منذ عامين اختلف المحللون حول أسباب الازمة الاقتصادية الآسيوية والاقتصاديات التي تأثرت وسقطت في شرق آسيا. والان هناك حقيقة هامة تلقي الضوء على هذه الازمة وأسبابها وهي انه بغض النظر عن الخيارات التي لجأت اليها حكومات هذه الدول خلال الازمة, فقد انتعشت اقتصادياتها بسرعة وبشكل جماعي تقريباً. فقد أوضح تقرير حديث للأمم المتحدة ان هناك انتعاشا شاملا في هذه الاقتصاديات التي توقع ان تحقق معدل نمو 2.6% في غالبية الدول النامية الآسيوية خلال العام الجاري وبنسبة 4.6% العام المقبل, شمل التقرير اقتصاد 28 دولة من تركيا حتى فيجي. ويقول التقرير ان المنطقة بالكامل في حالة انتعاش اقتصادي بغض النظر عن الطرق التي واجهت بها هذه الدول الأزمة الماضية. وقال محمد عارف المدير التنفيذي لمعهد الابحاث الاقتصادية في ماليزيا, الذي قدم التقرير هذا الاسبوع باسم لجنة الامم المتحدة الاقتصادية الاجتماعية لآسيا والباسفيكي ان النمو والانتعاش في المنطقة هما عبارة عن تحسن تقني ارتدادي لأن هذه الاقتصاديات سقطت بسرعة كبيرة. وأضاف ان عقاب السوق يكون حاداً وشرساً, لكن مايثير الدهشة هو ان الدول التي اختارت وسائل ثورية جديدة لتحقيق الانتعاش, انتعشت بنفس قوة الهبوط الذي حدث, ومثال ذلك الاختلاف بين الوسائل التي اتبعتها كل من تايلاند وماليزيا. اتجهت تايلاند الى صندوق النقد الدولي عام 1997 عندما واجهت نضوب معين الاحتياطيات الاجنبية, لكي تحصل على قروض انقاذ بالمليارات بشرط تطبيق خطوط مالية عريضة مشددة فرضها الصندوق, فتم فتح قطاع البنوك أمام الاستثمار الاجنبي وتعويم العملة المحلية. لكن ماليزيا ظلت بعيدة عن الصندوق وحاولت النأي بنفسها عن الازمة عن طريق فرض قيود على خروج العملة الاجنبية من البلاد. وفرضت قيوداً على الملكية الاجنبية للبنوك المحلية. وربطت الحكومة العملة المحلية بالدولار عام 1998 في محاولة لتحقيق استقرارها. وأعلنت حظرا جزئياً على تحويل الأموال للخارج بالنسبة للمواطنين. ورغم الاختلاف بين الوسيلتين كانت أنماط الانتعاش الاقتصادي في كل من تايلاند وماليزيا متشابهة. ارتفعت الاحتياطيات الاجنبية في البلدين, واستقرت أسعار عملات البلدين, وظل معدل التضخم منخفضاً في البلدين. وسجلت تايلاند معدل نمو بنسبة 1.4% العام الماضي وهي التي انكمش اقتصادها عام 1998 بنسبة 4.10%, وسجل الاقتصاد الماليزي معدل نمو 4.5% عام ,1999 في الوقت الذي سجل انكماشاً بنسبة 5.7% في العام السابق له. ولم يقتصر هذا الاتجاه على هذين البلدين, فخلال ذروة الازمة الاقتصادية التي سببت انكماشاً لاقتصاديات جنوب شرق آسيا عموماً, سجل بلدان من هذه البلدان انخفاضاً في الاقتصاد بنسبة تزيد على 10%. والصفة المثيرة للدهشة في هذه الاقتصاديات والنمو الاقتصادي في جنوب شرق آسيا. هي المسرح الاقتصادي في عام ,1999 الذي شهد كل اللاعبين الذين تعثروا عام ,1998 قد سجلوا نمواً ايجابياً. كما يتضح ان البيانات المستقاه من التقرير يبدو أنها تدحض بعض الدروس المستفادة بعد الازمة, فعندما انهارت اقتصاديات المنطقة عام ,1997 أشار الخبراء الاقتصاديون والزعماء السياسيون في الغرب الى ان السبب هو سوء الإدارة والمحسوبية الرأسمالية. غير ان البيانات الواردة في التقرير تفيد ان الدول التي تجاهلت هذه الأسباب أيضا حققت انتعاشاً اقتصادياً ونمواً ايجابياً. فقد كان الخبراء يتهمون كوريا الجنوبية دائما بوجود مجموعات شركات مثقلة بالديون ومتعثرة, لكنها سجلت معدل نمو اقتصادي 9% العام الماضي, ومن المتوقع ان يتحقق نمو اقتصادي بنسبة 8.7% خلال العام الجاري و6 خلال العام المقبل. وسجلت ماليزيا أفضل معدلات النمو الاقتصادي والمتوقع ان يصل المعدل هذا العام الى 8.5% والعام المقبل بنسبة 5.6%, في الوقت الذي اتهموا غالبية شركاتها بأنها تعتمد على علاقاتها ولم تغير كثير من الشركات أساليب إدارتها. ويشير الذين وضعوا هذا التقرير الى عدة نقاط هامة: ـ تفيد بيانات العجز في الميزانيات كنسبة من اجمالي الناتج الوطني في 15 دولة نامية في آسيا الى أن الشركات اعتمدت على الدعم الحكومي من اجل انعاش اقتصادياتها. ـ سجلت كل دول جنوب شرق آسيا باستثناء اندونيسيا معدل نمو كبيرا في صادرات السلع, ولعب ذلك دوراً هاماً في القضاء على الكساد الاقتصادي. ـ بدأت استثمارات القطاع الخاص الاجنبي تعود لآسيا لكن تدريجياً وبلغ حجم التدفقات المالية على آسيا خلال الاشهر الثمانية الاولى من العام الماضي أكثر من كمية الاموال المتدفقة على المنطقة خلال عام 1998 بكاملة. عن صحيفة (هيرالد تريبيون)