في المعرض العالمي (اكسبو هانوفر 2000) تتلاشى المسافات بين الدول والشعوب وتتغير الحقائق الجغرافية على الأرض فجأة وبلا مقدمات, هل تعرفون ان (ارلاندا) تقع ما بين ايطاليا واليونان؟ وان الدول المجاورة للجمهورية التشيكية اسمها الصين والتي تجاور اسبانيا وكرواتيا؟ هذا هو الحال الذي شاهدناه على الطبيعة في (اكسبو 2000) والذي ينسف الحقائق الجغرافية لمدة 5 أشهر (1 يونيو الى 31 اكتوبر 2000) وفي الوقت الذي ستكون فيه المسافات الفاصلة بين القارات قصيرة, يمضي الزائر في زيارة سريعة الى قارة آسيا حيث جناح الامارات المبني على طراز حصن قديم (يعرف باسم حصن الجاهلي) أو جناح اليمن الذي شيد وفقا للعمارة اليمنية القديمة. ومنها ينتقل الزائر الى أمريكا الوسطى, ونزهة عبر سويسرا, ترافقها زيارة لنيبال, كل ذلك يمكن القيام به خلال يوم واحد في المعرض الذي جعل (هانوفر) المدينة الألمانية الشمالية الوادعة, بوابة على العالم, لاستضافتها 190 دولة ومنظمة دولية في العالم كي تقدم انجازاتها المنسجمة مع شعار (الانسان.. الطبيعة.. التقنية) . خيال هندسي 52 دولة انشأت أجنحتها الوطنية الخاصة في المعرض العالمي (اكسبو 2000) وظلت أجنحة الدول دوما أكثر من مجرد هندسة معارض سريعة, على الرغم من انها تقام فقط للفترة التي يستغرقها المعرض, وسوف يحتفظ معرض اكسبو 2000 بمفاجآت معمارية مميزة, حيث تبارت الدول المشاركة في تصميم اجنحتها بأساليب معمارية تعبر عن تاريخها وثقافتها. فالامارات العربية شيدت جناحها الوطني على مساحة 5800 متر مربع وفقا لطراز حصن (قلعة) الجاهلي القديم الذي بناه المغفور له الشيخ زايد بن خليفة آل نهيان (زايد الأول) عام ,1316 وهو من أكبر المواقع الاثرية الموجودة في الامارات. وعلى اعتبار ان (اكسبو 2000) مكان مناسب للأفكار المختلفة التي لا يمكن لأي معرض عالمي الاستغناء عنها, فقد نقلت الامارات 20 طنا من رمال الصحراء و60 شجرة نخل لتزرع في المساحة المحيطة بجناحها (الصحراوي) الذي ينقل الزائر الى مماثلة لتلك التي يعيشها سكان الامارات, ويشتمل جناح الامارات المثير للاهتمام على المتحف, والسوق الشعبي, ومجلس للاستقبال, ومكتبة, وتحيط به ساحة خارجية للجمال والخيول وفرق الرقص الشعبي وحديقة للأشجار ونباتات البيئة الصحراوية والفلج, حتى الطريق المؤدي الى قاعات السينما يفاجأ زائروه لأنه مزود بشاشات عرض تبث مناظر حية من الامارات على مدار الساعة, والبرج الدائري المدهش يضم قاعة عرض سينمائي بدرجة 360 تتسع لـ 400 مشاهد, ويتفرج الزوار بالمجان على فيلم يعرض معالم الامارات الحديثة مدته ثماني دقائق. الواحة, وهي المحطة الاخيرة وتضم خيمة تراثية وعددا من الجمال ويمارس الزوار فيها بعض الرياضات الشعبية والتقاط الصور التذكارية بالملابس الوطنية (الغترة والعقال والبشت). الجناح الألماني .. بطاقة زيارة يشاهد الزائر بمزيد من الدهشة الجناح الألماني في المعرض, فهو عبارة عن بطاقة زيارة وتعريف بألمانيا قلعة الصناعة والحضارة في وسط أوروبا, كما انه يمثل البيت الالماني بهندسته المعمارية المميزة ومحتوياته نوعا من التحدي الواضح, وفي نفس الوقت الذي يرمز فيه استخدام مادتي الخشب والزجاج وتقنية البناء الخارجي الى موضوع اكسبو وشعاره, توفر هذه التقنية الجديدة صور الحداثة والروعة على الجناح الألماني, إذ يمتزج الزجاج المخرم والهياكل الفولاذية بالخشب الطبيعي وتشكيلاته, ويوفر الغلاف الزجاجي المشدود المائل الى الداخل للبناء معالم الاناقة, ويبلغ طول الجناح الألماني 130 مترا وعرضه 90 مترا وارتفاعه 15 مترا, كما يحمي السقف الخشبي الذي يحمل ستارا طوله 6 أمتار الزوار من الشمس والمطر. طواحين الهواء هولندا شيدت جناحها بشكل مثير ايضا, فعلى خمسة طوابق وارتفاع 40 مترا نضدت هولندا مناظر الطبيعة الهولندية بصورة اصطناعية من الكثبان حتى حقول الزراعة ومن الغابات حتى طواحين الهواء, بل وحتى بحر من الجزر. وفي الوقت نفسه احتفظت دول اخرى بمعالمها الخارجية المميزة, ففيتنام تعرض أبنيتها التقليدية, أما اليمن فقد عرضت ناطحات السحاب المبنية من الطين وهي الأقدم في العالم, ومملكة (بوتان) الغنية بالنباتات والمياه, فقد صممت هندسة معمارية معينة وسوف تحتفظ بتقاليدها البوذية داخل جناحها مع اهتمامها بمعالم التربية وحماية البيئة. جناح من ورق! اليابان, هذا البلد الصناعي التكنولوجي العملاق أقام جناحه من الورق, وهو جناح يستهوي كل الزوار ويتكون من عدة طوابق, ويصل طوله الى 90 مترا وعرضه 42 مترا, بينما يستند قسمه الداخلي على قاعدة من الورق المضغوط تبلغ سماكتها 5.12سم. أما من الخارج فإن قاعات الجناح تختفي وراء ممر مليء بالاعمدة تحت سقف متموّج, أما الفكرة الجديدة التي يقوم عليها الجناح الياباني فهي اعادة تدوير الجناح بالكامل بعد الانتهاء من المعرض العالمي (اكسبو 2000) في 31 اكتوبر المقبل كي يستخدم في صنع دفاتر مدرسية على سبيل المثال, كل ذلك لاظهار تمسك اليابانيين بشعار المعرض (الانسان.. الطبيعة.. البيئة) . ورشة الأفكار الألمانية من ساحة اكسبو الرئيسية يدخل الزوار القادمون من مختلف انحاء العالم الى الجناح الألماني, حيث يشاهدون معالم مختلفة من التاريخ والحاضر, ويقدم المعرض الذي يحمل اسم (ورشة الأفكار الألمانية) تاريخ ألمانيا وحضارتها وثقافتها, وكذلك الناس الذين طبعوا هذه الانجازات بطابعهم ومازالوا يفعلون ذلك, ويمثل عرض (ماين) محورا رئيسيا في هذا المضمار, إذ انه عبارة عن شاشات عرض تقدم في الأعلى والأسفل ومن اليمين واليسار ومن الأمام والوراء, صورا وأفلاما متحركة يستطيع الزوار متابعتها على ستة جسور وتعرض صور ألمانيا وهي في طريقها الى القرن الحادي والعشرين.. ألمانيا التي غيرت معالمها ووجهها وتعيش فيهما. ويرى كثير من الناس مستقبلهم في هذا البلد. أما عرض (حديقة الأعلام) الذي يقدم على مساحة 3300 متر مربع وارتفاع 15 مترا, فقد وضعه مصمم مشهور من برلين, ففي وسط هذه الحديقة تنتصب شجرة المعرفة, حيث تنمو الاشياء القريبة من بعضها البعض وتتحول الى صورة حية لألمانيا على مر الزمن.. صورة لا تبقى ثابتة, بل تنمو وتكبر مع التحديات التي حملتها الوحدة الألمانية معها وتتلاءم مع فرص واخطار التحول الشامل, ويزيد ارتفاع الشجرة وهي عبارة عن تشكيل فولاذي تمتد منه ثلاثة أذرع طول كل منها 32 مترا على شكل أغصان طويلة, وقد علقت على قمتها شاشة صور ضخمة وترمز 16 نسخة فريدة من نوعها موضوعة على جزيرة الى الطبيعة الألمانية, وقد اختارت كل ولاية من الولايات الألمانية الاتحادية نسخة ترمز الى مفهومها ومستقبلها, فقد وقع اختيار ولاية بادن فورتمبورج ـ على سبيل المثال ـ على التصميم القديم لسيارة (بنز) التي تروي قصة السير والحركة, بينما تعرض ولاية (براندنبورج) أول آلة سينمائية في العالم عرضت أول أفلام متحركة في ألمانيا قبل هوليوود. وتبقى مسألة التكاليف, فلا أحد في هذه الاجنحة يريد التحدث عن الملايين التي أنفقت في الانشاء والتصميم, ويبدو ان المصروفات الحقيقية تظل سراً يشابه أسرار التصاميم والاختراعات المعروضة أمام الزوار المتوقع ان يصل عددهم في الأشهر الخمسة المقبلة الى نحو 40 مليون زائر. هانوفر ـ جمال المجايدة