تبدأ صناعة القرار عادة بوجود مشكلة ما يعمد صانع القرار لدى بروزها إلى تحديد أهدافه في مواجهتها ثم يبدأ بتحديد الاختيارات الممكنة لحل هذه المشكلة وتقويمها باسلوب موضوعي ومدروس ثم يقارن كل حل ممكن من حيث مدى مناسبته لاهدافه ويقوم مميزاته وعيوبه ويعمل اخيراً على تحقيق اقصى نفع ممكن وذلك بانتقاء الاختيار الذي يتناسب مع اهدافه اكثر من غيره. وتحتل عملية انتقاء القرار آخر مرحلة من مراحل صنع القرار وتنحصر المناقشة عندها في الاختيار بين (أ) أو (ب) مع سؤالين مهمين هما: ـ ماذا سيحدث ان قمنا بتنفيذ هذا؟ ـ وما الذي سيحدث ان لم نفعل ذلك؟ وايا كان الجهد الذي يبذله صانع القرار في البحث عن اختياراته وتقويمها تقويماً دقيقاً ومهما كانت دقة الاحتياطيات التي اتخذت لتجنب سوء الاختيار فإنه لا يستطيع التخلص نهائياً من عناصر الريبة وعدم التيقن والشك. ومع انه من الواقعي ان تقول ان الامور كلها تفتقر إلى التيقن التام في نهاية المطاف فإنه من المهم بالقدر نفسه الاشارة إلى ان عملية صنع القرار تضم في مختلف مراحلها قدراً هائلاً من التنبوء والتوقع ولا يمكن بأي حال من الاحوال القيام بأي شيء تجاه العناصر المجهولة او العامل )س( مثلاً ولكن يتعين ممارسة قدر من التنبؤ ومحاولة استقراء المستقبل بحسب ما تسمح به الظروف المحيطة بعملية صنع القرار. الا انه يمكن تحقيق اعلى مستوى من الفعالية من خلال انتهاج بعض اساليب التنبوء والتوقع. ومن اهم اساليب التنبوء والتوقع ما يعرف بقراءة المستقبل اي استقراء ما قد يطرأ فيه من احداث ووضع اهداف للتعامل معها والاستعداد الجيد لتحقيق الاهداف المرسومة. ولتوضيح اهمية قراءة المستقبل نعيد إلى الاذهان رواية الكاتب الشهير بريمو ليفي (ان كان هذا رجلاً.. فالهدنة) . وقصته في العودة إلى بلاده بعد التحرر من احد معسكرات الاعتقال النازية الشهيرة وحكايته مع ذلك المعتقل الذين كانوا ينادونه بـ (اليوناني) فقد دهشوا كثيراً لجودة حذاء ذلك اليوناني ومتانته في ظل الظروف التي كانت سائدة آنذاك وكان رد اليوناني هو انه حصل على هذا الحذاء الرائع في مقابل الطعام وكان هذا الرد اكثر غرابة في معسكر كان الطعام فيه هو الفيصل بين الحياة والموت. ومع نفاد صبر اليوناني من اسئلة زملائه قال لهم ان الحذاء في رأيه اهم كثير من الطعام لانه يسهل عليه مرحلة العودة إلى الوطن والهرب من الخطر والبحث عن الطعام عند الضرورة. وعلل زملاؤه عدم اهتمامهم بهذه المسألة بمرضهم وبأنهم كانوا يتوقعون تزويدهم بالاحذية والطعام. الا ان اليوناني رد عليهم بقوله: هذا مجرد كلام.. ان اي شخص يمكنه ان يتحدث ويتكلم كما يحلو له فقد كانت درجة حرارتي فوق الاربعين درجة وكنت اهذي تحت وطأة الحمىوعلى الرغم من هذا فإن شيئاً واحداً لم يغب عن بالي مطلقاً. وهو انني كنت احتاج لحذاء. وما فعلته هو حسن البصيرة وما فعلتموه انتم كان ضرباً من الغباء والفشل في ادراك حقائق الامور. لم يكن اليوناني عرافاً او قارىء فنجان بل كان رجلاً يعيش من خلال ممارسته لقوى متوفرة لنا جميعاً وهي:ـ ـ الاحساس الواضح بماهية الهدف. ـ التفكير في المستقبل بوعي تام بالواقع. ـ التمعن في مضامين الواقع القائم. ـ الترف استناداً إلى ما نراه. فقد كان اول هدف لليوناني هو البقاء على قيد الحياة اثناء رحلة العودة إلى الوطن وكان من الواضح بالنسبة له ان المستقبل يعني السفر والتنقل في بلاد مزقتها الحروب والموت والمجاعة والمرض وكان يعي تماماً ان الخطر قد يأتيه من كل صوب وان حياة الانسان لا تساوي الا القليل. وكان يرى ان الاعتماد على الذات يعد مفتاح البقاء وان هذا الاعتماد يتوقف على القدرة على التحرك السريع في حين كان الآخرون منهمكين في الصراع من اجل تأمين حاجتهم الضرورية. واخيراً وبدلاً من الانتظار والتفاؤل كما فعل زملاؤه عمد اليوناني إلى تولى مسئولية بقائه حياً من خلال تأمين حصوله على الحذاء. وهناك ايضاً اسلوب آخر يعتمد على الافتراضات المنطقية التي تعتمد عليها قرارات كثيرة اساسها السبب والنتيجة فمثلاً يمكن افتراض ان تخفيض الاسعار سيؤدى إلى زيادة المبيعات او ان انشاء شبكة طرق سريعة وجسور وانفاق سيؤدى إلى تخفيض الازدحام وسهولة التحرك. وفي الواقع فإن الافتراضات التي تعتمد على امور مثل )اذا كان كذا( او (اذا حدث كذا) تمثل مشكلة كبيرة في صنع القرار وذلك لانها تعتمد تماماً على التخمين والبديهيات والتي غالباً ما تقود إلى الاخطاء ولا يمكن الاعتماد عليها. الا انه من الناحية الاخرى توجد افتراضات منطقية يؤيدها العديد من الدراسات والابحاث مثل ان:ـ ـ العقاب يؤدى إلى الاحساس بالمرارة والاسى. ـ يتولى المديرون القيادة فيتبعهم المرؤوسون. ـ الرضا في العمل يولد مشاعر الاخلاص والولاء للمؤسسة. الا انه يتعين دائماً التحقق من مدى واقعية الافتراضات المطروحة بخصوص الآخرين ومنطقيتها وافضل سبل اختبار هذه الافتراضات هو ان نضع انفسنا مكان الآخرين او نتصور على اقل تقدير كيف ستكون ردود افعالنا تجاه ما يهددنا او تجاه الاقتراحات المقدمة لنا ان كنا في مكان هولاء الآخرين. فمثلاً يتعين على مندوب المشتريات لدى احدى المؤسسات التجارية تجاهل التحدث عن خصومات اذا عرض عليه البائع اقل سعر مطلوب. ويهيىء هذا الاسلوب طريقة فعالة وسريعة لرؤية مدى افكارنا ويمكننا الارتقاء به من خلال التحقق المستمر مما نعرفه عن الطرف الآخر وآماله ومخاوفه حتى نتأكد تماماً من كيفية استيعابه لمقترحاتنا. فعلى سبيل المثال قد يصيب القلق من المخالفات المالية اغلب الناس ولكن المحاسبين او المدققين الماليين يكونون اكثر قلقاً من الانسان العادي وذلك بسبب خبراتهم وخلفياتهم في هذا المجال. ولذلك فمن المتوقع ان ينظر المحاسبون والمدققون الماليون بجدية شديدة للمخالفات المالية مهما كانت تفاهتها حتى انه قد يفكر الانسان العادي في هذه الحالة بأنهم ـ اي المحاسبون والمدققون ـ الماليون ـ يبالغون في قلقهم. الا انه ينبغي الحذر من اي افتراضات ليس لها ما يبررها بخصوص تصرفات الآخرين ومنها افتراضات مثل: (اذا كانت شركة كذا تريد حقاً هذه الصفقة لكانت وقعت على العقد قبل ذلك بكثير) فلربما كانت الشركة تنتظر عودة المدير العام من السفر لتوقيع العقد. وعادة ما يتم تأسيس كثير من الافتراضات بصورة تلقائية وبدون وعي ويمكن لهذه الافتراضات التلقائية ان تؤدى إلى احداث مشكلات من خلال الحواجز الوهمية التي تقيمها فمثلاً يفترض بعض الاشخاص ان اعمالاً معينة هي حكر عليهم ولا ينبغي ان يشاركهم فيها احد فتعمل هذه الافتراضات على تقليص الاختيارات المطروحة وتحد من كثرتها إلى ان يحدث تغيير جذري او تحدث ازمة او يتوقف العمل تماماً. ويكمن الحل هنا في مراجعة الافتراضات خاصة عند الوصول إلى نهاية مسدودة لمشكلة ما او ظهور صعوبة بالغة في حلها. ويكون من المفيد للغاية ان نرجع إلى الوراء خطوة او خطوتين لنعيد مراجعة الافتراضات بشأن المشكلة. فمثلاً من المألوف ان افتراض ان الموظف قليل الخبرة لن يكن مهما في العادة بعمل ضئيل الاجر او متدنى الدرجة وقد يرفع مثل هذا الافتراض صانع القرار إلى مصيدة البدائل التي تنحصر في الاستغناء عن الموظف او التجاوز عن قصوره واهماله. وكلا الاختيارين لا يصلح وذلك لانه اذا حدث وقدم احد الموظفين هذه الفكرة فمن الممكن ان يسعد الموظف بقبول العمل وقد يرى انه ليس هناك اختيار آخر سوي قبول العمل. ويبحث الناس عادة عن المستقبل في المستقبل بينما يوجد المستقبل دوما في الحاضر القائم واذا طبقنا هذا المفهوم من الناحية الادارية فسوف نجد ان المشروعات التي تتسم بسوء التنظيم وقصور الموارد البشرية والمالية محكوم عليها بالفشل منذ اول وهلة. وتعتبر المعالجة المرحلية للامكانات اي مراجعة المحتوى والمهام والموارد بصورة منتظمة من افضل الاساليب لمعرفة ما اذا كانت الخطة او المشروع سينجحان ام لا. ويكون تحليل المعالجة المرحلية للامكانات مفيداً جداً في الحالات التي تحتم على صانعي القرار تفويض كثير من المسئوليات للآخرين. ويمكن تقويم الامكانات باتباع الاسلوب التالي: ـ تقسيم المشروع إلى مراحله التنفيذية. ـ تحديد متطلبات كل مرحلة بدقة وواقعية. ـ طرح اسئلة مثل (اذا كنت سأقوم بتنفيذ هذا المشروع فما الذي احتاج اليه؟) . ـ التأكد من تحديد موارد المشروع )وتشمل الموارد هنا كل ما هو ضروري لانجاز المشروع بما في ذلك من برامج زمنية وتراخيص رسمية وخبرات انشائية وكيفية التعاون مع الادارات الاخرى.. الخ. واذا رأى صانعو القرار ان قرارهم يعتمد على طرف خارجي مثل الموردين او مقاولي الباطن فيتعين عندها معرفة امكانات الطرف الخارجي على وجه التحديد ومعرفة امور مثل هل المندوب الذي يتفاوض باسم هذا الطرف يتمتع بسلطة التوقيع على اتفاق ام يتعين عليه الرجوع إلى رؤسائه؟ وايضاً هل تتوافر المعدات والآليات المطلوبة لدى المقاول ام لا؟ وان لم تكن لديه فكيف سيؤمنها؟ وما هي الالتزامات التي تترتب على ذلك؟ ومن الجوانب الاخرى المهمة في معالجة الامكانات في سياق عملية صنع القرار هو عدد العناصر المتحركة في الخطة اي عدد الاشخاص الذين يعتمد كل منهم على الآخر في اداء واجباته وكذلك ما يتوالي من اجراءات المتابعة بين اتخاذ القرار وتنفيذه. ومثلما هو معروف فإنه كلما زاد عدد القطع المتحركة في المعدات والآلات الميكانيكية زادت الاعطال وايضاً بالنسبة لصناعة القرار كلما زاد عدد الاشخاص او اللجان تعقدت عملية اتخاذ القرار. وخير ما يدل على هذا القول الشائع (اذا اردت ان تقتل مشروعاً فقم بتشكيل لجنة لدراسته) او (اللجان هي مقبرة المشروعات) . وتمثل احالة المعاملات بين لجان عدة مثالاً جيداً لهذا الامر فاعتراض احدى اللجان من شأنه ان يؤدى لتأخير المعاملة عند لجنة اخرى وقد يؤدى هذا التأخير إلى فقدان بعض المستندات المهمة. وتعاني المؤسسات ذات الهياكل الادارية والتنظيمية المتضخمة من هذه المشكلة ففي الوقت الذي ينزل القرار إلى المستوى الاداري الخامس مثلاً يكون قد اصبح مختلفاً عن القرار الاصلي. ولهذا ننصح بالتبسيط من فعالية الامكانات والاحتفاظ باقل عدد ممكن من الموظفين والاجراءات وينبغي تقليص دائرة الاتصالات قدر المستطاع واستبعاد العناصر المتحركة وتولي العمل بانفسنا اذا كان الموضوع شديد الاهمية. وتعتبر نظرية الاصول المنطقية لصنع القرار والتي تفترض ان التغيير يحدث في شكل يعرف بالتغيير الطرحي من الاساليب المهمة في صنع القرار فالمؤسسات والهيئات تنشأ لاهداف معينة والبنيات الاجتماعية تتكون نتيجة تطور العلاقات والادوار وكل البنيات الاجتماعية التي تعاني من الخلافات والتناقضات تعمل جميعها على ظهور توترات وذلك على الرغم من ان بعضها ضروري فالجامعات والمؤسسات الاكاديمية والعلمية مثلاً تسعى لتوفير اعتمادات مالية لدعم ابحاثها ونشاطاتها العلمية والاكاديمية ولكن الانشطة المتعلقة بجمع الاموال قد تبعدها عن اهدافها في تطوير المعرفة ونشر العلم وهنا تأتي التوترات لتقدم حافزاً للتغيير ولكن تركيبة وطبيعة النظام القديم تحد من احتمالات التغيير وقد تؤدى عمليات اعادة البناء إلى محو جزء من التناقضات القديمة الا انها تتسبب ايضاً في تناقضات جديدة تقود إلى توترات جديدة. وتتحدد المضامين العامة بالنسبة لصانعي القرار في هذا النمط في الآتي: ـ يمكن توقع التغيير من التوترات الموجودة. ـ تؤدى تسوية ومحو مجموعة من التوترات إلى توترات اخرى. ـ تفشل معظم التغييرات في حل المشكلة او تتسبب في تفاقمها. ولتوضيح نظرية الاصول المنطقية لصنع القرار نفترض ان احدى المؤسسات اعتمدت مخصصات مالية لانشاء وحدة للصحة المهنية داخلها بهدف تقليل الاجازات المرضية. ورحب كل العاملين بهذه الخطوة حتى اعلنت ادارة المؤسسة ان على الوحدة اعتماد اسلوب التمويل الذاتي طبقا للسياسة المالية العامة التي تنتهجها. والغت هذه الخطوة الغرض من انشاء الوحدة الصحية حيث تحول الموظفون من الاستشارات والفحوصات الحقيقية غير المنتظمة إلى الفحوصات الطبية الروتينية السريعة لتبرير وجودهم في الوحدة. ونجد هنا ان النمط المفتوح وغير المنتظم للخدمات التي كانت الوحدة تقدمها في اول الامر يتناقض تماماً مع السياسة الادارية للمؤسسة التي عززت من قوتها مرة اخرى. وتسببت المؤسسة في حدوث توترات جديدة منه احساس الموظفين بان المؤسسة تخدعهم وان العاملين في الوحدة الصحية تركوا العمل بعد شعورهم بعدم الرضا والامان الوظيفي وتبقى النقطة الثالثة في الاصول المنطقية للتغيير وهي انه اذا حدث التغيير داخل حدود نظام معين فإنه ينتهي دائماً إلى درجة من عدم الاتقان او التغيير التدريجي.