المتغيرات الاقتصادية واختلاف مفاهيم التسويق

لاشك ان المتغيرات الاقتصادية وانعكاساتها على الاسواق بصفة عامة احدثت تطورات وتصورات حديثة لعدة مفاهيم وعلى رأسها مفهوم التسويق. اذ كان من المألوف ان تقتصر المؤسسة على صنع منتج ثم ان تسعى الى اشهاره وتسويقه. وعندما تتقلص المبيعات, تتجه الانظار الى إدارة التسويق والمبيعات وتعمل الادارة العليا على تحفيز مندوبي المبيعات والتسويق وحثهم على عقد صفقات جيدة بشتى الطرق وكذلك الى دعمهم بتكثيف الدعاية حيث ان مفهوم التسويق الحديث يقتضي الا تقتصر المؤسسة على بعث ادارة تسويق فحسب, وانما على ان تكون سياسة ومنهجية التسويق متناسقة ومنبثقة من الاستراتيجية والسياسة العامة للمؤسسة بجميع اقسامها وافرادها. هذا يستوجب من كل مؤسسة ترغب في البقاء وتثبيت مكانتها ثم في النجاح التجاري ان ترتقي بسياستها وادارتها في مجال التسويق الى المستوى المناسب لمتطلبات المنافسة المحلية ثم الدولية. يكون ذلك باحداث نقلة نوعية في طريقة تعاملها مع مفهوم التسويق الحديث وما يتضمنه من تقنيات, آليات, وسائل, ادوات وممارسات والى تغيير العقلية والفلسفة التسويقية المتبعة ثم الى ممارسة التقنيات والآليات العصرية والتي تكون في نفس الوقت متناغمة فيما بينها ومتناسقة مع روح العصر والتجديد. ثم ان كل المتغيرات الاقتصادية والتجارية تستدعي اليوم من مدراء المؤسسات إعادة النظر في اهداف مؤسساتهم وكذلك الشأن للسياسات والخطط المتبعة. كما انها تقتضي منهم وقفة تأمل ازاء التحديات الكبرى وتطورا شاملا للحلول والمتطلبات التي تفرض نفسها في بداية الالفية الجديدة. ولابد من القول ان عولمة الاقتصاديات والاسواق, الركود والازمات الاقتصادية, المشاكل البيئية, نقص وتردي البنية التحتية.. هي بلاشك تمثل اكبر التحديات المستقبلية في جميع دول العالم. في المقابل توفر هذه المشكلات ـ في الوقت نفسه ـ فرصا اقتصادية تجارية يمكن الاستثمار فيها من قبل المؤسسات التي لها القدرة على استيعاب هذه الفرص في الوقت المناسب بالتخطيط الاستراتيجي المسبق على المدى الطويل. كما ان تسارع نسق التطورات التكنولوجية يمثل هو الآخر العديد من الفرص امام قطاع المؤسسات والاعمال ثم انه يحمل في طياته مؤشرات توحي بمصاعب ومشكلات قد تتعرض لها بعض القطاعات او المؤسسات الاقتصادية الاخرى. ذلك ان التطورات الحاصلة في ميادين النقل والاتصالات وغيرها انعكست بطريقة مباشرة وغير مباشرة على الاقتصاد العالمي خلال العقدين الاخيرين. من ناحية اخرى تتسابق كبريات الشركات العالمية في عقد صفقات اندماج وتحالفات قلصت من مفهوم الشركة المحلية او القومية. ثم ان الاسواق فقدت الكثير من حدودها الوطنية. هذه هي بعض اوجه العولمة.. كما ان التاريخ يعيد نفسه, فالاقتصاد العالمي يمر من حين لآخر بفترة ركود مع توترات وازمات مالية في بعض الدول النامية من جهة ومعدلات نمو محدودة في اغلب اقتصادات الدول الصناعية من جهة اخرى. وتتسع الهوة بين مستوى المعيشة في هذه البلدان وبقية دول العالم الثالث. وفي نفس الوقت الذي يغرق فيه هذا الاخير في مشكلات الفقر والجوع, تعاني الطاقة الانتاجية في الدول الثرية من عدم استغلالها بالطريقة المثلى لقلة تواجد الاسواق الاستهلاكية القادرة على استيعاب فائض الانتاج. حيث ان تواجد السوق في الاعتبارات التجارية والتسويقية لا يتوفر الا بتوفر الطلب من ناحية ثم الموارد والامكانيات التي يمكن ان تلبي هذه الاحتياجات من ناحية ثانية. تجدر الاشارة الى ان قضية البيئة والعناية بها اصبحت من الالتزامات التي يجب على المؤسسة المحترمة احترامها وبالاخص في الدول الصناعية. حيث ان المسألة اصبحت لها حساسياتها وانعكاساتها على الحياة السياسية والاقتصادية, خاصة بعد كارثة (تشرنوبيل) (1986) ثم قمة ديودجانيرو (1992) وظهور الاحزاب السياسية الخضر. كل هذه الضغوط لم تظهر بعد بطريقة واضحة وجلية في الدول النامية رغم حتميتها. امام هذه الحقائق النابعة من الواقع الاقتصادي والتجاري كان لابد ان تتبلور افكار ومفاهيم جديدة, ظهرت منذ منتصف الثمانينات في المؤسسات الامريكية ثم بعدها في أوروبا جعلت الشركات تسعى اكثر فاكثر الى سياسة التميز والامتياز. ومن هذه الافكار انطلقت التوجهات العصرية والمستقبلية التي انتهجتها بعض المؤسسات الرائدة في ميدان التسويق. ولعل من اهمها ان تضع المؤسسة في أول اعتباراتها الاستراتيجية العميل والسوق. هذا ما تجسمه العبارة التالية (لقد اصبح الزبون يمثل الشخصية الأولى والاكثر اهمية للمؤسسات الناجحة) كما ان (في استقصاء وتلمس حاجيات الاسواق وتلبية رغباتها المستقبلية ادراك للتوجهات الاستراتيجية على المستوى التجاري والتسويقي) وبناء على هذا المفهوم الحديث يظهر ان لوظيفة التسويق دورا رئيسيا في تكريس وبلورة توجهات المؤسسة العصرية التي تضع العميل في قلب اهتماماتها. حيث يعرف التسويق بانه آلية اقتصادية واجتماعية تخول للفرد وللمجموعة تلبية رغباتهم واحتياجاتهم عن طريق صنع ومبادلة المنتجات وبصفة عامة تبادل كل الاشياء التي لها قيمة تسويقية بالنسبة لهم. اذن يجد التسويق شرعيته بتعدد وتنوع احتياجات ورغبات وكذلك متطلبات العنصر البشري, هنا يجدر توضيح الفرق بين هذه المصطلحات من زاوية مفهوم التسويق وعلوم الاقتصاد. (الاحتياج) ينبع من عدم توفر الشيء لدى الفرد, بينما (الرغبة هي خاصة بتوفير الشيء المرغوب فيه. فمثلا يمكن ان نبسط الموضوع لنقول إن فلانا في حاجة (يحتاج) الى الاكل (لتفادي حالة الجوع) فاختار ان يتناول (صحن كسكسي) لتلبية رغبته في الاكل. فيما يتعلق (الطلب) برغبة الفرد لشراء غرض معين وتكون هذه الرغبة مدعومة بقدرة شرائية وكذلك ارادة شرائية, يتضح جليا ان التسويق بريء من التهم المتراكمة حوله مثل (ان التسويق هو صانع الرغبات) او (التسويق يرغم الناس على شراء واستهلاك اشياء لا حاجة لهم بها) .. فاذا عدنا الى فلان لنفهم ان اختياره لتناول (صحن كسكسي) دون سواه كانت وراءه رغبة شخصية بينما كانت حاجته الى الاكل وراءها الجوع. كما انه من المفيد توضيح مصطلح (المنتج) في لغة التسويق فهو يطلق على كل ماله قيمة تسويقية, سواء كان بضاعة او خدمة او نشاط.. الخ. فالعنصر الاساسي في اي منتج من الناحية التسويقية يتمثل في الخدمة التي يوفرها لمشتريه الذي يرغب في ايجاد حل ما لمشكل ما. ومن هذا المنطلق يمكن لنا ان نتساءل كيف يختار المستهلك منتجا من بين المنتجات المعروضة في السوق لتلبية رغبته واشباع قناعته؟ فنجد ان القرار او الاختيار يعتمد على عدة مقاييس من اهمها: القيمة, الثمن وكذلك الرضا والاقتناع, حيث ان العميل يسعى غالبا لتلبية رغبته بشراء المنتج ذي القيمة الممتازة والسعر الجيد, بمعنى آخر ومن خلال عملية المبادلة التجارية, يجب ان يشعر الزبون وان يلمس فعليا انه سوف يحصل على قيمة اضافية عند عملية الشراء. ثم لابد من توضيح مصطلح (السوق) في مفهوم التسويق وهو مفهوم مختلف عن مفهومه عند الاقتصاديين, ذلك ان السوق يتكون من مجموعة عملاء لهم رغبة وارادة التعامل من خلال عملية المبادلة التجارية لتلبية تلك الرغبة (فالسوق يمثل الطلب). نفهم من هنا ان حجم السوق يأخذ بعين الاعبتار عدد الافراد الراغبين في شراء المنتج ولديهم الموارد المناسبة وكذلك الارادة التي تسمح باستبدال هذه الموارد مقابل الحصول على المنتج. ويمكن القول ان التسويق يهتم بالسوق او الاسواق التي تحتضن امكانيات تبادل لتلبية رغبات وتوفير حاجيات حسب ارادة شرائية معينة. ثم ان حسن ادارة عملية التبادل تقتضي وجود شحنة من المهارات وحسن التصرف التجاري والتفنن فيه. وتتضمن ادارة وسياسة التسويق سلسلة من عمليات التخطيط والتنفيذ ثم التسعير والترويج لتوزيع منتج, خدمة او فكرة في اطار تبادل مرضي بين الافراد او المؤسسات. كما يمكن اتباع هذا المنهج في علاقتهما مع جميع الاسواق التي تتعامل معها المؤسسة حيث ان مدير شئون التوظيف يتدخل في سوق الشغل ومدير المشتريات يواجه سوق المواد الاولية بينما للمدير المالي نشاطه في اطار السوق النقدية. يتبين اذن انه بامكان كل هؤلاء المسئولين ان يتعاملوا مع اسواقهم المختلفة بتطبيق فلسفة الادارة التسويقية, بل انه من المفضل ان يكون الامر كذلك اذا كانت المؤسسة تتبع التقنيات والوسائل التجارية الحديثة والا تقتصر عقلية وفلسفة التسويق على ادارة التسويق كما هو مألوف. حيث ان الموظفين العاملين بهذه الادارة يسعون كل بطريقته وحسب منصبه الى تنشيط الطلب واجتذاب الزبائن. الا ان هذه النظرية اصبحت ضيقة لان مفهومها راجع الى بدايات التسويق كوظيفة مستقلة داخل المؤسسة, ذلك ان الرؤيا العصرية لادارة التسويق تبحث في ضبط مستوى الطلب ثم في توزيعه بانتظام على مدار السنة وكذلك على ضبط وترتيب نوعية هذا الطلب حتى تتمكن المؤسسة من تحقيق أهدافها. بصفة اخرى يسعى الهيكل التسويقي في كل مؤسسة الى ادارة الطلب وحسن التصرف في عناصره. لان الطلب يكون ان يكون سلبيا او منعدما في بعض الحالات كما يمكن مستترا (غير ظاهر) او في تراجع في حالات اخرى ويمكن ان يكون موسميا (غير منتظم) او غير مرغوب فيه. وفي جميع هذه الحالات يتحتم على المؤسسة وخاصة ادارة التسويق ان تتعامل مع وضع الطلب وان توجد الحلول المناسبة والسياسة الملائمة لتحقيق التوازن المطلوب.من هنا يتأكد ان دور ادارة التسويق يتمثل في جملة من الجهود المبذولة في سبيل الحصول على المبادلات مع الاسواق المستهدفة من وراء ذلك. وفي هذا الاتجاه تطمح المؤسسة المتميزة الى ايجاد توازن متناسق ومتكامل بين مصالحها من جهة ومصالح الزبائن والمجتمع المدني من جهة اخرى. اذ يمكن للمؤسسة ان ترتقي بمستوى ممارساتها لعملية التسويق حسب متطلبات السوق او حسب مستوى الوعي والنضج الاجتماعي والحضاري السائد عند مجتمع معين, كما يجب ان تختار المؤسسة احدى المناهج المنبثقة عن تصور ورؤية خاصة بها و بمحيطها حسب المكان والزمان. حاتم عطاء الله باحث تسويق ـ تونس

طباعة Email
تعليقات

تعليقات