إن ما حدث اليوم من حرب تجارية واقتصادية بين دول المنطقة ومن الأمثلة على ذلك صناعة الألبان ومشتقاتها التي ألهبت الأسواق وحرّكت جهات اقتصادية وسياسية كادت ان تتجمد كمياه القطبين لولا ذلك الحدث, مرورا بصناعة السكر, وقد يتطور الأمر الى غيرها من الصناعات المحلية. فبعض الدول الخليجية تفسر المنافسات الحادة بين المنتجين الخليجيين والتي ينجم عنها انخفاض حاد في مستوى أسعار السلع والخدمات على انه صورة من صور الإغراق التجاري المعروف في أدبيات علم الاقتصاد. وقد لجأت بعض الدول الخليجية بالفعل الى استخدام سلاح الضرائب الجمركية ضد السلع المستوردة بما في ذلك السلع الخليجية التي لم تستوف شروط القيمة المضافة (40%) الوارد في الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لدول الخليج العربية والذي مازال محل جدل منذ تثبيته في الاتفاقية وذلك نظرا لتغير المفاهيم الاقتصادية والانفتاح الاقتصادي الذي تشهده دول المنطقة وترحيبها بالاستثمار الأجنبي الذي أدى بدوره الى تغير مفهوم الشركة الاجنبية وتغير مفهوم القيمة المضافة عن ذلك المفهوم الذي استهدفته الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لدول الخليج العربية في بداية نشأتها. إن الحرب الاقتصادية البينية فيما بينها قطعا لا تخدم المصالح الاقتصادية المشتركة لدول المنطقة, وهي بلاشك تدفعنا خطوات قوية الى الوراء في الوقت الذي يتطلع فيه العالم الى تحرير التجارة العالمية تحت ظل نظام عالمي موحد من كافة القيود الجمركية وغير الجمركية. والحقيقة انه نظرا للتشابه الكبير بين الصناعات الخليجية فإن الخلافات الاقتصادية قد تتطور بالفعل الى حرب اقتصادية مستعرة اذا لم نتداركها من الآن ونبدأ بايجاد الحلول لها. ولاشك ان الحرب الاقتصادية اذا نشبت بين دول المنطقة قد تقضي تماما على المستقبل الاقتصادي للمنطقة ككيان اقتصادي موحد. وان مواجهة حروبا كهذه يتطلب منّا دراسة أسبابها وتشخيصها تشخيصا دقيقا قبل بدء عملية العلاج, الا أن استمرار المسكنات التي اعتدنا عليها قد يؤجل النهاية المشؤومة لكنه لن يحول دونها, ومن الأسباب الفعلية التي تقف وراء ذلك نورد الآتي: * غياب المشاريع الاقتصادية الخليجية المشتركة في السنوات الأخيرة سواء على مستوى القطاع الخاص أم القطاع الحكومي أم القطاع المشترك. وهذا في الحقيقة يفسر لنا جمود الرؤية الخليجية الموحدة في الجانب الاقتصادي. * تشابه المشاريع الصناعية والزراعية والخدمية والتي مازالت تعتمد بدرجة عالية جدا واحيانا كلية على الخبرة والتكنولوجيا الاجنبية مما يصعب معها التمييز بين ما اذا كانت القيمة المضافة في المنتجات المصنّعة محليا وطنية أم أجنبية. * تباين واختلاف الانظمة والقوانين الاقتصادية المحلية من دولة الى أخرى مما يصعب معه توحيد المفاهيم الاقتصادية ومن ثم تقارب وجهات النظر تجاه القضايا الاقتصادية المشتركة. ومن أهم القضايا المشتركة محل الخلاف قضايا الانفتاح للمستثمر الأجنبي وأنظمة الجمارك والمناطق الحرة والمواصفات القياسية للسلع, وطريقة معاملة الخليجي (هل يعامل مثل المواطن أم مثل الأجنبي أم بنظام خاص جديد). * الشطط الكبير في الفلسفة والرؤية الخليجية تجاه الوحدة الاقتصادية وبناؤها على طموحات نظرية واسعة وبعيدة عن الواقعية. فإما ان نغير الواقع تجاه تلك الرؤية وتلك الفلسفة التي بنيناها وهو الأفضل, بيد انه يتطلب قرارات أكثر جرأة. وإما ان نغير من تلك الفلسفة والرؤية لتكون أكثر واقعية وهذا خيار غير مرغوب ولكنه عمليا. ولاشك ان المستقبل الاقتصادي لدول المجلس كدول وحدة اقتصادية لا يبشر أبدا اذا استمر على ما هو عليه. بيد ان شعوب هذه المنطقة التي اعتادت على تلك السياسات الرشيدة من حكّامها تأبى الاستسلام لافرازات القطاع الخاص الذي يتطلع الى الربح ويتحدث بمنطق الربح دون النظر الى ما وراء تلك الحروب التجارية من دمار للكيان الاقتصادي الطموح. وقد تلعب غرف التجارة الخليجية دورا أكبر في اطفاء نار الحرب التي أشعلها القطاع الخاص. د. محمد إبراهيم الرميثي