أعلنت اللجنة الأوروبية بعض الاحصاءات والارقام عن عجز الميزانيات الحكومية في الاتحاد الأوروبي, لكنها نشرت ايضا أرقاماً عن بريطانيا اشارت الى ان اجمالي الناتج الوطني البريطاني بلغ 836 مليار استرليني العام الماضي, أو 1348 مليار يورو, وبذلك تفوقت على فرنسا التي بلغ اجمالي الناتج الوطني لها 835 مليار استرليني. بناء على هذه الأرقام تصبح بريطانيا في المركز الرابع عالمياً من الناحية الاقتصادية بعد الولايات المتحدة واليابان والمانيا, وهو المركز الذي كانت تحتله فرنسا. وكانت بريطانيا تأتي في الترتيب السادس من أربع سنوات, قبل ان تأخذ المركز الخامس في ايطاليا, ثم المركز الرابع من فرنسا حسب أرقام العام الماضي. في عام ,1996 كان اجمالي الناتج المحلي الفرنسي يفوق نظيره البريطاني بنسبة 32%, وتقلصت الفجوة بين اجمالي الناتج المحلي للبلدين عام 1997 لتصل الى 7%, وبحلول عام 1998 انحسرت الى 5.3%, قبل ان تتفوق بريطانيا على فرنسا اقتصاديا العام الماضي. مثل تفوق بريطانيا على فرنسا في الجانب الاقتصادي لحظة رمزية, لأن بريطانيا كانت اكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة عند نهاية الحرب العالمية الثانية. في اواخر الخمسينات تراجعت بريطانيا الى المركز الثالث عالمياً نتيجة للمعجزة الاقتصادية الألمانية حيث احتلت المانيا المركز الثاني عقب الولايات المتحدة, لكن تفوق فرنسا على بريطانيا في الجانب الاقتصادي عام 1963 كان الأشد وقعاً على بريطانيا. فقد حققت فرنسا تقدماً اقتصادياً بفضل المنهج الاقتصادي المتقدم, فضلاً عن ان الزعيم الفرنسي شارل ديجول كان يرفض محاولات بريطانيا للدخول في السوق الأوروبية المشتركة. وفي عام 1964 تحول الحسد الى تقليد في مجال العمالة, حيث ادخل هارولد ويلسون تخطيطاً اقتصادياً تحت إدارة وزارة الشئون الاقتصادية بناء على النموذج الاقتصادي الفرنسي في التخطيط. لكن الخطة الوطنية ووزارة الشئون الاقتصادية لم يستمرا طويلاً في بريطانيا, فوقع الاقتصاد البريطاني في ازمة. وخلال النصف الثاني من الستينات, فقدت بريطانيا موقعاً اقتصادياً آخر, وتركت مكانتها لليابان, التي تفوقت عليها عقب معجزتها الاقتصادية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. واكتملت دائرة الاحباط البريطانية عندما تفوقت عليها ايطاليا واحتلت مكانتها الاقتصادية على مستوى العالم في العقد الثمانيني. غير ان الأرقام التي نشرتها اللجنة الأوروبية لم تمثل أي احتفالية بين صفوف الحكومة البريطانية, وقال احد المسئولين ان الخزانة البريطانية لاتسعى لذلك, مشيراً الى ان الارقام متأثرة بأسعار الصرف, أي ارتفاع سعر الاسترليني مقابل اليورو, هو الذي دفع قيمة اجمالي الناتج المحلي البريطاني ليتفوق على الدول الاحدى عشرة الاعضاء في العملة الأوروبية الموحدة, أو نادي اليورو. وقال مسئولون ان نصيب الفرد من اجمالي الناتج البريطاني هو المؤشر الاصدق والأهم في قياس الرخاء, وهذا المؤشر لايزال أقل من فرنسا. اما من ناحية الانتاجية, فان بريطانيا تتخلف عن فرنسا بنسبة 20 ـ 25%. وتخشى الخزانة البريطانية ان تؤدى غمرة الفرحة بالتفوق من ناحية اجمالي الناتج الوطني على فرنسا الى التخاذل في مجال محاولات تحسين مستوى الانتاجية وبالتالي الاقتصاد البريطاني. ويوافق خبراء الاقتصاد على ان هذا التفوق الرقمي لايدعو الى الفرحة أو الاحتفال, كما يقول مارتين ويل مديرالمعهد الوطني للابحاث الاقتصادية والاجتماعية. ويضيف هل نفرح لأن مركزنا في الاقتصاد العالمي حالياً هو الرابع؟ ان الاقتصاد الفرنسي اكثر نجاحاً من الاقتصاد البريطاني, لأنه يحقق نسبة اكبر من الانتاج بعدد أقل من العاملين وكمية أقل من العمل. لاشك ان انتاجيتهم )الفرنسيين( أعلى من انتاجيتنا. كما ان فرنسا كان لها فائض تجاري كبير جداً مع بريطانيا لعدة سنوات, واكبر المستفيدين من ذلك كانوا شركات السيارات وشركات انتاج سلع استهلاكية اخرى من المصدرين الفرنسيين الى بريطانيا. غير انه في الوقت الذي كان سعر اليورو الضعيف أمام الاسترليني خلال الفترة الماضية سبباً في دفع قيمة اجمالي الناتج المحلي البريطاني الى مستويات اعلى من فرنسا, فالحقيقة ان القفزة الكبيرة تحققت من ثلاث سنوات عندما بدأ الاسترليني يتفوق على العملات الأوروبية الاخرى. وارتفع سعر الاسترليني بناء على توقعات اقتصادية متفائلة بشأن بريطانيا, بعد ان خرج من ضباب أحاط به عندما خرج من نظام العملة الأوروبي الموحد السابق لليورو. وليس هذا فقط بل ان الاقتصاد الفرنسي كان في حالة بطء في الوقت الذي كان الاقتصاد البريطاني يحقق نمواً قوياً خلال تلك الفترة. حتى الان في الوقت الذي تبلغ فيه البطالة في بريطانيا 4%, أو 9.5% على اساس معيار المسح العمالي العالمي, فإن معدل البطالة في فرنسا يبلغ 5.10%. لذلك فانه بالنسبة لخبراء الاقتصاد, هناك عوامل كثيرة تجعل الاقتصاد البريطاني يتفوق على الفرنسي من حيث اجمالي الناتج المحلي تزيد على مجرد سعر صرف الاسترليني مقابل اليورو. عن صحيفة هيرالد تريبيون