بقلم: روبرت صامويلسون يعج التاريخ الأمريكي بتناقضات جلية, لكن القليل منها فقط هو الذي يبدو ضخماً كهذا التناقض: نحن أناس مشدودون بقوة للمادية والروحية في آن واحد ويغلب علينا طابع التدين. وفي استطلاع حديث للرأي اجرته مؤسسة جالوب, قال 61% من الامريكيين ان الدين (مهم جداً) في حياتهم. وبالطبع, فان هذه الأمة نفسها قد أطلقت العنان الان لأكبر عملية اكتسابية في التاريخ, ففي الفترة من عام 1995 وحتى عام ,1999 اشترى الامريكيون (من بين اشياء اخرى) 77 مليون سيارة وشاحنة خفيفة وثمانية ملايين بيت جديد و57 مليون جهاز كمبيوتر شخصي و64 مليون هاتف متحرك. ان التناقض يشكل ثقافتنا. فالهاجس الشعبي فيما يتعلق بسوق الاسهم قد وصل الى مستويات ذهانية تقريباً, لكن بعضاً من ذوي الثروات الهائلة الجدد لايشعرون بالارتياح حيال ثرواتهم لدرجة انهم يخضعون لما يسميه المعالج النفسي ستيفين جولدبارت (متلازمة الثروة المفاجئة) , التي تتسم بشعور (مفرط بالذنب) و(اضطراب في الهوية) . اما بالنسبة للامريكيين العاديين, فانهم يعتبرون ان أعظم مشكلات البلاد اخلاقية, وفي دراسة مسحية اجريت عام ,1999 حدد الناس همومهم الرئيسية الاربعة على انها: الجريمة ومساوىء المسئولين المنتجنين والمخدرات والتفكك الاسري. ان الصراع بين النزعة الاخلاقية والاقتصادية يعتبر نمطاً متكرر الحدوث في التجربة الامريكية, كما يذهب الى القول عالم الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل روبرت فوجل في كتاب جديد له تحت عنوان (النهضة الرابعة العظيمة ومستقبل مبدأ المساواة في البشر) . ويقول فوجل: ان هناك دورة منتظمة. فالتقنيات المتغيرة والظروف الاقتصادية تتصادم مع قيم أخلاقية لاحداث أزمات روحية واصلاح اجتماعي واضطرابات سياسية. ويناصل الناس من اجل فرض اطار أخلاقي على حقائق اقتصادية جديدة. وعلى غرار باحثين آخرين, يحدد فوجل اربع (نهضات) دينية ـ بدأت في أعوام ,1730 ,1800 1890 و1960 ـ اثرت في نهاية المطاف على الحياة الفكرية والسياسية. ويقول فوجل ان التكنولوجيا تقود عمليات اعادة التقييم الاخلاقي هذه عن طريق تغيير الطريقة التي نعيش بها. ويروي انه قبل عام ,1810 كان الابحار من أوروبا الى الولايات المتحدة يستغرق وقتاً طويلاً (30 يوماً) وخطراً (كان يموت ما بين 10% و20% من المسافرين) ومكلفاً (التكلفة كانت تساوي دخل عامل في السنة) . وبحلول عام ,1860 انخفضت المدة التي تستغرقها الرحلة الى سبعة أيام بينما انخفضت التكاليف والمخاطر بنسبة 90% تقريباً. وقد شجعت الرحلات الرخيصة والآمنة على الهجرة. وهذا قاد بدوره الى بروز مدن أكثر تشوشاً وغذى شعوراً بوجود أزمة اخلاقية. ويقول فوجل في كتابه: (اعتبرت فيلادلفيا ونيويورك وبوسطن تهديداً للنظام الاجتماعي (لأنها احتضنت المرض والجريمة والعنف والفساد الاخلاقي) . ويقول أيضاً انه لم يكن وليد الصدفة ان يؤكد الوعي الديني في بداية القرن التاسع عشر على ان (أي شخص يمكنه ان يحقق الفضيلة المنجية من خلال الصراع مع الخطيئة) . والأهداف السياسية التي ظهرت في هذه الحقبة شملت التعليم الشامل والاعتدال وضبط النفس )حظر المشروبات الكحولية(, وفي الفترة ما بين عامي 1846 و,1855 فرضت 13 ولاية قوانين تحظر المشروبات الكحولية مع ان معظمها تم التخلي عنها سريعاً. وبحلول التسعينات من القرن التاسع عشر, تحول التركيز من الخطيئة الفرديةالى خطيئة المجتمع. ومرة اخرى, فجرت التكنولوجيا الغضب الاخلاقي والسياسة. وفي تلك الفترة, كان التصنيع والتمدن قد حولا أمريكا. وعانى الناس من البطالة الصناعية وظروف العمل القهرية وأحياء الفقر في المدن. وكل هذا فرخ النهضة الثالثة العظيمة, التي شكلت أجندتها السياسية دولة الرفاه المعاصرة )من قوانين تشغيل الأطفال الى عادة توزيع الدخل(. بالطبع, تعتبر نظرية فوجل شاملة تماماً. وتنتمي الحملة المؤيدة لوضع حد لنظام الرق الى النهضة الثانية. وهذه لا علاقة لها بالتكنولوجيا. ويقر فوجل بأن الدافع الاصلاحي لدولة الرفاه, التي ازدهرت منذ الثلاثينات من القرن العشرين, سرعان ما أصبح منفصلاً عن أية أصول دينية. ومع ذلك, فان تصوره الأساسي ظل قائماً, فالناس يحاولون التوفيق بين المعتقدات الدينية والاخلاقية مع كل نظام اقتصادي جديد. ويرى فوجل ان التوترات الكبيرة في زمننا تنشأ من الوفرة, فالكل باستثناء أفقر الفقراء يعيش حياة افضل اليوم من جميع من عاشوا قبل قرن باستثناء أغنى الاغنياء. وفي عام ,1890 كان يتمتع الـ 10% الاغنى من الامريكيين فقط بدخول تتجاوز خط الفقر اليوم. وقد ازدادت اوقات الفراغ لان الناس يعيشون فترة أطول ويتقاعدون وتضاءلت طلبات العمل. وفي عام ,1880 كان العمال يكدحون ما متوسطه 11 ساعة في اليوم وستة أيام في الاسبوع. لكن المادية المتصاعدة لا تضمن تلبية المتطلبات الشخصية أو تشفي من الامراض الاجتماعية. ويؤكد فوجل ان أعظم حالات التفاوت الاجتماعي اليوم هي روحية أكثر من ان تكون اقتصادية. وتشمل المزايا الحيوية: الانضباط الذاتي والاحساس بالهدف والشعور بالجماعة. ولكن هذه الصفات لايمكن الحصول عليها من السوق او نقلها بسهولة من خلال برامج حكومية. فهي تغرس بشكل اساسي من قبل العائلة. ويقول فوجل ان النهضة الامريكية الرابعة بدأت عندما بدأاليمين الديني يؤكد على هموم أخلاقية. وعلى الرغم من ان النفوذ السياسي لليمين الديني ربما يكون في تراجع, إلا ان أفكاره انتقلت الى التيار السياسي الرئيسي. ففي الاسبوع الماضي فقط, علق الرئيس كلينتون على احصائيات اجتماعية تظهر ان المراهقين الذين يتناولون طعامهم مع آبائهم (أكثر احتمالا لتجنب التدخين والشرب والعنف والانتحار والمخدرات) من اولئك الذين لايفعلون ذلك. والرسالة التي ننقلها هنا هي ان الغنى يعقد الحرية. وان الوفرة تفرخ القلق لأنها تمنحنا المزيد من الحرية. والمزيد من الحرية هو أمر أفضل إذا ما استخدمناه بحكمة, ولكن في أغلب الأحيان نكون نحن ألد الاعداء لانفسنا.