يبدو ان دول مجلس التعاون الخليجي انتظرت 12 عاما حتى توصلت الى قناعة بأن صبرها بدأ ينفد بالفعل ازاء المماطلات التي يمارسها الجانب الاوروبي في مباحثاته للتوصل الى اتفاقية التجارة الحرة بين الجانبين. وتريد دول المجلس في اجتماعها الجاري، حاليا مع الجانب الاوروبي التوصل الى حلول حاسمة وذلك وفقا لمذكرة عممتها الامانة العامة للمجلس على الدول الاعضاء تمهيدا لاقرارها وتبنيها من دول المجلس قبل عرضها على الاجتماع مع الاتحاد الاوروبي. وتشير المذكرة الى ضرورة التذكير بأن مجلس التعاون كان قد طالب اثناء ابرام اتفاقية التعاون 1988 مع الجانب الاوروبي بالجمع بين هذه الاتفاقية واتفاقية التجارة الحرة وعدم ابرام اتفاقية التعاون الا في نفس الوقت الذي تبرم فيه الاتفاقية التجارية أو على الأقل تأجيل دخول اتفاقية التعاون حيز التنفيذ حتى يتم ابرام الاتفاقية التجارية. ولم يتنازل مجلس التعاون الخليجي عن موقفه هذا أمام الحاح المجموعة الاوروبية الا بسبب الوضع السياسي الذي كان سائدا في المنطقة بعد حصوله على التزام من المجموعة الاوروبية بالتفاوض بشكل سريع حول اتفاقية التبادل الحر. وتتناول المذكرة رؤية المجلس لطبيعة اتفاقية التجارة الحرة حيث تشير الى ان هدف دول المجلس لا يقتصر على التوسع الحالي لصادراتها لمعاجلة العجز في الميزان التجاري مع اوروبا الذي يصل الى 17 مليار دولار سنويا والذي يصل حجمه التراكمي منذ توقيع الاتفاقية التعاون 1988 الى حوالي 100 مليار دولار, بل ان هدف دول المجلس العمل على توسيع تشكيلة المنتجات والاستثمارات الاجنبية في اطار اتفاقية التبادل التجاري الحر. ولاشك ان إبرام اتفاقية بين الطرفين يتطلب الأخذ بعين الاعتبار الفرق الموجود في مستوى التنمية, مما يستدعي في مرحلة أولى ضرورة الحصول بشكل سريع على زيادة مستمرة للصادرات التقليدية لدول الخليج نحو الاتحاد الاوروبي, وذلك من خلال تحسين شروط دخول الصادرات الخليجية السوق الاوروبية والتي تقتصر فقط على المنتجات النفطية والكيميائية والمنتجات النفطية المكررة والالمنيوم, وهي منتجات يعتبرها الاتحاد الاوروبي حساسة لكنها تمثل على المدى القصير المنتجات الوحيدة الموجودة والتي يمكنها رفع معدل تصديرها نحو اوروبا, وبالتالي اصلاح وتقويم عدم التوازن الكبير في الميزان التجاري. وبالاضافة الى ذلك من المهم ان تساهم اتفاقية التبادل التجاري الحر الى جانب الأعمال والاجراءات الهامة التي تنص على اتفاقية التعاون في دعم زيادة نسبة تدفق الاستثمارات المباشرة ونقل التقنية الاوروبية بغية تسريع عملية التنويع الاقتصادي التي تعتبر أمرا حيويا بالنسبة لمستقبل المنطقة على المدى البعيد, حيث ان رفاهيتها واستقرارها يتوقفان على ذلك. ففي هذا الاطار يجب اجراء المناقشات حول الوضع القانوني للصناعات الناشئة وحول الشروط الخاصة التي تتطلبها عملية انشاء الشركات الصغرى والمتوسطة التي تعمل في مجال التقنية الحديثة وعمليات اقامة المشاريع المشتركة. ومما يزيد من أهمية دول الخليج كمصدر للنفط بالنسبة لأوروبا هو ان النفط مازال يمثل أهم مكونات استهلاك دول الاتحاد الاوروبي من الطاقة وهي 45%, وكانت دول مجلس التعاون الخليجي هي المصدر الهام الوحيد لواردات الاتحاد الاوروبي من الطاقة البالغة 23% من اجمالي وارداتها عام ,1997 كما ان اعتماد دول الاتحاد الاوروبي على الطاقة الخارجية من المقرر ان يزيد بنسبة تتراوح ما بين 50 الى 60% حتى سنة ,2010 وحتى ذلك الحين سيكون النفط والغاز من أهم مصادر الطاقة, هذا اضافة الى ان دول مجلس التعاون الخليجي لديها أكبر احتياطي من النفط على مستوى العالم وهو 47% فضلا عن امتلاكها 5.14% من احتياطيات الغاز الطبيعي العالمي. ان خريطة العلاقات الاقتصادية الراهنة بين دول المجلس والاتحاد الاوروبي تعتبر نموذجا للاختلالات الموجودة في علاقات دول المجلس مع بقية التكتلات العالمية والتي تفرض عليها اتخاذ خطوات حثيثة نحو تكتيل وتوحيد جهودها. فنحن لا ننكر أهمية الاسراع في اقرار مشروع التعرفة الجمركية الموحدة بين دول مجلس التعاون, الا ان ذلك لا يبرر استمرار فرض قيود جمركية مجحفة على الصادرات النفطية والبتروكيماوية الخليجية في الوقت الحاضر, بل ان دول اوروبا تقوم في الوقت الحاضر باعطاء العديد من الدول فرادى ومجموعات معاملات جمركية تفضيلية, وهذه الدول لا تمتلك نفس حجم المعاملات التجارية مع أوروبا. حسين محمد