التجسس الاقتصادي اصبح سمة من سمات العصر في ظل التكتلات الاقتصادية والمنافسة الشديدة بين رجال الاعمال على الاسواق والصفقات, وليس ادل على ذلك من ان 39% من الشركات الخاسرة في الشرق الاوسط ـ العام الماضي ـ كانت بسبب عمليات التجسس الاقتصادي التى افقدتها صفقات تقدر بمليارات الدولارات, ولم تعد الجاسوسية الاقتصادية تستخدم على نطاق الدول فقط, بل اصبحت تستخدمها الشركات والمصارف ورجال الاعمال لتكوين امبراطوريات ضخمة من المال والنفوذ والهيمنة.. بل ان مفهوم الصداقة بين الدول اختفى في ظل سيادة مبدأ (التجسس الاقتصادي) ومن ابرز قضايا التجسس الاقتصادي على الساحة المحلية قضية الجاسوس الاسرائيلي عزام عزام ـ الذي جند المصري عماد اسماعيل للحصول على معلومات عن الشركات ومصانع العاشر من رمضان والعاملين بها. وايضا كان يهدف إلى جمع كل المعلومات عن المناطق العمرانية الجديدة والكثافة السكانية والعمرانية بها ونوعية المصانع واصحابها وكيفية ادارة عملهم وعلاقاتهم وطموحاتهم الاقتصادية وغيرها. اعلانات تطلب جواسيس! مصادر المخابرات الغربية ذكرت ان انشطة التجسس الاسرائيلية على امريكا تعد اكثر نجاحاً من تلك التي تقوم بها روسيا والصين, وفي العام الماضي اكتشفت المخابرات الامريكية ان اسرائيل واحدة من بين ست دول متورطة في تجسس اقتصادي على الولايات المتحدة الامريكية, اما الامر الذي يثير الدهشة هو ان الدول التي تقوم بعمليات التجسس الاقتصادي لم تعد حريصة على اخفاء هذا النشاط التخابري حيث نشر جهاز المخابرات الامريكية )سي آي ايه( اعلاناً في باب الوظائف الحالية بمجلة الايكونوميست البريطانية مؤخراً تطلب فيه جواسيس جددا للعمل بها بشرط ان يكونوا اذكياء واقوياء الشخصية وذلك للعمل في فروعها بالخارج نظير مرتبات مجزية. وقد نشرت صحيفة (واشنطن تايمز) تقريراً للكونجرس الامريكي اثبتت فيه ان اسرائيل وفرنسا تحتلان قائمة الدول التي تمارس التجسس الاقتصادي ضد واشنطن وفي اطار شرعي للغاية وهو عقود الدفاع الامريكية الموقعة معهما, وخاصة ان 45 شركة اجنبية تعمل في هذا المجال وإوكلت اليها وزارة الدفاع الامريكية مشروعات مصنفة تحت بند (سري جداً) واكد التقرير ان اسرائيل مستمرة في التجسس على التكنولوجيا الامريكية خاصة في مجال صناعة الصواريخ كما ان فرنسا بذلت جهودا مكثفة للغاية في التجسس على امريكا وواصلت نشاط الجاسوسية ضدها في الثمانينات والتسعينات مع التركيز على اوجه التجسس الاقتصادي. مفهوم التجسس الاقتصادي الدكتور محسن الخضيري الخبير الاقتصادي يقول عن مفهوم الجاسوسية الاقتصادية بانها ذلك النشاط الانساني الذي يعمل على تأمين الذات بالحصول على البيانات والمعلومات التي تمكننا من المعرفة المسبقة بالوقائع والاحداث والسلوك المستقبلي للكيانات الادارية المختلفة والتي قد توثر سلباً وايجاباً على الامن الاقتصادي للدولة, ويتحدد مفهوم الجاسوسية الاقتصادية في مهامها التي تقوم بها وفي الانشطة التي تمارسها والدور الذي تلعبه سواء في جمع المعلومات او زرع العناصر الموالية لها او في ممارسة الضغط لعقد صفقات او في تأمين الذات من اي اختراق او غيره من الانشطة المختلفة ومن هنا فإن حرف الجاسوسية الاقتصادية وما تملكه من نظام ووسائل تقنية وادوات تستدعي دائماً التطوير والاحاطة بكل جديد من علم وفن الجاسوسية وتطبيقاتها حتى يمكن الاستفادة منها. ويؤكد د.الخضيري على ان السرية التامة وحماية امن نشاط التجسس الاقتصادي يعد امراً ضرورياً للغاية بحيث تصبح مهمة الجاسوسة الاقتصادية مزدوجة الجوانب فمن جانب تكون مهمتها تأمين ذاتها ضد اختراق العدو المحتمل لها, وعدم تمكنه من الحصول على معلومات مفيدة, ومن جانب آخر السعي الحثيث للحصول على كافة البيانات والمعلومات عن العدو المحتمل, واساس التجسس الاقتصادي هو اختراق الطرف الآخر اقتصادياً ويعتمد على عمليات الزرع والتجنيد للجواسيس, حيث تتحول العلاقة العابرة إلى علاقة مستمرة بهدف جني الارباح بل ان صفقات القرون. كما يطلقون عليها لا تتم الا اذا دعمتها جهود المخابرات والجاسوسية الاقتصادية فهو المحور الرئيسي والخفي وراء كل صفقة دولية. ويري د. خضيري ان الجاسوسية الاقتصادية تتضمن شقين هما الشق الوقائي بمعني مكافحة مخططات الجاسوسية المعادية والشق الثاني الايجابي ويتمثل في جمع البيانات والمعلومات التي يرغب في الحصول عليها. انشطة مشروعة لكن!! الدكتور صلاح الدسوقي الخبير الاقتصادي يؤكد على ان اجهزة المخابرات لم تعد تهتم بمواقع المنشات العسكرية او انواع الصواريخ بقدر اهتمامها بمميزات الشركات المنافسة واهدافها واسواقها المحتملة وخططها المستقبلة, وقد اصبح الجاسوس الاقتصادي هذه الايام عملة نادرة وارتفع سعره لدرجة ان بعض الجواسيس الاقتصاديين يحصلون على الف جنيه استرليني في الساعة الواحدة خلافاً للمصاريف الشخصية, وقد تسبب هذا التطور الهائل في مجال التجسس الاقتصادي في تحويل الاسواق التجارية إلى ساحات قتال دموية ضحيتها الاساسية هي اقتصاديات العالم الثالث لا تملك القدرة الكافية على التجسس الاقتصادي والدليل على ذلك ان السبب الرئيسي وراء افلاس 39% من الشركات العربية وخسارتها كان التجسس الاقتصادي. ويضيف د. السوقي ان تطور جواسيس الباقات البيضاء في عصر السلام والمنافسات الاقتصادية بين الدول قد قوى نشاط جواسيس الصناعة بعد ان اصبح المثال السائد في مجال التنافس في الاسواق هو ان الغاية تبرر الوسيلة والطريق الاسهل لهذا المضمار هو التجسس الصناعي على الشركات الكبرى, وعلى مصانع الدول ذات الاهمية الاستراتيجية الخاصة. ويشير إلى ان الصراع الاقتصادي الناجح المتأجج دائماً بين القوى الدولية والذي يصل احياناً إلى حد الحروب المسلحة سواء من اجل الحصول على المواد الخام الرخيصة والقوى المحركة المنخفضة التكاليف او من اجل الاسواق التي تستوعب فائض الانتاج, وتسهم في تحقيق القيمة المضافة, فهذا الصراع الماكر من اجل الاختراق والتوسع والاستحواذ والسيطرة يحتاج إلى حيازة معينة للقوة الاقتصادية, واستعداد دائم لاستخدام هذه القوة وفي الوقت نفسه محاصرة وتحجيم القوة الاخرى وحرمانها من الوصول إلى نفس مستوى القوة حتى لا تفرض نفسها وتطالب باقتسام الثروة ومناطق النفوذ, وهي امور لا يمكن ان تتم بدون الجاسوسية الاقتصادية. وعن مصادر تمويل الجاسوسية الاقتصادية يقول الدكتور صلاح الدسوقي: ان الاموال التي يحتاجها جهاز الجاسوسية الاقتصادية في مجال الاعمال عادة ما تكون ضخمة وذلك لكسب الصداقات وزرع العناصر هنا وهناك وجمع المعلومات والانفاق على عمليات التغطية والتمويه واذا لم يكن لدى جهاز الجاسوسية موارد مالية مناسبة فإنه يسعى لإيجاد التمويل اللازم له ذاتياً وعادة ما يتم ذلك من خلال انشطة مشروعة مثل العمل في وظائف ذات دخل مرتفع وعقد صفقات وتبادل المعلومات, وقد تلجأ اجهزة الجاسوسية إلى وسائل اخرى للحصول على التمويل الكافي والمناسب لها, لذا فإن معظم الشركات والمؤسسات الكبرى في العالم تقوم برصد مبالغ واعتمادات مالية للاتفاق على نشاط التجسس الاقتصادي وعادة ما يتم ادراج هذه المبالغ ضمن ميزانية اجهزة الدراسة والبحث او ضمن نشاط وبنود اتفاق العلاقات العامة. اقسام متخصصة للتجسس الدكتور حسين عبيد استاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة يقول: ان التجسس الاقتصادي بمعناه الشامل لم يكن معروفاً قبل عام 1950 ففي هذا العام بدأت المخابرات العالمية تتوسع وتضيف قسماً جديداً اطلقوا عليه قسم مكافحة التجسس الصناعي الاقتصادي وبالفعل ولد اول قسم من هذا النوع داخل جهاز المخابرات البريطانية والقصة تقول انه في احدى ليالي شتاء مدينة توتنهام البريطانية في عام 1950 واثناء تواجد احد ضباط مركز التصنت وحل الشفرة التابع للمخابرات البريطانية التقط رسالة مشفرة مصدرها مدينة باريس وبالتحديد من احدى شركات السلاح الفرنسية وكانت تحكي عن نوعية صفقة سلاح مرسلة إلى دولة في الشرق الاوسط وعلى الفور قرر الضابط تسجيل الرسالة وارسالها لرئاسة المخابرات حيث تم تحليلها وكانت المعلومات تشير إلى اشتراطات صفقة السلاح وكان جهاز المخابرات البريطاني على علم بأن هناك شركة سلاح بريطانية اخرى تسعى هي الاخرى لتوريد نفس نوع السلاح إلى ذلك البلد, وقرر جهاز المخابرات ارسال محتوى الرسالة إلى شركة السلاح البريطانية لتفوز هي بالصفقة بدلاً من الشركة الفرنسية التي خسرت كل شيء بسبب تسرب المعلومات الاقتصادية. ويستطرد د. عبيد لا يمكن ان ننسى ما قاله جيمس والي رئيس المخابرات الامريكية عشية تسلمه لمنصبه عام 1992 حيث ذكر ان اهم ما يشغل عملاء المخابرات الامريكية في القرن العشرين هو التجسس الاقتصادي وراء الشركات المنافسة لامريكا وهو نفس الهدف المحدد لوكالة الاستخبارات الامريكية من قبل رؤساء البيت الابيض في الفترة الاخيرة حيث قام الرئيس الامريكي كلينتون بعد توليه الرئاسة في الفترة الاولى باربعة اشهر فقط بتسخير اعضاء جهاز آي ايه بكل ما فيه من تجسس عسكري واقتصادي وسياسي لكي يقوم بكسب عقود تصدير للشركات الامريكية وفتح اسواق جديدة لها, وقامت بعدها بريطانيا باربعة شهور بنفس الاجراء وبعدها بشهرين قامت كندا كذلك بنفس الاجراءات ولذلك نرى ان العالم كله يتجه في الفترة الاخيرة إلى التخابر الاقتصادي, وفي نهاية عام 1995 القت المباحث الفيدرالية الامريكية القبض على عدد من العملاء الفرنسيين وهم يسرقون اسرار مشروع الطائرة الامريكية ـ OSPREYVZZ_ وقد ادت هذه الفضيحة إلى مقاطعة امريكا لصالون بيلا بورجيه الفرنسي لصناعة الطائرات عقاباً لفرنسا على تجسسها الصناعي ضد امريكا.