بعد 14 عاماً من المفاوضات المكثفة والماراثونية, يبدو ان الصين سوف تحصل اخيراً على عضوية منظمة التجارة العالمية. غير ان هناك مخاوف في بكين وبقية عواصم العالم من ان نجاح الصين في الحصول على هذه العضوية مصحوبا بتحديات كبيرة وان هذا ليس هو نهاية المطاف بل بداية رحلة طويلة رحلة الالف ميل التي بدأت بالخطوة الاولى, منظمة التجارة العالمية من الناحيتين العملية والنظرية هي بوابة الصين للتكامل التام مع الاقتصاد العالمي. وسوف يدعم هذا الوضع المكانة الدولية لبكين, في الوقت الذي يتطلب منها ايضا مواجهة تحديات خطيرة تتمثل في تحرير اقتصادها واسواقها وان تخضع لاول مرة لقواعد السوق العالمية. فرص وتحديات سوف يشجع فتح اسواق الصين على جذب استثمارات اجنبية مباشرة بكميات اكبر. وسوف تؤدي عضوية الصين في المنظمة العالمية إلى التسريع بتحديث اقتصاد البلاد وزيادة معدل النمو والرخاء وتعميق مشاركتها الدولية, خاصة مع الولايات المتحدة. لكن على الصين لتحقيق هذه الاهداف والمكاسب, ان تجري تغييرات ثورية وجذرية في الداخل فقد يؤدي جذب الاستثمارات الخارجية إلى خطر على الشركات والقطاعات الداخلية التي لا تعمل بكفاءة كافية, خاصة الشركات المملوكة للدولة. ويحتمل ان يؤدي ذلك إلى ارتفاع معدلات البطالة على المدى القصير ويثير تغيرات اجتماعية, او بمعنى آخر اضطرابات اجتماعية, قد تضعف في النهاية من حكم الحزب الشيوعي. غير ان الصين ليست الوحيدة التي تواجه او واجهت خطر التغيرات. فإن قبول عضوية الصين, سابع اكبر اقتصاد في العالم وتاسع اكبر دولة مصدرة في العالم, وثاني اكبر اقتصاد في آسيا هو اكبر تحدي لمنظمة التجارة العالمية خلال تاريخها. ولا يبدو ان المنظمة مستعدة جيداً لهذه المهمة. ويقول احد خبراء السياسة الامريكيين لم تفكر حكومات اخرى حقيقة في كيفية جعل عضوية الصين في منظمة التجارة العالمية, مفيدة وناجحة. والاسوأ من ذلك ان انهيار المؤتمر الوزاري لمنظمة التجارة العالمية في سياتل العام الماضي وسط احتجاجات عنيفة في الشوارع, جعل المنظمة تبدو غير اخلاقية في عيون الكثيرين. ان اجراءات منظمة التجارة العالمية التي يجب ان تتخذ بناء على قرارات جماعية, اي بالاجماع تتحطم تحت ضغط توسعها وزيادة اعضائها إلى 136 دولة, غالبيتها فقيرة. والولايات المتحدة لم تعد قادرة على ممارسة دور القيادة في المنظمة العالمية وفي السياسة التجارية العالمية, لذلك هناك خطر الانحراف اللانهائي او حدود غير معلومة. ويخشى كثير من خبراء التجارة ان تجد منظمة التجارة العالمية حتى بعيداً عن عضوية الصين, انه من الاصعب ان تحدد الاتجاه. ولا يبدو ان بكين سوف تؤيد البدء في جولة محادثات تجارية عالمية جديدة, في الوقت الذي لا تزال تكافح فيه من اجل تحقيق التزاماتها ووعودها بتخفيض الحواجز التجارية المالية, وهي عملية قد تستغرق من الصين على الاقل خمس سنوات. قد يكون ذلك خبراً سعيداً بالنسبة للدول النامية التي لا يزال معظمها لا يحبذ عقد محادثات تجارة عالمية جديدة, ويرون في الصين البطل السياسي الذي سينقذهم. لكن هذا الامر يسبب قلقاً لممثل اوروبا التجاري باسكال لامي الذي بذل جهوداً كبيرة لاقناع الولايات المتحدة ودول اخرى كبيرة وقوية للموافقة على بدء محادثات تجارية عالمية قبل دخول الصين في عضوية المنظمة. ويحتمل الا تكون بكين متحمسة بشأن الاتجاه الغربي لاعطاء منظمة التجارة العالمية دوراً كبيراً في قضايا خلافية مثل حقوق العمالة والبيئة, ومحاولات الاتحاد الاوروبي بوضع قضايا مثل الاستثمارات والمنافسة على جدول الاعمال في جولة محادثات التجارة العالمية. غير ان قليلاً من المراقبين يتوقعون ان تشكل الصين احتمالا لشق الصفوف في منظمة التجارة العالمية, او تستخدمها كأداة سياسية. وهم يشيرون إلى ان الصين لا تلعب دوراً كبيراً, أو احياناً ادواراً سلبية في الامم المتحدة ومجلس الامن والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وقال نيكولاس لاردي ان الصين ليس لديها تصور عما تريده من منظمة التجارة العالمية, ولاردي باحث صيني في معهد بروكنجز في واشنطن. واضاف ان الصين عبارة عن قوة سياسية كأمر واقع في المنظمات العالمية والدولية, انها لا تشكل اي عنصر فعال او ايجابي الا عندما تتعرض مصالحها للخطر. والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما اذا كانت بكين تعرف حقيقة الالتزامات التي ينبغي عليها الوفاء بها, واذا كانت مؤهلة ومستعدة لتنفيذها؟ ورغم انها تقوم بحملة مكثفة لاقناع المسئولين وتعريفهم بمنظمة التجارة العالمية, يقول الدبلوماسيون الاجانب ان قليلاً من هؤلاء المسئولين في الحكومة الصينية يفهمون معنى عضوية بلادهم في منظمة التجارة العالمية. مشكلتان هامتان لابد لهما من حل لابد ان تواجه بكين مشكلتين رئيسيتين اولاهما ان انظمة وقواعد منظمة التجارة العالمية لم تعد تتوقف عند الحواجز الحدودية مثل التعريفات الجمركية, بل تمتد إلى اعمق من ذلك إلى ما كان يعتبر فيما سبق من مجالات السياسة الداخلية, مثل حقوق الملكية وقواعد الامن الغذائى وتنظيم عمل البنوك والاتصالات. ثانياً ان الصين الزمت نفسها بالتزامات مؤلمة وتشكل عبئاً في هذه المجالات اكثر من اي دولة عضو في منظمة التجارة العالمية. غير ان الصين تفتقر إلى كثير من الادوات لتنفيذ هذه الالتزامات. ان سيادة القانون الذي يعد عنصراً اساسياً في كل اتفاقيات منظمة التجارة العالمية, ليس له تاريخ طويل في الصين بل ولم يكتسب العمق اللازم. كما ان النظام القانوني في الصين لا ينطوي على كثير من المبادىء السائدة في الغرب, مثل الالزام بتطبيق وتنفيذ العقود كما يفتقر نظامها القضائى إلى الاستقلالية والحرفية والمهنية. وتعتزم بكين ان تعدل نحو 170 قانوناً حتى تتوافق مع قواعد منظمة التجارة العالمية. غير ان مجموعة كبيرة اخرى من القوانين المحلية سوف تظل قائمة. وتقول تشارلين بارشفسكي الممثلة التجارية الامريكية انها حاولت تقليل فرص تراجع الصين إلى الخلف عن طريق التأكد من اعلان الصين لالتزاماتها والتأكيد عل الجدول الزمني لتنفيذها بعد حصولها على عضوية منظمة التجارة العالمية, وعلى ان يكون ذلك بدقة متناهية, بخصوص الاتفاقية التي تتيح تسهيل دخول اسواق كل من البلدين للآخر. كما تقدم واشنطن لبكين مساعدة تقنية وفنية لتنفيذ هذه الالتزامات. الا ان بارشفسكي تعترف بأن النظام القانوني والمؤسساتي الضعيف في الصين ليس من المحتمل ان يتغير بسرعة. وقالت ان الجانبين سوف يتعاونان معاً بجد كبير لضمان وجود آليات في الصين لتنفيذ التزاماتها بطريقة عملية ومستمرة. لكن كم من الوقت سوف يمنح شركاء الصين التجاريون لبكين حتى تستطيع اجراء هذه التغيرات وتتأقلم؟ ان الفائض التجاري الصيني مع الولايات المتحدة يصل إلى مستويات قياسية وقد يصبح قضية خلافية سياسية في وقت قريب في واشنطن اذا تدهورت الاوضاع الاقتصادية في الولايات المتحدة. وقد تثير الحملة القوية التي قام بها الرئيس الامريكي بيل كلينتون لاقناع الكونجرس بالموافقة على قانون تطبيق العلاقات التجارية مع الصين في اطار موافقة امريكا على عضوية الصين في منظمة التجارة العالمية, مشكلات فيما بعد. فقد استعرضت الحكومة الامريكية الفرص المتاحة امام المصدرين الامريكيين في اسواق الصين, بناء على وعود بكين بتحرير اسواقها وتجارتها, بينما وعدت الحكومة بإنفاق نحو 22 مليون دولار لمراقبة مدى التزام الصين بالقواعد التجارية الدولية. لكن بعض المراقبين يعتقدون ان مساعدي الرئيس كلينتون قد رسموا صورة غير واقعية بشأن سرعة انفتاح السوق الصينية, فاذا لم تتحقق هذه الصورة وهذه التوقعات المتفائلة فقد تصبح ضغوط الكونجرس والشركات الامريكية من اجل الضغط على بكين غير قابلة للاحتواء. وقد بدأ كثير من المحاسبين التجاريين في واشنطن في شحذ أسلحتهم استعداداً لاستقبال كثير من الأتعاب مقابل الترافع في قضايا تجارية في منظمة التجارة العالمية ضد الصين وممارساتها التجارية. ويقول أحدهم كيف ستكون عضوية الصين في المنظمة؟ سوف تكون بالتأكيد عاصفة من القضايا التجارية. ويقول دينيل تارولو المستشار السابق في البيت الابيض حول السياسة التجارية العالمية ان شن سيل من القضايا التجارية قد يؤثر على الهدف الأساسي من عضوية الصين في منظمة التجارة العالمية, والنتيجة تزايد الخلافات التجارية مع الولايات المتحدة, مما يؤثر سلباً على جوانب أخرى في العلاقات الثنائية بين البلدين. عواقب اخرى لعضوية الصين هناك أيضا قلق بشأن ان تكون عضوية الصين, بما تمثله من ضغط على اجراء تسوية النزاعات التجارية بسبب التزايد المتوقع في القضايا التجارية ضدها, في ان تؤثر على هذه الاجراءات التي تمثل الأساس القانوني لمنظمة التجارة العالمية. وقد خضعت هذه الاجراءات والقواعد لاختبارات صعبة خلال النزاعات التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي, ولم يلتزم الاتحاد الأوروبي اكثر من مرة بقرارات لجان المنظمة. ويقول صناع السياسات التجارية, والقيادات في بكين ان منظمة التجارة العالمية لايمكن ان تدعى انها منظمة عالمية ما دامت الصين خارجها. وقالت بارشفيسكي ان الصين ينبغى ان تكون داخل المسرح, وان تلعب اللعبة بنفس القواعد, لما يمثله ذلك من اهمية مباشرة لنظام التجارة متعددة الجوانب, واكدت ان الصين ينبغى ان تكون عضوا في المنظمة. هذا الهدف الذي طالما طمحت اليه الصين ودول غيرها اصبح الان على مقربة. وهناك حاجة الى الحظ والدبلوماسية والصبر والرؤية الخلاقة, اذا كان لعضوية الصين ان تضيف قوة لمنظمة التجارة العالمية, بحيث تزداد توحداً وارتباطاً ونفوذا في مجال التجارة العالمية.