بالرغم من الطفرة في اسهم شركات الاقتصاد الجديد, أو شركات التكنولوجيا الفائقة, لاتزال الصين تواجه صعوبة في جذب مستثمرين لتعزيز ودفع شركات الاقتصاد التقليدي, التي تريد ان تطرحها للمستثمرين خلال العام الجاري. تسعى الصين من سنوات الى تعزيز الاقتصاد الجديد, والتكنولوجيا الفائقة, على أمل ان يساعد ذلك في إخراج البلاد من اعتمادها الكلي على الزراعة والصناعة الثقيلة, وقد حققت قدراً من النجاح في هذا الاتجاه, فنشأت بعض شركات الانترنت والاتصالات القادرة على المنافسة العالمية, لكن بأعداد قليلة. لكن الصين تجد نفسها حالياً محاصرة في مستنقع جديد, هو ان المستثمرين يهتمون بدرجة أكبر بشركات التكنولوجيا الفائقة مقارنة باهتمامهم بشركات الاقتصاد التقليدي التي تريد بيعها للمستثمرين. من الطبيعي ان اي شركة تستطيع ان تؤجل مخططاتها حتى تتغير طبيعة المشاعر السائدة في السوق. لكن في الصين تسيطر الحكومة على تسجيل الشركات )في البورصات( التي تتسابق من اجل تجاوز موعد أقصى أو خط نهاية حددته الحكومة بنفسها. فقد تعهدت الحكومة بالتخلي عن غالبية الشركات والمشروعات المملوكة لها والمتعثرة بحلول نهاية العام الجاري. ولكي يتحقق هذا الهدف, تسرع الحكومة ببيع أسهم الشركات المتعثرة التي يصل عددها الى مئات وهي من الحجم الكبير, وكان المفترض ان تستغل حصيلة البيع لسداد ديونها واعادة هيكلة عملياتها, وبذلك تزداد كفاءتها وقدرتها التنافسية. لكن فجأة تكتنف الشكوك هذه السياسة. ويقول جو تشانج رئيس وحدة الأبحاث في شركة واربورج ديليون ريد في هونج كونج, حتى إذا استمرت اسهم شركات التكنولوجيا الفائقة في النمو والارتفاع, فالأموال الناتجة عن ذلك لن تذهب الى اسهم الشركات الصينية التقليدية. وقد اتضح ذلك في الفترة الأخيرة عندما لم تجد شركة بترو تشاينا, وهي جزء من مؤسسة الصين الوطنية للبترول, إقبالاً من المستثمرين لشراء أسهمها, برغم تأييد بكين الكبيرلعملية البيع. وكان ينظر الى بيع أسهم بتروتشاينا على انه أكبر عملية اصدار وبيع أسهم لشركة صينية, لكن كان على المؤسسة الصينية ان تقلل حجم الصفقة حتى تتم, وجعلتها في نطاق ثلاثة مليارات دولار أمريكي, أو أقل من نصف الاصدار الذي كانت تنوي اصداره في الأساس. وعند بداية الاصدار تعرضت أسهم الشركة لضغوط بيع كبيرة. ولا تزال هناك مشكلات تلوح في الأفق, وتأمل ثلاث شركات كبيرة على الأقل مملوكة للحكومة هي بادشان للحديد والصلب, والصين للبتروكيماويات, والصين الوطنية لمشروعات البترول الخارجية ان تدخل الاسواق الخارجية خلال العام الجاري في محاولة لجمع عدة مليارات من الدولارات. ورفض مسئولو الشركات التعليق على الوضع الحالي لهذه الخطط, لكن بعد الاخفاق الذي أصاب شركة بتروتشاينا قال كثير من المراقبين ان الشركات العملاقة المملوكة للحكومة سوف تضطر الى تأجيل تسجيلها في البورصة باصدار الأسهم, الى أجل غير مسمى, وهذا نبأ غير سار بالنسبة لاعادة هيكلة الشركات في الصين. ويقول فريد وهو الخبير الاقتصادي في شركة جولدمان ساكس في هونج كونج: اذا كانت الشركات المملوكة للحكومة لا تستطيع اصدار أسهم عامة, سوف تكون نكسة كبيرة لعملية اصلاح الشركات المملوكة للدولة, وأضاف ان الحكومة تحاول من خلال هذه الاصدارات ان تعالج الاخطاء التي ارتكبتها على مدى الخمسين عاما الماضية. وقد كان التغير في المشاعر السائدة في السوق قويا قوة الارتفاع في أسهم شركات التكنولوجيا الفائقة في انحاء العالم, بما في ذلك المكاسب الكبيرة التي حققتها شركات التكنولوجيا الفائقة الصينية ذاتها. لقد استطاعت بكين لعدة سنوات ان تسجل الشركات المملوكة للحكومة التي ترغب في تسجيلها )عن طريق اصدار الأسهم(, نتيجة لاتساع السوق الصينية الهائلة بالدرجة الأولى. ويقول كثير من مديري الصناديق الاستثمارية انهم لا يستطيعون تجاهل الاصدارات الصينية الجديدة, في الوقت الذي يتوق فيه الضامنون الاجانب لمساعدة الصين على تسجيل أسهم الشركات المملوكة للدولة ليكون لهم وجود قوي ويفوزون بوكالات مربحة في المستقبل, غير ان كثيرا من الشركات الصينية المعروفة قد انخفضت أسهمها عقب اصدارها ومنها مطار بكين الدولي الغارق في الديون. النمو الاقتصادي الصيني كبير لكنه غير متوازن شعر كثير من الخبراء الاقتصاديين الغربيين بالشك في ان يستطيع رئيس الوزراء الصيني تشو رونج جي ان ينقذ البلاد من آثار الأزمة المالية الآسيوية, لكن الحكومة الصينية أعلنت ان الاقتصاد الصيني سجل خلال الاشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري نموا بنسبة 1.8%, مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق, وبنسبة 8.6% خلال الربع الأخير من العام الماضي. وسجل الاقتصاد الصيني نموا بنسبة 1.7% خلال العام الماضي بكامله. منذ عامين تحدث الاقتصاديون عن البنوك الصينية المملوكة للدولة التي تمر بحالة مزرية متدهورة, التي ظلت دون ملاءة مالية يعتمد عليها من الناحية التقنية, وأشارت بعض التقارير الى ان الاقتصاد الصيني يتدهور. لكن لي رونج رونج نائب رئيس لجنة الدولة للاقتصاد والتجارة قال ان الاقتصاد الصيني حافظ على قوة دفع طيبة خلال العام الجاري حتى الآن. لكن رغم ان هذا النمو الاقتصادي يبدو كثيراً, الا ان التفاوت بين المناطق الاقتصادية في النمو كبيراً. فغالبية النشاط الاقتصادي يتركز في عدد من المدن وعلى طول الساحل الشرقي للصين. وانحدرت مساحات كبيرة من البلاد في كساد اقتصادي. ويحذر كثير من الخبراء الاقتصاديين انه اذا انخفض النمو عن ذلك, سوف تواجه الحكومة اضطرابات في المنطقة الشمالية الشرقية الصناعية, حيث يصل معدل البطالة إلى 30% في بعض الاماكن. وقد قمع الجيش شغباً في فبراير قام به اكثر من 20 الفاً من عمال المناجم عقب اغلاق الحكومة لمنجم يحقق خسائر. حاولت بكين تعزيز النمو الاقتصادي لاكثر من عامين عن طريق فتح المال في مشروعات بنية تحتية عملاقة. كما خفضت اسعار الفائدة على الودائع المصرفية ورفعت رواتب العاملين بالحكومة وزادت من العطلات الرسمية لتشجيع الانفاق الاستهلاكي. لكن الانفاق ظل مع ذلك ضعيفاً, مع ارتفاع مبيعات التجزئة ويبدو ان الانخفاض في الاسعار المستمر منذ عامين بدأ في الانحسار لاسباب منها القيود التي تفرضها الحكومة على الاسعار. وتحقق الصادرات والاستثمارات الاجنبية نمواً اسرع فقد انخفضت الصادرات عقب الازمة الآسيوية, لكنها قفزت بنسبة 39% خلال الربع الاول من العام الجاري مما دفع الفائض التجاري الصيني إلى 2.5 مليارات دولار خلال ربع عام. وارتفعت الاستثمارات الاجنبية بنسبة 10% في مارس العام الجاري مقابل مارس العام الماضي لاول مرة منذ موجة عزوف المستثمرين الاقليميين. وبلغت قيمة عقود الاستثمارات الاجنبية المستقبلية ارتفاعاً بنسبة 27% خلال الربع الاول من العام. ويبدو ان الانتعاش في الصادرات والاستثمارات الاجنبية قضى على تهديد تخفيض العملة الصينية (اليوان) . فقد كانت هناك مخاوف في الاسواق الاقليمية خلال العامين الماضيين من ان تخفض الصين عملتها المحلية من اجل رفع الصادرات برغم التعهدات المتكررة من بكين بعدم نيتها خفض سعر العملة. مشكلات هيكلية ولا يزال الاقتصاد الصيني يعاني مشكلات هيكلية لكن عودة النمو الاقتصادي القوي يعطي الحكومة فرصة للمضي قدماً في اجراء الاصلاحات. فقد اوصت جهة استشارية بأن تبيع الحكومة حصتها من الاسهم في الشركات المساهمة المسجلة في البورصة, واستغلال عائدات البيع في سداد معاشات العاملين. لقد نتج عن نظام التقاعد الصيني المتدهور ملايين العمال الذين لا يحصلون على معاشات او مكافآت تقاعد. واصبحت احتجاجات المتقاعدين من الملامح السائدة في انحاء البلاد لهذا السبب. وقد بدأت الحكومة في خفض نصيبها من الاسهم في الشركات المسجلة في البورصة, وهي اول خطوة نحو خصخصة هذه الشركات على نطاق واسع. في نهاية العام الماضي بلغت ملكية الدولة في 1007 شركة مساهمة مسجلة في البورصة من عدد الاسهم البالغ عددها 285 مليار سهم, وفق ما ذكرته صحيفة تشاينا ديلي الاسبوعية الاقتصادية المقربة من الحكومة. كتب المحرر الاقتصادي