أثار تهافت عدد من الشركات العالمية المتخصصة في تسويق السلع الاستهلاكية على السوق المصرية الجدل في الأوساط الاقتصادية حول مستقبل التجارة الداخلية في ظل انفتاح السوق ودخول الشركات العالمية وبعضها متعدد الجنسيات الى حلبة المنافسة مع الشركات ومراكز التوزيع المصرية بامكانياتها المحدودة. الجدل بدأ مع افتتاح شركة سنسيبري البريطانية لسلسلة متاجر لها في القاهرة بعد أن سبقتها (مترو) الألمانية وتحفز شركات أخرى مثل (كارفور) الفرنسية و(شوبريت) الجنوب افريقية الى دخول الحلبة في الوقت الذي بدأ التخوف الجدي على مستقبل منافذ توزيع السلع الوطنية سواء التي تتخذ شكل شركات كبيرة مثل المجمعات الاستهلاكية العامة التي تضم الأهرام والاسكندرية وسومانيل وحتى محلات السوبر ماركت الكبيرة والصغيرة المملوكة لأفراد. (البيان) وعبر هذه السطور تحاول الوقوف على مستقبل التجارة الداخلية في مصر في ضوء المستجدات التي أحدثها دخول شركات توزيع السلع الاستهلاكية العالمية الى السوق المصرية. منافسة شرسة في البداية يقول وز ير التجارة الداخلية والتموين المصري الدكتور حسن خضر: (إننا مقبلون لاشك على منافسة شرسة في سوق التجارة الداخلية حيث وضعنا استراتيجية لمواجهة المرحلة المقبلة في ظل الظروف العالمية الجديدة وفتح الأسواق الداخلية أمام التجارة الدولية واستعداد بعض الشركات العالمية الخاصة بتوزيع السلع لدخول الأسواق المصرية. ويعترف وزير التموين المصري بأن دخول هذه الشركات العالمية بما لديها من خبرات عالمية وامكانات تسويقية هائلة تمكنها من تسويق جميع المنتجات بالأسواق الداخلية في جميع انحاء العالم سواء كانت لمنتجات البقالة أو الأدوية أو اللحوم, بأسعار تقل كثيرا عن مثيلتها في مصر مشيرا الى أن هذه الظروف ستجعل دور الوزارة في غاية الأهمية علما بأننا أعددنا استراتيجية جديدة خاصة بالشركات التابعة للوزارة أو منافذ التوزيع الخاصة بها تمكنها من مواجهة هذا التدفق الهائل للسلع في مجال التجارة الداخلية. بدائل واستراتيجية ويكشف وزير التموين والتجارة الداخلية المصري أن هذه الاستراتيجية تتضمن عدة بدائل لصالح مصر وتجارتها الداخلية وأن هذه البدائل التي تشملها الاستراتيجية سيتم عرضها على الجهات المسئولة بالدولة بحيث تلبي الصالح العام للبلاد. ويشير خضر الى أن خطورة هذه الشركات يكمن في أن أسعارها تقل بنحو 40% عن الداخل حيث تقوم فكرة عملها على أن العالم عندما يتطور يتحول الى نظام (الانتاج الكبير الذي يواكبه نظام التسويق الكبير وأن التكامل في عملها رأسي بمعنى أنها تملك المزارع الخاصة بالانتاج بالاضافة الى الانتاج الحيواني والمصانع التي تقوم بانتاج وتصنيع ما توزعه وان كل ذلك ينعكس على تقليل نفقات الانتاج والتصنيع بما ينعكس في النهاية على أسعار السلع بالأسواق مدللا على صحة ذلك في أن شركة (سنسيبري) البريطانية قامت مؤخرا بشراء انتاج شباب الخريجين وتحصل على انتاج من درب الأربعين ومنطقة توشكي جنوب الوادي (مصر). تشريع واحتكار ومن جهته يهاجم رئيس لجنة الصناعة والطاقة في مجلس الشورى ورئيس اتحاد الصناعات الأسبق محمد فريد خميس فتح الأسواق المصرية أمام مثل هذه الشركات العالمية التي تقف وراءها الحكومات المختلفة دون الاسراع في سن تشريع منع الاحتكار وايجاد الآلية التنفيذية لمنع سيطرة هذه الشركات على سوق التجارة الداخلية سواء سلع استهلاكية أو غذائية أو مجمدة إذ أن المنشآت الوطنية تعتمد عليها بنسبة 80% في تسويق انتاجها وأن عمليات خصخصة منافذ التسويق سواء المجمعات الاستهلاكية أو شركات التجارة الداخلية يجب ألا تتاح للأجانب والاقتصار على المصريين أو العرب فقط ضمانا لعدم احتكار السوق أو الاضرار بالمنشآت الصناعية المصرية مدللا على صحة كلامه بما أحدثته شركة (سنسيبري) من بيع بأقل من تكلفة المصنع لبعض المنتجات في السوق المحلي مما هدد قطاع التجارة الداخلية بأكمله. التريث مطلوب ويتفق محمود العربي رئيس اتحاد الغرف التجارية أو (شهبندر التجار) مع ما قاله فريد خميس ويطالب بعدم فتح سوق التجارة الداخلية أمام الأجانب في هذه المرحلة من الاصلاح الاقتصادي والانتظار قليلا حتى يتم الانتهاء من مرحلة الاصلاح المالي والاداري, والصناعي واعادة هيكلة قطاع التجارة الداخلية بتكوين شركات محلية ذات رأسمال كبير تستطيع مواجهة المنافسة القادمة في قطاع التجارة الداخلية مشيرا الى ما قبل تمصير الاقتصاد في الخمسينات, فضلا عن أن يكتفي باسناد دخول الأجانب لقطاع التصدير ومساعدة الاقتصاد الوطني في زيادة نفاذيته للأسواق الخارجية بالسلع والمنتجات لزيادة الصادرات التي مازالت تدور حول 4 مليارات دولار سنويا مقابل واردات تفوق 13 مليار دولار سنويا مما يشكل عبئا على ميزان المدفوعات وحجم الطلب المحلي على (الدولار) والعملات الصعبة. ويحذر العربي من مغبة أن تتحول السوق المحلي عبر هذه الشركات التي تقدمت الى الحكومة رسميا لفتح منافذ تسويق لها الى ترويج المنتج المستورد على حساب المحلي بمنح المزايا السعرية, والنوعية على المستهلك حيث يفوق حجم الاستهلاك المحلي نحو 13 مليار جنيه سنويا ولدى المستهلك المحلي رغبات استهلاك عالية نتيجة تحسن مستوى الدخل من 504 دولارات سنويا في الثمانينات الى 950 دولارا سنويا علما بأن مصر ملتزمة بفتح الأسواق كليا بنهاية عام 2004. ميثاق شرف وفي اتحاد الصناعات المصرية يرى الدكتور عبدالمنعم سعودي أن قضية دخول شركة سينسيبري البريطانية وما صاحبها من شكوى تجار الجملة والتجزئة والصناع جعلنا نعقد لقاء مع أصحاب الشركة خرجنا من خلاله بميثاق شرف يتضمن عدة مبادئ تركز على أن اتحاد الصناعات حريص على جميع أطراف حلقات تداول السلع بدءا بالمنتج ومرورا بالتاجر وحتى المستهلك فضلا عن أن اقامة الحملات الترويجية لكل من التجار وشركات البيع تكون لفترة زمنية محددة تتوافق مع الأعراف التجارية. ويضيف سعودي أن هذا الاتفاق يستهدف أساسا حماية المستهلك وتنمية الاقتصاد وجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية وحماية التجار والمنتجين من أي ممارسات غير عادلة بالأسواق مطالبا جمعيات حماية المستهلك ممارسة دورها في حماية المستهلكين فورا والاسراع في اصدار قانون منع الاحتكار مشيرا الى أن التجار والمنتجين شركاء مع الحكومة وليسا فريقين متخاصمين. ويرحب سعود ي بدخول شركات التجارة الداخلية الأجنبية اذا كانت تستثمر في مصر وتقدم خدمة جيدة وسلعة على مستوى عال وتتبع آليات السوق المفتوح التي تسود كافة أنحاء العالم إلا أن ما حدث من أول شركة تدخل السوق المصري (سيسنيبري) من بيع السلع بأقل من سعر المصنع تعتبر جديدة على السوق المصري الذي لم يتعود عليها وكان يجب أن تكون هذه الآليات تدريجية وفقا للسوق والتجارة حتى يتم توفيق أوضاعهم مطالبا أن تكون المنافسة شريفة ولا تضر بخروج أحد من السوق أو افلاس تاجر أو مصنع. ويعترف رئيس اتحاد الصناعات المصري أن الآليات القانونية الحالية لاتسمح بحل هذه المشكلة مستقبلا ولايوجد حاليا التسعير ا لذي يتناسب مع آليات السوق علاوة على انه يجب أن يعي الجميع أن أمامنا السلع المستوردة وتكلفتها أقل ويجب علينا جميعا توفيق أوضاعنا قبل فتح الباب لهذه الشركات العالمية علما بأن المشكلة الكبرى لدينا أن غالبية الشركات صغيرة ومتوسطة وأعباءها كبيرة وكثيرة وعليها توفيق أوضاعها. يشار الى أن تجربة سينسيبري التي شهدها السوق المصري خلال الشهرين الماضيين تتركز في أن أحد المنتجات مثل مسحوق الغسيل نوعية ايريال سعر تسليمه للمصنع 7.31 جنيها لعبوة 5 كيلو جرامات للغسالات الاوتوماتيك قامت ببيعه بسعر 5.28 جنيها مصريا ونفس الشئ في الشاي الليبتون 90.9 جنيهات بينما سعر مصنعه 40.10 مما جعل الناس تتساءل وتتهم التجار في مصر 3 ملايين تاجر بأنهم مستغلين للمستهلك طوال الفترة الماضية وحجبت تجار التجزئة على استلام أ ي كميات من نحو 70 سلعة تباع في هذه المحال الجديدة بأقل من سعرها الرسمي للمصنع علما بأن هامش الربحية تراجع في الآونة الأخيرة الى أقل من 5% في هذه السلع وهناك تجار لاتزيد أرباحهم على 4% فقط وفي ظل الممارسات السابقة والتي يمكن أن تتكرر ويخفض التجار أرباحهم لأقل من 6 الى 8% من تكلفة السلعة مما يلحق خسائر مستمرة ستؤثر في النهاية على كل من الصانع والتاجر والمستهلك. فاتورة مخفضة والمدهش أن الرئيس الاقليمي لشركة سينسيبري عمرو النشرتي يردد أنه في الوقت الذي يعد المستهلك بتقديم سلع أرخص من السوق سيقوم باعادة النظر في تسعير المنتجات ليقدم فاتورة غذاء مخفضة للجمهور نافيا أن تكون شركته راغبة في احتكار السوق ولكن تسعر من خلال هامش ربح قليل وحجم أعمال كبير أن تعرض المستهلك متمنيا أن ترتفع حجم الاستثمارات الى مليار جنيه خلال عامين مقبلين مقابل 500 مليون جنيه حاليا عقب افتتاح فروع جديدة للشركة في مصر علاوة على أننا نخطط للاستثمار في منطقة الشرق الأوسط وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ودولة الامارات والكويت وقطر. ويشير النشرتي الى أن عدد تجار المواد الغذائية في مصر لايتعدى 38 ألف تاجر من اجمالي 3 ملايين تاجر مقيدين باتحاد الغرف التجارية لاتستحوذ الشركة حاليا الا على 19% من اجمالي حجم سوق التجارة الداخلية في هذا القطاع مقابل 64% للمحلات الصغيرة واننا قبلنا الاتفاق مع اتحاد الصناعات على (ميثاق شرف) بعدم البيع بأقل من سعر المصنع طواعية بدون اجبارنا على شئ وأن ناتج عملنا في ذلك الأسعار المخفضة مربحة وأن الاتفاق لايعني أننا سنزيد أسعارنا وطلبنا مقابل ذلك تأييد اتحاد الصناعات في التفاوض مع المنتجين لتقديم السلعة الجيدة بالسعر العادل نافيا أن تكون شركته سببا في غلق محل واحد في مصر علما بأن الشركة ملتزمة بسياساتها الرامية الى أن تكون أسعارها هي الأقل على مستوى السوق المصري. ويتهم النشرتي ارتفاع الأسعار في المحال البديلة التي تختلف من محافظة لأخرى تعود الى زيادة الحلقات الوسيطة ومنها على سبيل المثال كيلو المانجو لايتعدى جنيهين في الحدائق يصل للمستهلك بسعر يتراوح بين 10 الى 12 جنيها فلماذا كل هذا الفارق علاوة على أن آليات السوق تجبر المنتجين على تخفيض تكلفة انتاجهم ومنها على سبيل المثال تكلفة انتاج الدواجن بالسعودية أقل 40% عن نظيرتها في مصر 50.5 جنيهات للكيلو جرام الواحد. منافسة وحرق وينتقل الدكتور محمود الامام أستاذ الاقتصاد ووزير التخطيط الأسبق ما يحدث في سوق التجارة الداخلية. إذ أن هناك فارقا بين المنافسة الشريفة في ظل مجتمع اقتصادي مفتوح يتميز بالشفافية وبين شركة تحرق الأسعار وتدخل الى السوق من الباب الخلفي, فالمنافسة لاتعرف الاحتكار وآلية السوق لايجب أن تعرف الغش والتدليس ومخالفة القانون حتى يثمر ويأتي بنتائج ايجابية لصالح المستهلك والتاجر في نفس الوقت منتقدا ما شهده لقاء اتحاد الصناعات مع ممثلي الشركات المصرية والاجنبية إذ ظهر اتحاد الصناعات والذي يبلغ أعضاؤه 14 ألف منشأة صناعية الى اتحاد تجار أو وكالات تجارية أجنبية. وتساءل ماهو العائد الاستثماري على مصر من جراء دخول شركات أجنبية تبيع البيض والزيت والصابون للمستهلك المصري حيث تستورد من الخارج والداخل لتبيع للمستهلك, وما هي (القيمة المضافة) للاقتصاد المصري بعد اغتصاب شركة سينسيبري مثلا لـ50 منفذا للمجمعات الاستهلاكية التي نشأت أساسا لتبيع السلع الأساسية للمواطنين خاصة محدودي الدخل بأسعار مناسبة علما بأن وزارة التموين كانت فيما مضى تدعم سلع المجمعات لتحقيق أكثر من نتيجة أهمها توفير السلع الاستراتيجية لمحدودي الدخل, وضبط الأسعار في السوق الداخلي, لمنع التلاعب وتحايل التجار وتوفير منافذ للسلع التي تنتجها المصانع المملوكة لقطاع الأعمال العام. تهديد وتجار ويعتبر رئيس الشعبة العامة للمستوردين باتحاد الغرف التجارية المصرية أن ممارسة الشركات العالمية ودخولها في السوق المصري سيلحق ضررا لا محالة بالاقتصاد القومي ويهدد أكثر من 100 ألف تاجر تجزئة وجملة إلا أنه مع تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر وضد أي ممارسات احتكارية. اذ أن هذا ضد الاقتصاد الحر ولابد من الرجوع للقانون الذي يمنع الأجانب من ممارسة التجارة وليس من مصلحة المنتج أن يتعامل مع تاجر واحد فقط إذ أن ذلك سيجعل هذا التاجر فيما بعد يفرض أسعاره على المنتج خصوصا أن هذه الشركات تعتمد في أسلوب عملها على شراء انتاج خطوط الانتاج بكاملها من المصانع بسعر يكفل لها البيع بأقل من سعر بيع المصنع نفسه للموزعين وتجار الجملة فضلا عن بيع بعض السلع بنصف ثمنها مع تحميل أية فروق أسعار على سلع أخرى حتى تضمن الربح وكسب الزبائن في نفس الوقت.
