بالرغم من بدء العد التنازلي لدخول العالم الى آفاق القرن الواحد والعشرين, واستعداد كل بلاد الدنيا لهذا الحدث التاريخي بالصناعات الدقيقة وحرب المعلومات وثورة الاتصالات, إلا ان العرب سيدخلون القرن الواحد والعشرين محملين بحرب من نوع آخر, هي مواجهة خطر المجاعة الكبرى التي تنتظرهم بسبب الفجوة الرهيبة في الغذاء والتي ستصل الى 75% من احتياجات العرب في الأعوام القليلة المقبلة وتقدر بنحو 41 مليون طن قمح.. هل يستطيع العرب اطعام أنفسهم؟ تساؤل يبدو بسيطا, الا ان الاجابة عليه ربما تكون مؤلمة, بالرغم مما يتمتع به الوطن العربي من موارد زراعية هائلة يمكن ان تحقق الاكتفاء الذاتي من الغذاء, بل والدخول في تصدير كميات وفيرة من المنتجات الزراعية, الا ان جهود التكامل العربي لتحقيق الأمن الغذائي لاتزال متواضعة. وتشير الارقام الى ان الدول العربية تستورد 5.12% من اجمالي الصادرات العالمية الغذائية و30% من صادرات العالم من الحبوب. وتتضح خطورة مشكلة الغذاء العربي من مقارنة ما يتم انتاجه واستهلاكه من الخبز باعتباره أساس غذاء الانسان العربي, ففي الستينات وبالتحديد في الفترة من 1964 الى 1966 بلغ استهلاك العرب من القمح 12 مليون طن مقابل 8 ملايين طن في الخمسينات أي بمعدل 66% تم انتاجه محليا. أما في النصف الأول من الثمانينات (1980 الى 1984) بلغ استهلاك القمح العربي 26 مليون طن مقابل انتاج محلي بلغ نحو 9 ملايين طن, أي حوالي 35% فقط من الاحتياجات, واذا ما تم استمرار زيادة الانتاج العربي من القمح على نفس المعدل أي مليون طن كل (10 سنوات) فالاحتياج العربي من القمح سيصل الى 41 مليون طن عام 2000 يستورد منها نحو 75%. وليس القمح فقط الذي يعاني من فجوة كبيرة بين الانتاج والاستهلاك, فهناك نقص كبير في مجموعات السكر والبقول واللحوم ومنتجات الألبان والزيوت النباتية. وقد أنفق الوطن العربي أكثر من 3.19 مليار دولار عام 1986 لاستكمال الطلب المحلي على المنتجات الغذائية مقارنة بـ 5.18 مليار دولار عام 1980. ويتسم الانتاج الحيواني في المنطقة العربية بانخفاض انتاجية الحيوان من اللحم واللبن, حيث بلغ متوسط انتاج اللحوم (الحمراء والبيضاء) في عام 1982 مثلا بلغ متوسط الانتاج نحو 2846 الف طن مقابل 3760 ألف طن حجم الاستهلاك المحلي, أي ان العجز بلغ 914 ألف طن. أما انتاج الألبان فقد بلغ 7933 الف طن مقابل 11329 طنا هي احتياجات الشعب العربي, أي بعجز قدره 3396 الف طن. وتعد الابقار من أهم مصادر اللحوم في الوطن العربي, وتأتي العراق والصومال والجزائر ومصر والمغرب وموريتانيا على قمة الدول العربية التي تملك أكبر قدر من الثروة الحيوانية حيث تمتلك 8.98% من انتاج الابقار, أما الانتاج السمكي في العالم العربي فقد بلغ حوالي 046.1 طن, أي نحو 6.1 من الانتاج العالمي. وينقسم الوطن العربي من حيث انتاج الاسماك الى عدة مناطق منها منطقة المحيط الاطلسي (المغرب وموريتانيا) وتنتج 292 الف طن, أي حوالي 9.32% من الانتاج العربي في منطقة شمال وجنوب البحر المتوسط (المغرب, الجزائر, تونس, ليبيا, مصر, لبنان, سوريا) وتنتج 5.114 الف طن سنويا, أي 8.12%, أما منطقة البحر الأحمر وتشمل مصر والاردن والسعودية والسودان واليمن فتنتج ما يقرب من 6.5% من الانتاج العربي, ثم تأتي بعد ذلك منطقة الخليج العربي وتنتج 2.78 ألف طن, أي 6.8% من اجمالي الانتاج العربي. هذه الفجوة بين الانتاج والاستهلاك وطرق علاجها تناولتها العديد من الدراسات والتقارير التي طرحت حلولا لانقاذ العرب من المجاعة الطاحنة التي تنتظرهم, فقد أجمعت كلها على سبب أزمة الغذاء العربي ترجع الى الفارق الكبير بين كمية الطعام المطلوبة والانتاج الزراعي المحلي الذي لا يكفي والذي بدأ يتزايد منذ النصف الأول من السبعينات, حيث بلغ نمو الانتاج الزراعي العربي 8.1 سنويا مقابل 6.4% زيادة في الطلب أي بفارق 8.2%. أما أهم الحلول التي طالبت بها التقارير والدراسات الاقتصادية فهي ضرورة الاسهام الجماعي في توفير مقومات الانتاج الغذائي لكل الدول العربية كالأسمدة والمبيدات, وقيام مشروعات على أسس اقتصادية, وحرية تبادل المنتجات الزراعية بين العالم العربي, وتطوير الموارد الزراعية الكبيرة المتوفرة في بعض الدول العربية وتحقيق التكامل الغذائي العربي, فهل الدول العربية قادرة على تحقيق ما ينصح به الخبراء لتأمين حاجة العرب من الغذاء؟