يجتمع اليوم وزراء المالية والاقتصاد بدول مجلس التعاون الخليجي ويستمر اجتماعهم على مدى يومين يناقشون خلاله عدداً من المذكرات المهمة حول تفعيل العمل الاقتصادي الخليجي اليوم ومستقبلا. والحقيقة ان العالم من حولنا يشهد تغيرات، اقتصادية وتكنولوجية واستراتيجية وامنية واجتماعية وسياسية وتربوية مهمة وسريعة وان كيان المجلس هو جزء من العالم فلا بد له من ان يتفاعل مع تلك الأحداث والمتغيرات. وجدير بالذكر ان تلك المتغيرات والاحداث لا شك تؤثر وتتأثر بالمتغيرات الاقتصادية وان تميزت عنها. فأي تغير في أي مجال اليوم لابد وان يكون له ابعاد اقتصادية سواء أكانت تلك الابعاد محورية وأساسية أم جزئية. فنحن نعيش اليوم في عالم تتمحور كافة قضاياه ومصالحه حول البعد الاقتصادي, عالم لا يعيش فيه مكرما سوى القوي, عالم يضع معيار القوة الاقتصادية فوق كل المعايير وبالتالي لا يحترم فيه سوى القوي المنتج. فاذا كان هذا المنتج مستهلكا فان ذلك الاستهلاك هو الوقود الدافع للانتاج وهو امر محمود في الفلسفة الرأسمالية واتجاه مرغوب فيه ولذلك نرى ذلك الكم اللامحدود من الدعايات والاعلانات التي تشجع الناس على الاستهلاك وترغبهم فيه. اما اذا كان المجتمع غير منتج او ان منتجاته ضعيفة وغير قا درة على المنافسة مع باقي المنتجات وخاصة بعد العولمة والانفتاح الاقتصادي الحر فان كثرة استهلاكه هو تشجيع للمنتجات الاجنبية وليس المحلية. والحقيقة اننا في دول الخليج العربية بحاجة ماسة الى تقييم شامل وكلي لاقتصادياتنا الخليجية في جانبيها (أي جانب الطلب الكلي العام وجانب العرض الكلي العام). وبحاجة ماسة الى نموذج اقتصادي كلي خليجي (أي موديل اقتصادي كلي لدول المجلس مجتمعة) يحدد من خلاله حجم الطلب الكلي والعرض الكلي وبالتالي حجم السوق وما هي العوامل والمتغيرات الاقتصادية التي تتحكم بالعرض والطلب لكل سلعة من السلع الاساسية والضرورية وبعض الكماليات التي تطورت الى ضروريات والتي في طريقها الى التطور. اننا في دول الخليج العربية وعلى الرغم من كافة الانجازات التي تم تحقيقها تجاه الوحدة الاقتصادية المستهدفة الا اننا مازلنا في الحقيقة في حاجة الى جزئية غاية في الاهمية وهي (الفلسفة الاقتصادية). فأي نظام اقتصادي لا يبنى على فلسفة اقتصادية واضحة فإنه في الحقيقة لم يتم بناؤه على اساس قوي وبالتالي فإن مصيره يكون الانهيار ولو بعد حين. فالفلسفة الاقتصادية لأية نظام هي اساسه الذي يقوم عليه النظام فمن خلال تلك الفلسفة تتضح الرؤية الحاضرة والمستقبلية وتتحدد معالم النظام ومقوماته واركانه وعناصره ومبادئه وأهدافه. ثم من بعد ذلك تكون الآليات الادارية الضرورية مبنية على هيكل اداري وتنظيمي واضح المعالم ومحدد الابعاد والأهداف. ولو اعتبرنا جدلا ان (الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لدول المجلس) هي القاعدة الفلسفية لهذا الكيان الاقتصادي فان تلك الاتفاقية تنقصها اساسيات لا تقل عن 50% مما تحتويه الآن لكي ترقى الى كونها قاعدة فلسفية للنظام. انها بحاجة الى اعادة تقييم ودراسة وتمحيص من قبل خبراء اقتصاد خليجيين يتحرون الدقة والموضوعية والحياد في اعادة صياغتها في اطار المستجدات والمتغيرات الحديثة. ان اجتماع الوزراء لابد وان ينظر من منظار اقتصادي خليجي محض. وان يقيم الابعاد الاخرى في اطار المصالح الخليجية الاقتصادية وليس العكس. والحق يقال ان الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لدول الخليج العربية تم بناؤها على فلسفة تقليب الابعاد الاخرى (السياسية والأمنية والاستراتيجية والاجتماعية والتربوية) على البعد الاقتصادي والتكنولوجي وهذا في الحقيقة بناء خاطىء من اساسه. فلو نظرنا الى كل الكيانات الاقتصادية التي قامت في العالم اليوم للاحظنا ان البناء قد تم بالعكس تماما. فالبعد الاقتصادي والتكنولوجي هو الاساس والمصلحة الاقتصادية لذلك الكيان الاقتصادي هي الاساس اما الابعاد الاخرى فهي اما ان تدور في فلكه او تشتق منه فتدور في فلكه بعد ذلك وان مصلحة الاعضاء الداخلين في الكيان تذوب في مصلحة الكيان ولا يمكن ان تتعارض معها. وهذا هو السر الحقيقي في نجاح الكيانات الاقتصادية. د. محمد ابراهيم الرميثي