تحت رعاية سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي وزير المالية والصناعة رئيس بلدية دبي تم أمس افتتاح المؤتمر الدولي الثالث للعمارة بمنطقة الشرق الأوسط والذي يقام بالتعاون مع بلدية دبي وجمعية المهندسين بفندق الجميرا بيتش، حيث يناقش المؤتمر على مدار يومين كاملين قضية المحافظة على التراث المعماري وتطويره في منطقة الشرق الأوسط في اطار المحافظة على الخطوط المميزة لحضارة المنطقة. كما يبحث المؤتمر من خلال جلساته مختلف العوامل المؤثرة على تشكيل واجهة المدن العربية والشرق أوسطية في المستقبل مع التركيز على ضرورة الاهتمام بمبدأ تحقيق التوازن بين التوجهات الحديثة والعنصر التراثي في العمارة بالمنطقة, اضافة الى طرق الموضوعات ذات الصلة والتي تتراوح بين اقتصاديات التخطيط والتطوير للمدن وأثر التقنية الحديثة على عالم العمارة. وخلال كلمته الافتتاحية للمؤتمر أكد محمد سعيد حارب المساعد الأول لمدير عام بلدية دبي ان دولة الامارات رصدت مبدأ هاما يشكل نقطة الارتكاز الرئيسية في سياستها واستراتيجيتها في التنمية الشاملة وهو الاهتمام بالانسان كالمحور الرئيسي لهذه الاستراتيجية حيث تسعى كافة الجهود الى الرقي بمستوى معيشة الفرد من كافة النواحي والتي تعتبر المسكن أحد أهم عناصرها. وأضاف محمد سعيد بن حارب ان دبي تحاول دائما تحقيق المعادلة الصعبة بالموازنة بين القديم والحديث في فن العمارة في تناغم تام ليصل الى أرقى درجات التقدم العالمي في هذا المجال مع الاحتفاظ بالقالب التراثي الأصيل للدولة. وخلال العرض الذي قدمه محمد العبار مدير عام دائرة التنمية الاقتصادية بدبي رئيس مجلس ادارة شركة (إعمار) أمام اليوم الأول من جلسات المؤتمر أكد في عرضه على ضرورة الاهتمام بالبيئة الثقافية المحيطة عند الاقدام على وضع أي تصميم جديد لمباني المدن حيث لابد وان يكون التصميم نابعا من هذه البيئة وغير متنافر معها. وأوضح العبار ان العديد من المصممين يقعون في خطأ فادح عندما يركزون انتباههم على عنصر المكان ويغفلون أهم العناصر على الاطلاق وهو عنصر الانسان ومتطلباته وحاجاته التي يسعى الى الحصول عليها في مسكنه أو مكتبه. ودعا العبار الى ضرورة التواصل بين المهندسين وواضعي التصميمات الهندسية للأبنية على اختلاف أحجامها من ناحية والجمهور من ناحية اخرى للتعرف على أهم متطلباتهم حتى يتم مراعاتهم أثناء التصميم ليأتي المبنى منسجما مع هذه المتطلبات. وتطرق رئيس مجلس ادارة (إعمار) الى عدد من القضايا المتعلقة بالعمارة في المنطقة والتي لا تختلف عن نظيراتها في العالم والتي تأتي في اطار اقتصاديات الارض والأيدي العاملة ومواد البناء, وقال ان هذه القضايا هي الشغل الشاغل دائما للعاملين في هذا المجال. وعن اقتصاديات الأرض قال العبار ان هناك عاملا أساسيا يحكم هذه المسألة وهو عامل العرض والطلب, حيث قدم نموذجين من نماذج ادارة اقتصاديات الأرض الأول الذي تملك الحكومة فيه كامل التصرف في الأرض, كما الحال في سنغافورة وأبوظبي الثاني هو نموذج ادارة هذه الاقتصاديات من خلال الشركات الخاصة وأصحاب الأراضي كما الحال في دبي على سبيل المثال, وقال ان كل نموذج له مزاياه التي تتوافق مع الظروف المختلفة لكل مكان عن الآخر. وأشار العبار الى قضية القروض العقارية, وقال ان دولة الامارات تتبنى عددا من القوانين المحددة في هذا المجال, وضرب مثالا بتعميم البنك المركزي عدم تجاوز حجم الاقراض العقاري بنسبة 15% من اجمالي محفظة القروض التي يقدمها البنك. وعن اقتصاديات اليد العاملة أعرب محمد العبار عن ارتياحه للموقف في دولة الامارات بما تمتلكه من نسيج سكاني ضخم من مختلف الجنسيات, الأمر الذي ساعد على توفير اليد العاملة المدربة والماهرة وتمتاز في الوقت نفسه بانخفاض تكلفتها. وأضاف محمد العبار مدير التنمية الاقتصادية بدبي رئيس مجلس ادارة (إعمار) انه فيما يخص اقتصاديات مواد البناء فإن الوضع العام قد تحسن بالنسبة للعالم أجميع في هذا الاطار سواء من ناحية التكلفة أو من ناحية الجودة. وأكد العبار على ان المنافسة في السوق العقاري تمثل ظاهرة صحية للغاية حيث انها تؤدي دائما الى الارتقاء بمستوى المنتج المقدم وينتهي الأمر الى قناة واحدة تصب في بوتقة مصلحة العملاء. وأشاد محمد العبار بجهود بلدية دبي وحرصها على تحقيق المعادلة بين التصميمات الحديثة والحفاظ على التراث الحضاري للمدينة, مؤكدا عمق التعاون المتواصل بين (إعمار) والبلدية, حيث ان الشركة تضع في مقدمة أولوياتها الحفاظ على الشكل التقليدي للبنايات التراثية, الأمر الذي ينعكس بوضوح في شتى المشروعات التي تطلع إعمار بتنفيذها حاليا أو مستقبلا. ودعا محمد العبار دول المنطقة الى وضع ما يشبه (الدليل) للتصميمات الهندسية للمدن حيث يقدم هذا الدليل المعايير الأساسية التي تخدم كعلامات الارشاد على الطريق من أجل تحقيق التناغم في التصميمات الحديثة وخروجها في اطار متسق مع طبيعة البيئة المحيطة, مستشهدا بمسقط كأحد النماذج الناجحة للمدن العربية التي تمكنت من وضع ما يشبه القانون الذي يحكم قضية التصميمات المعمارية, الأمر الذي أدى الى خروج نموذج طيب يحتذى به في اطار فن العمارة بمدن المنطقة. وأكد محمد العبار على ضخامة المسئولية الملقاة على عاتق جميع العاملين في حقل العمارة بالمنطقة من الحفاظ على القسمات المميزة لها مع عدم العزوف عن جانب التصميمات الحديثة, مشددا على ضرورة مزج العنصرين مزجا متوازنا يحافظ على تاريخنا وأصالة عمارتنا الراقية. من ناحية اخرى, قدم رشاد محمد بوخاش رئيس قسم الابنية التاريخية ببلدية دبي عرضا مفصلا لخصائص الابنية التاريخية والتراثية في دبي ونموذج التصميم المميز لها الذي جاء متسقا مع عناصر البيئة الثقافية والدينية والايديولوجية لشعب الامارات, كما أبرز التوافق في التصميم مع البيئة المناخية لدبي حيث جاء تصميم الشوارع الضيقة المميزة للاحياء القديمة ليسمح بمرور النسيم الآتي من ناحية الخور ليلطف حرارة الجو الشديدة في الوقت الذي سمح فيه تقارب الابنية الى تكوين مساحات كبيرة من الظل تسمح للمشاة بالتجول دون التعرض لأشعة الشمس, اضافة الى الساحات التي تميزت بها الابنية التراثية القديمة. واستعرض رشاد محمد بوخاش التطور الذي شهده فن العمارة في دبي خلال القرن الماضي مع دخول التصميمات الحديثة في بداية الستينات, الأمر الذي خلق نوعا من عدم الاتساق في الاشكال المتباينة للبنايات حتى بداية عقد التسعينات عندما بدأت البلدية في وضع المعايير وظهور بعض المحاولات من الشركات المحلية والعالمية العاملة في دبي للعودة بالذوق العام الى سابق عهده مع تطبيق التصميمات الحديثة, اضافة الى استعراض تطور مواد البناء المستخدمة بين القديم والحديث في دبي. ويشارك في المؤتمر الدولي الثالث للعمارة في الشرق الاوسط عدد كبير من الخبراء المتخصصين في مجال البناء والتشييد من بينهم سوها أوزكان السكرتير العام لجائزة أغا خان الدولية للعمارة والدكتور مارتين جيزن عميد مدرسة العمارة والتصميم بالجامعة الامريكية بالشارقة وأجنس جافين كبير مستشاري التخطيط بمؤسسة التخطيط العمراني اللبنانية سوليدير الى جانب عدد كبير من المهندسين والمصممين ومسئولي شركات المقاولات العربية والعالمية.