انخفضت العملة المحلية الاندونيسية الى مستويات تذكرنا بالانهيار الكبير الذي حدث إبان سقوط الرئيس سوهارتو من عامين, وذلك وسط عدد من المشكلات التي تحاصر الرئيس عبدالرحمن واحد من تزايد اضطراب اجتماعي وتوتر سياسي وشكوك حول الوضع الاقتصادي في البلاد. وانخفضت الروبية الاندونيسية الى ادنى معدل لها منذ تولي الرئيس واحد الرئاسة منذ سبعة أشهر. ويبدو ان هناك مشكلات كبيرة تواجه الرئيس, لكن المشكلات الاقتصادية هي التي تزيد من التوتر الشعبي. ويحتاج الرئيس واحد حالياً ان يتحدث بلغة الاقتصاد والاستثمار في الوقت الذي وقعت فيه اضطرابات في العاصمة بسبب شغب على يد الاندونيسيين من أصل صيني, تذكرنا بالاضطرابات التي وقعت من عامين وأدت الى سقوط الرئيس السابق سوهارتو. وخارج العاصمة جاكرتا لايزال الوضع متوتراً حتى بعد التوصل الى اتفاق لوقف اطلاق النار مع الانفصاليين في اقليم أشيه ومحاكمة مجموعة من القوات المتهمة بارتكاب مذابح هناك العام الماضي. لكن كثيراً من سكان أشيه قالوا ان الاحكام الصادرة كانت مخففة جداً. كما اندلع عنف جديد بين المسلمين والمسيحيين في منطقة مولوكاس, وهي مجموعة جزر لقي فيها العشرات مصرعهم بسبب أحداث العنف. وازداد أيضا غضب الحكومة التي جاء وزراؤها من عدة احزاب سياسية متنافسة, بسبب الاقالات الأخيرة التي قام بها الرئيس واحد لأسباب قيل انها تتعلق بالفساد, في الوقت الذي قال اخرون انها تهدف الى احكام سيطرة واحد على الأمور وان يكون له اليد العليا. وقد ادى تعيين الرئيس واحد لاخيه الأصغر هسيم مستشاراً لمجموعة اعادة هيكلة البنوك الى توجيه اتهامات له بالعودة الى المحسوبية التي سادت في عصر الرئيس السابق سوهارتو. والأخ الأصغر للرئيس واحد هو رئيس ميليشيا مدنية لاكبر مجموعة اسلامية, وليس هذا هو نوع المنصب المناسب له. لكن الرئيس قال ان دوره سكيون هاماً في استرداد الديون المعدومة التي تعاني منها البنوك. ورغم ان مسئولين في الاحزاب الممثلة في الحكومة قالوا ان الحكومة لاينبغي ان تتدخل لرفع سعر الروبية, قال الرئيس واحد ان الحكومة ينبغي ان تتدخل. وظن البعض انه قد يكون لديه خطة لادخال بعض الضوابط الرأسمالية كما فعلت ماليزيا. لكن صندوق النقد الدولي لن يحبذ ذلك. وقد وافق الصندوق على الافراج عن القرض الذي طال انتظاره بقيمة 400 مليون دولار, مما أعطى أملاً بسيطاً للعملة المحلية. غير ان توقعات سابقة بأن الروبية سوف ترتفع الى نحو ستة الاف مقابل الدولار خلال العام الجاري لاتجد ما تستند اليه لاثارة التفاؤل. فقد انخفضت الروبية مؤخراً الى نحو 8500 لكل دولار, مقابل المستويات التي سادت قبل الازمة المالية الآسيوية عام ,1997 وكانت 2400 لكل دولار. كما انخفضت مؤشرات البورصة وفقدت كل الذي حققت منذ تولي الرئيس واحد السلطة. ويجرى تعديل التوقعات المتفائلة للاقتصاد الاندونيسي فتقدر الحكومة ان النمو الاقتصادي خلال العام الجاري سيصل الى 4%, الذي توقعته من قبل. واتهم أحد مستشاري الرئيس واحد المنافسة الشديدة بين الزعماء السياسيين بأنها السبب في الاضرار التي لحقت بالاقتصاد وإضافة المستثمرين الأجانب. غير ان تصريحات الرئيس, التي غالباً ما تكون متناقضة, لم تساعد في شىء, ولم تفعل تصريحات أي من الوزراء أيضا أي شيء. فقد تساءل وزير الاقتصاد ذاته عن مدى الجدوى من الاستثمار الاجنبي في البلاد, ثم تراجع عن ذلك بعد فترة وقال انه اراد ان يقول انه يفهم أسباب قلق المستثمرين الأجانب. بادرة من صندوق النقد الدولي من المتوقع ان تسجل ماليزيا معدل نمو اقتصادي بنسب 4% خلال العام الجاري, مما يجعل المراقبين يعتقدون ان الاقتصاد الآسيوي الذي أصيب بأكبر نكسة, على طريق الانتعاش. لكن صندوق النقد الدولي أفرج عن قرض بقيمة 400 مليون دولار كان من المقرر ان تصرف لاندونيسيا منذ فترة طويلة لكن الصندوق قد علقه لان جاكرتا اخفقت في اجراء الاصلاحات الاقتصادية التي وعدت بها ووافقت عليها في يناير العام الجاري. وكان صندوق النقد الدولي قد حذر من ان عدم اتمام الاصلاحات الهيكلية قد يؤثر على الدفعة الحالية التي اكتسبها النمو الاقتصادي في البلاد. ولايزال القطاع المصرفي ضعيفاً ويعاني من تراكم الديون المعدومة للشركات التي تحتاج الى اعادة هيكلة, وهناك فساد في النظام القضائي,حتى ان احد المسئولين في الحكومة اقترح الاستعانة بقضاة اجانب للفصل في قضايا إفلاس البنوك. وبالطبع لم يقبل أحد هذا الاقتراح. وقد اندفع وزراء الحكومة نحو اتخاذ بعض الاجراءات الأساسية ووعدوا بتنفيذ مجموعة اخرى منها في وقت لاحق. تشمل المجالات التي تتخذ فيها هذه الاجراءات اعادة هيكلة بنوك الدولة واصلاح مجموعة مبادرة جاكرتا الخاصة, وهي هيئة الوساطة التي فشلت في الاسراع بمحادثات اعادة الهيكلة بين الشركات المدينة والدائنين لها. وقال أحد كبار المستشارين الاقتصاديين أن ما فعله صندوق النقد الدولي كان عبارة عن جرس إنذار. وسوف تبدأ اندونيسيا في اجراءات الطلب من الدائنين في نادي باريس اعادة هيكلة ديون مقدارها 1.2 مليار دولار مستحقة على الحكومة. ولم يتوقع أحد ان يتوصل نادي باريس الى اي قرار بخصوص اعادة هيكلة الديون الاندونيسية قبل ان يقرر صندوق النقد الدولي الافراج عن القرض الذي تقرر صرفه الان. وقال أحد الدبلوماسيين الغربيين ان المفاوضات كانت عصيبة وصعبة جداً وانه لم يكن يفضل ان يكون في الوفد الاندونيسي أبداً. وقال محللون ان الأيام السابقة اثبتت ان اندونيسيا بإمكانها ان تحقق تقدماً في الاصلاحات التي تريد اجراءاها اذا رغبت في ذلك. وقال مصدر في معهد الدراسات الدولية ان هناك جهوداً كبيرة تبذل خلال الفترة الماضية. لكن المنتقدين يتساءلون لماذا لم يتم تنفيذ خطوات الاصلاح المطلوبة حتى يفرج صندوق النقد الدولي عن القروض في موعدها. يرجع كثير من اللوم على فريق من الوزراء مسئول عن الشئون الاقتصادية ويرأسه وزير تنسيق الشئون الاقتصادية. وهناك اعضاء آخرون مثل وزراء المالية والاستثمار. وكل هؤلاء وزراء جدد وبعضهم غاضب مما يعتقده تدخلاً من جانب صندوق النقد والبنك الدوليين. وقال مصدر دولي ان هناك نوعاً من الرضا عن النفس لان النمو خلال الربع الأخير من العام الماضي كان جيداً. وهناك شعور عام بانه ليس هناك داع للتسرع. غير ان طابع التفتت في حكومة الرئيس عبدالرحمن واحد يدعو الى القلق ويمثل مشكلة. فكان عليه ان يعين وزراء من جميع الاحزاب السياسية مقابل نجاحه في الانتخابات. مثلاً ينتمي وزيرا التنسيق الاقتصادي والاستثمار الى الحزب الوطني الذي ترأسه نائبة الرئيس ميجاواتي سوكارنو بوتري, وينتمي وزير المالية الى مجموعة اسلامية منافسة برئاسة أمين ريس, رئيس البرلمان. هذه المنافسة السياسية تنعكس على السياسة الاقتصادية, حيث يقال ان وزير الاستثمار مثلاً ناضل من اجل السيطرة على بنوك الدولة, التي كانت تستخدم في الماضي كنوع من موارد السيطرة السياسية. لكن وزير المالية فاز في هذه المباراة وفاز بالسيطرة على بنوك الحكومة وخسر في معارك اخرى. وانتشرت شائعات في جاكرتا بأن الرئيس واحد الذي طالما أراد ان ينقى حكومته سيتخلص من بعض أفراد الفريق الاقتصادي. وقال أحد مستشاري الرئيس ان التحذير وجرس الانذار السابقين من الصندوق قد وفر له الفرصة الذهبية ليفعل ذلك. ولم ينتظر الرئيس واحد حتى تصويت البرلمان على أدائه في اغسطس العام الجاري, لتجنب أي إنتقاد من الاحزاب التي قد ينتمي اليها الوزراء الذين ينوى الرئيس إقالتهم. والان بعد ان وجه الرئيس واحد اتهامه للاقتصاد, تأمل مؤسسات الاقراض الخارجية ان تزداد سرعة الاصلاحات الاقتصادية وتقدمها. ولايزال هناك نوع من المخاطرة كما يقول المستشارون لان المسئولين الحكوميين سوف يحاولون تنفيذ نصوص الاصلاحات, لكنهم يدمرون روحها لأسباب سياسية. وكانت تعيينات كبار المسئولين في المناصب الحكومية والشركات معركة كبرى, حيث حاول أصحاب المصالح الاحتفاظ بنفوذهم وتريد الاحزاب السياسية إقامة موارد تعطيها سيطرة سياسية قبل الانتخابات المقبلة عام 2004. وقال خبير اقتصادي محلي رفض التصريح بشخصيته انه لايمكن انكار ان أسباباً سياسية كانت وراء التعيينات الجديدة الاخيرة, وقال انه لابد من تذكير الحكومة بالاخطاء الماضية, لأن التعيينات في المناصب الهامة ينبغي ان تكون على اساس الكفاءة المهنية وليس لأسباب سياسية.