هذا الاختبار اي انه اختبار لموقف محدد ونهائي تجاه المفاوضات ايجابياً كان ام سلبياً. ويجب عدم اعمال الذهن في التفكير في الاجابات بصورة مبالغ فيها والتركيز على امور مثل (حسنا.. دعني اتبين أي الاجابات ستكون صحيحة) . ويتعين ان تستند الاجابة إلى احساسنا الخاص تجاه عملية التفاوض اي بمعنى آخر (ماذا يعني هذا بالنسبة لي) .. ولنبدأ الآن بطرح الاسئلة المقصودة هنا وهي': ـ هل تعتقد ان موهبة التفاوض امر لا غنى عنه للقائد الممتاز؟ ـ هل تستمتع بالعمل كعضو في فريق عمل؟ ـ هل تعتقد ان المفاوضات ليست سوى عبء ومضيعة للوقت والجهد؟ ـ هل تعتقد ان التفاوض عنصر مهم في التجارة الحديثة؟ ـ هل تجعلك احتمالات الفشل تتردد قبل الدخول في اية مفاوضات؟ ـ هل في استطاعتك ان تقول (لا) وتعني ذلك حقيقة؟ ـ هل توافق على ان الهزيمة المشرفة في المفاوضات شكل من اشكال الانتصار؟ ـ هل تعتقد ان التفاوض يجبرك على تنمية مهارات وصفات تفخر بها؟ ـ هل تتخوف من المسائل غير المتوقعة التي قد تنشأ خلال جولة من المفاوضات؟ ـ اذا كنت مسئولا عن مؤسسة ما. فهل تفضل اصدار التعليمات والتوجيهات ام التفاوض والاتفاق مع مرؤوسيك حول اساليب العمل؟ والآن نأتي إلى المرحلة الاكثر اهمية وهي الرحلة التي يتأكد فيها القول المشهور: (في الامتحان يكرم المرء أو يهان) أي مرحلة الترقب المشوب بمشاعر مختلطة ومتضاربة انتظاراً لاعلان نتيجة الامتحان. ويقارن كل منا الآن اجاباته بالاجابات النموذجية التالية واذا كانت الاجابة تختلف عن الاجابة النموذجية فإنه يمنح نفسه درجة واحدة وايضاً درجة واحدة بكل اجابة بـ (أحياناً) وها هي الاجابات بالتسلسل الذي جاءت به الاسئلة. نعم, نعم, لا, نعم, لا, نعم, نعم, نعم, لا, لا. ويتعين ان نشير هنا إلى انه لا توجد اجابات صحيحة واخرى خاطئة ذلك ان الاجابات النموذجية بـ (نعم) التي قدمناها هي التي تمثل شخصاً يستمتع بكل جوانب المفاوضات وهذا في واقع الامر امر مستبعد بينما تشير الاجابات بـ (لا) إلى اسباب التردد في الدخول في عملية التفاوض. والآن فلنعد بالذاكرة إلى الوراء ولنتقمص تلك الشخصيات الصغيرة والمشاغبة اي شخصيات تلاميذ المدارس ولنستعيد تلك الايام السعيدة التي لا تنمحي عن الذاكرة ايام الدراسة وسنواتها الظريفة ولنعش بعد هذه (العودة) لحظة معينة هي لحظة اعلان النتائج. والنتائج هي:ـ ـ من صفر إلى 4 درجات: يبدو ان التفاوض هو طبيعة ثانية لك ذلك ان كانت اجاباتك نزيهة وعفوية وتلقائية وكل ما يتعين عليك فعله هو ان تتعامل مع التفاوض بانتظام وتنمي مهاراتك وسوف تجني ثمار جهودك. ـ من 4 إلى 6 درجات: لقد قمت بتحديد جوانب اللين في شخصيتك والتي قد تكمن في الاجابات التي تختلف عن الاجابات النموذجية وكل ما عليك القيام به هو العمل على تصحيحها. ـ من 6 إلى 10 درجات: ان هناك احتمالات عدة استناداً إلى طبيعة الدرجات التي حصلت عليها وهي: ـ جاءت معظم الدرجات نتيجة للاجابة بـ (احياناً) واما ان تكون قد تسترت على احاسيسك الحقيقية او لم تكن لك الخبرة الكافية كمفاوض لمعرفة تلك الاحاسيس. ـ لقد حصلت على درجات عن الاسئلة التي جاءت الاجابات النموذجية عنها بـ (نعم) في الوقت الذي كانت اجابتك هي (لا) . واستناداً إلى هذا الموقف فإن المفاوضات لا تمثل فعلاً (محرماً) عليك ولكنك لم تتعود حتى الآن على حبها) . وننصحك بالتدرب على (حبها) على الفور. ـ لقد حصلت على درجات لانك اجبت بـ (نعم) عن الاسئلة التي كانت اجاباتها النموذجية هي (لا) وهذا يعني ان التفاوض يعني غولاً مخيفاً وكابوساً فظيعاً بالنسبة لك لا تحزن ولا تفقد الامل. واذا خرجت خاوي الوفاض ومهزوماً في اول جولة مفاوضات تدخلها. فإننا ننصحك بارسال شخص آخر بدلاً عنك لانك بصراحة تفتقر إلى الحد الادنى من الاحساس الايجابي الضروري لتحقيق النجاح. وعليك الاستمرار في تعلم تنمية الاحاسيس الايجابية الا انه يتعين عليك الابتعاد عن المواقف المشحونة بالضغوط والتفاوض فقط حول تلك المسائل التي لا تترتب عليها خسارات باهظة. وعندما تحرز بعض التقدم فقد يكون الوضع مختلفاً. ومن يدري.. فقد تكون النتائج مدهشة اذا اقتنعت بأن التفاوض يجب ان يكون موقفاً عادياً وان التدرب والتجريب هما افضل وسيلتين لتوفير نوع فريد من التآلف مع عمليات التفاوض. الآن ما هي العناصر التي تصنع المفاوض الناجح؟ ما هي تلك الصفات التي يتميز بها المفاوض الماهر والمتمرس؟ لقد قام عالم علم الادارة والمتخصص في مجال التفاوض بروفيسور جون هاموند الاستاذ بجامعة هارفارد بعرض اربع وثلاثين صفة على اثنين وثلاثين من كبار رجالات المصارف الامريكية وذلك لتقويمها بحسب درجة اهميتها. وسوف نرى الآن كيف تتفق اجاباتنا مع اجابات اولئك التنفيذيين غير متناسين ان ذلك الاستبيان قد استند إلى آراء ووجهات نظر شخصية وليس إلى اي بيانات محددة او احصاءات علمية بعينها. ويتعين علينا قبل استعراض تلك الصفات ان نفكر في مهاراتنا التفاوضية الخاصة بنا ومدى التزامنا الصارم باحتياجات ومتطلبات مؤسساتنا وباهداف المؤسسات التي نتفاوض معها. وان نحدد بشكل حاسم وقاطع تلك الصفات التي نعتعقد بأنها اكثر اهمية من غيرها. الآن ننظر إلى الصفات التي عرضها العالم الامريكي: ـ القدرة على آلتعبير عن الافكار شفاهة. ـ ملكة التميز والحكم على الاشياء بصورة صائبة وحصيفة. ـ القدرة على الاصغاء للآخرين. ـ قوة الشخصية. ـ القدرة على اقناع الآخرين. ـ الصبر. ـ الحزم والصرامة. ـ القدرة على التحضير والتخطيط. ـ القدرة على التفكير بوضوح وسرعة تحت الضغوط وخلال المواقف غير العادية. ـ المعرفة الدقيقة بالمسألة موضوع التفاوض. هذه هي اهم الصفات التي تم عرضها على نخبة منتقاة من كبار المصرفيين الامريكيين قاموا بوضعها حسب اهمية كل منها وبحسب آرائهم الخاصة. فلننظر فيها ونحاول وضعها بحسب تسلسل درجة اهمية كل منها ليس على طريقة الحظ بل بعد تفكير متأن وتقويم علمي لكل من هذه الصفات والمميزات. هل نبدأ بالصفة (4) اي (قوة الشخصية) ام بالصفة (7) اي (الحزم والصراحة) ؟ وسوف يصل كل منا إلى التسلسل الذي يقتنع به ويراه مناسباً. والآن لننظر إلى ما توصل اليه المصرفيون ومن ثم نقارن النتيجة بالتسلسل الخاص بكل منال لذلك يجب وبإخلاص اعداد القائمة الخاصة بك قبل الاطلاع على ما توصل اليه المصرفيون وذلك لفائدتك ومصلحتك الخاصة وحتى تكتسب الصفات المميزة. لقد جاء التسلسل هكذا: ,8 ,10 ,9 ,1 ,3 ,2 ,4 ,5 ,6 7. مدهش .. اليس كذلك؟ لقد تصدر الاعداد والتحضير الجيد رأس القائمة بينما تراجع الحزم والصرامة إلى نهاية القائمة. ويتعين ان نتذكر دائماً ان هذا تقويم ذاتي فقد تم سؤال المصرفيين عن (رأيهم) حول اهم الصفات والمميزات. فعلى سبيل المثال ان كنت انساناً ظريفاً وحلو المعاشرة وتمتلك قدراً هائلاً من روح الدعابة والمرح فلا يعني هذا ان تتقمص شخصية الانسان الجاد والحازم حتى تصبح مفاوضاً ماهراً الا انه وفي الوقت ذاته بتعين عليك عدم الاعتماد على جاذبيتك او قدرتك على جذب انظار واسماع الآخرين. وننصح بتدوين تلك الصفات التي نعتقد اننا نتمتع بها وايضاً تلك المميزات التي لا نتصف بها. ان الصفات والمميزات التي نمتلكها هي هدية يجب الاستفادة منها وتوظيفها بالشكل الذي يكفل لنا تحقيق اهدافنا من الدخول في اية مفاوضات. ولكن ماذا عن الصفات والمميزات الاخرى؟ اقرأ مرة اخرى قائمة الصفات التي يعتقد المصرفيون الامريكيون انها اكثر اهمية من غيرها في صنع المفاوض المتمرس. هل يوجد اي شيء مشترك بين هذه الصفات؟..لا؟ حسنا هناك شيء يمكن ان يشجعك وهو: يمكن لكل انسان تقريباً ان يكتسب الصفات والمميزات التي تجعل منه مفاوضاً ماهراً ومتمرسا الا ان هناك صفة واحدة لا يمكن التدرب عليها بهدف اتقانها وهي ملكة التمييز والحكم على الاشياء والامور بصورة صائبة و حصيفة. واخيراً ولتأكيد اهمية الاعداد والتحضير والتخطيط للمفاوضات بشكل جيد نسوق هذه القصة التي مفادها ان اسداً وقف تحت شجرة ذات يوم وبدأ يسن انيابه الحادة على جذعها فمر ارنب صغير بالقرب منه ودهش لما شاهده فسأل الاسد عن السر في قيامه بسن انيابه في حين انه لا يوجد اي خطر يتهدده سواء اكان ذلك صياداً ام وحشاً برياً فاجابه الاسد قائلاً: (انني افعل هذا عن عمد فإنه لن يفيد ابداً ان اشحذ سلاحي في الوقت الذي ينبغي علي فيه ان استخدمه) .