لا خلاف على الأهمية الاستراتيجية التي تمثلها صناعة الحديد والصلب في أية دولة, حيث أصبح وجود هذه الصناعة أساسيا لبناء وتطوير قاعدتها الصناعية, تلبي من خلالها احتياجاتها من هذا المنتج وتستطيع بعدها أن تتجه إلى التصدير والمنافسة عالميا. وهذا ينطبق على صناعة الحديد والصلب بالدولة, حيث شهدت ولاتزال تطورا كبيرا, وتحققت بها إنجازات عديدة منذ النهضة العمرانية في منتصف السبعينات وحتى قدرتها على المنافسة عالميا في الوقت الحالي. فما هي حقيقة تطورات هذه الصناعة وواقع مشكلاتها الحالية؟ قراءة الواقع تقول إن الدول العربية ودول مجلس التعاون قد قطعت خطوات جيدة في مجال صناعة الحديد والصلب, وعملت هذه الدول جاهدة على إدخال هذه الصناعة ضمن استراتيجيتها الصناعية مستخدمة أحدث الأساليب والتقنيات المتقدمة. وقد جاء الاهتمام بهذه الصناعة بدول المنطقة مواكبا للنهضة العمرانية, التي شهدتها خلال الثلاثة عقود الماضية, حيث كان الحديد والصلب ومنتجاته المختلفة هو عماد عملية التنمية التي مرت بها البلاد على مدار تلك السنوات, باعتباره أحد العناصر الرئيسة والمهمة في أعمال البناء والتشييد التي انطلقت بها, الأمر الذي أدى إلى تعاظم الاهتمام بها. ويعكس ذلك ما وصلت إليه الطاقة الإنتاجية بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية من منتجات حديد التسليح فقط, والتي بلغت نحو 5.3 ملايين طن خلال العام الجاري ,2000 وسوف ترتفع إلى 5.4 ملايين طن بحلول العام المقبل 2001. إضافة إلى ذلك فإن دول المنطقة تستورد نحو 500 ألف طن سنويا, وبالتالي فإن الكميات المعروضة خلال العام تقدر بنحو 4 ملايين طن, وستزداد في العام 2001 لتصبح 5 ملايين طن. في حين يبلغ طلب دول المجلس نحو 5.3 ملايين طن, ولا يتوقع أن يشهد الطلب أكثر من 5.3% زيادة سنوية, كما لا يتوقع أن تنخفض كمية الواردات من الخارج بسبب مستويات أسعار الشراء في الأسواق الخليجية, التي تعد مناسبة للمصدرين. في حين تشير التقديرات إلى أن إجمالي الإنتاج العربي يقل عن حجم الطلب في السوق العربية بمقدار 5.4 إلى 5 ملايين طن سنويا. ولكن ما هو الوضع الحالي لصناعة الحديد والصلب في دولة الإمارات؟ وما الذي وصلت إليه هذه الصناعة المهمة على خارطة الصناعات التحويلية بالدولة؟ يشير تقرير حديث حول الصناعة في الإمارات, للاتحاد العربي للحديد والصلب, إلى أن الاهتمام بهذه الصناعة في الدولة بدأ في منتصف السبعينات, حيث كانت الإمارات أولى دول مجلس التعاون التي أدخلت هذه الصناعة, من خلال أهلي للصلب بدبي في العام ,1975 والذي كان يعمل بطاقة إنتاجية محدودة, وكان هناك مصنع آخر في الشارقة لصهر وتشكيل الحديد, وعدد من الورش الصغيرة التي كانت منتشرة في الدولة (للسكب) . موضحا أن هذه الصناعة لم تتطور خلال العقود الماضية, على نحو مماثل للتطور الذي تم تحقيقه في مجال الصناعات الكيماوية والبتروكيماويات التي تعتمد على القطاع النفطي. ولكن على الرغم من ذلك فإن تطوير هذه الصناعة ظل يشغل المسئولين باعتبارها صناعة مهمة وحيوية لتنويع مصادر الدخل الوطني. ويضيف التقرير أن فكرة إقامة مشروع للحديد والصلب ظلت على مدى السنوات الماضية إحدى الأفكار الرئيسة التي وجدت طريقها إلى الوجود مؤخرا, من خلال إقامة مصنع للحديد والصلب في أبوظبي بطاقة 500 ألف طن من حديد التسليح سنويا. وتشير التوقعات إلى ان المشروع سيبدأ الإنتاج الفعلي له في بداية العام المقبل ,2001 ويتبع هذا المشروع المؤسسة العامة للصناعة بأبوظبي, والتي تتولى تنفيذه في إطار ائتلاف يضم عددا من الشركات العالمية, منها ثلاث شركات ألمانية وشركة إيطالية, حيث سينتج هذا المصنع قضبان حديد التسليح بأقطار تتراوح ما بين 18مم و32مم, وتبلغ قيمة الاستثمارات فيه نحو 123 مليون دولار. ويعد هذا المشروع أول وأكبر مشروع لإنتاج الصلب بهذا الحجم والمواصفات في الدولة. كذلك فإن هناك مصنعا آخر ستتم إقامته في دبي, والذي يتبع شركة أهلي للحديد بعد أن توقفت عن الإنتاج في مصنعها القديم, وتبلغ الطاقة الإنتاجية للمصنع المزمع إنشاؤه نحو 450 ألف طن من المنتجات الطويلة, وسينتج هذا المصنع قضبان التسليح بأقطار تتراوح مـا بين 8مم و40مم, والأسلاك من 5.5مم إلى 16مم, وسيقام المصنع في مجمع تطوير دبي للاستثمار في جبل علي بتكلفة إجمالية تبلغ نحو 130 مليون دولار. ويتوقع أن ينتهي العمل في هذا المصنع في أوائل العام ,2001 وتتولى إقامة المصنع شركة داينيلي, من حيث تصنيع خطوط الإنتاج وتصميم وبناء المصنع. ويقول التقرير إن هناك مشروعا ثالثا لإنتاج أسلاك الصلب على البارد بأبوظبي, تتولى إنشاؤه شركة أبوظبي للمشروعات الصناعية (أدنيب) , بالتعاون مع شركة كوخ الألمانية بنسبة 5.27%. وتبلغ التكاليف الاستثمارية للمشروع المنتظم نحو 170 مليون درهم, ويقوم بإنتاج أسلاك وقضبان وشبكات التسليح للسوق المحلية, الأمر الذي يساعد على تلبية احتياجات عدد من الصناعات الصغيرة التي سوف تعتمد على منتجاته, ويتوقع أن يباشر المصنع إنتاجه خلال العامين المقبلين. ومما لاشك فيه أن هذه المشروعات, إضافة إلى عشرات المشروعات القائمة حاليا في مجال سحب الأسلاك وورش السكب ومصانع الإنشاءات المعدنية المصنعة, والتي تتكون من المنشآت الحديدية والأعمدة والهياكل الحديدية لأعمال البناء والأبواب والنوافذ الحديدية وتركيب المصبات البترولية, وغير ذلك من أعمال ومنتجات حديدية متنوعة. ومن هنا فإن هذه الصناعة سوف تجد نفسها أمام انطلاقة جديدة يمكنها من خلالها أن تستطيع الوفاء بجزء كبير من احتياجات السوق المحلية, والتي تجاوزت كمتوسط خلال التسعينات نحو مليون طن من المنتجات الطويلة والمسطحة. وفي الحقيقة أن أهمية إقامة هذه المشروعات تكمن ليس فقط في كونها تلبي احتياجات السوق المحلية من منتجات الصلب, وخاصة قطاع البناء والتشييد, وإنما ستؤدي كذلك إلى إقامة صناعات جديدة تعتمد على منتجات الصلب, وتسهم في تحقيق توجهات الدولة نحو تنويع مصادر الدخل وتعزيز المكانة الصناعية لها, على اعتبار أن صناعة الصلب تشكل مظهرا وطنيا متميزا. كما أن قيام صناعة متطورة للصلب سوف يساعد في تنمية النشاط الاقتصادي, وتفعيل دور الصناعة والتجارة في التطور والتنمية الاقتصادية, ليس هذا فحسب بل ستلعب دورا مهما في زيادة إسهام القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي. ويؤكد تقرير الاتحاد العربي للحديد والصلب أن المشروعات الجديدة في مجال الصلب, والتي ستدخل مرحلة الإنتاج في مطلع هذا العقد تشكل إضافة مهمة في مجال تطوير الصناعة في الإمارات, خاصة وأن صناعة الصلب تعتبر من الصناعات (المصنعة) , حيث تقوم عليها عدة صناعات أخرى, كما أنها سوف تشكل أساسا لتحقيق تنمية صناعية مستديمة, ولكن في الوقت نفسه الذي تتجه فيه الإمارات إلى إقامة صناعة ثقيلة في مجال الصلب, فإنها تولي أهمية خاصة لتوسيع طاقتها في مجال الصناعات الكيماوية والبتروكيماوية, مستفيدة من وجود طاقات كبيرة في مجال الغاز والنفط. وفي الواقع أنه على الرغم مما حققته صناعة الحديد والصلب في الدول العربية ودول الخليج من نمو وتطور على مدار السنوات الماضية, إلا أنها تواجه عددا من التحديات والمعوقات التي تعيق تحقيقها مزيدا من النمو وتحد من قدرتها من المنافسة على المستوى العالمي. ومن أهمها استيراد منتجات رديئة وذات مستويات وأسعار متدنية, وقد تصل في بعض الأحيان إلى أدنى من تكلفة الإنتاج, نتيجة لعدم وجود ضوابط تحدد دخولها. والسبيل الوحيد لمواجهة هذه المشكلة هو قيام الجهات المسؤولة في الدول العربية باتخاذ الإجراءات اللازمة, لتوحيد مواصفات عربية تطبق على الواردات من الخارج, بحيث لا تسمح مختبرات الجودة النوعية في البلدان التي ترد إليها هذه المنتجات العربية بدخول أي منتج لا تنطبق عليه الشروط والمواصفات العربية الموحدة, مما يؤدي إلى حماية المنتجات العربية وإعطائها الفرصة للمنافسة, ويساعد على حماية المستهلك وضمان تزويد المشروعات الإنشائية بمنتجات ذات جودة عالية, ضمانا للمحافظة على تلك الاستثمارات الوطنية. والعامل الآخر في سبيل نمو صناعة الحديد والصلب العربية وتطويرها, لتصبح قادرة على المنافسة العالمية, هو إيجاد نوع من التكامل بين الصناعات العربية للحديد والصلب ووجود اكتفاء ذاتي في إنتاج المنتجات الطويلة في دول الخليج العربي وجمهورية مصر العربية, إلى الحد الذي يسمح بتصدير جزء من إنتاج هذه الدول إلى الدول العربية الأخرى التي توجد بها حاجة للاستيراد, وبالتالي فإن وجود ذلك يستدعي التنسيق عند التفكير في إنشاء مصانع جديدة للحديد والصلب في المنطقة, بحيث يراعى التكامل في ما بين الصناعات العربية وعدم السماح بإنشاء صناعات يوجد بها اكتفاء ذاتي, وبدلا من ذلك يتم العمل على تطوير صناعات تحتاجها المنطقة, مثل صناعة مسطحات الصلب. وقد أخذت شركة حديد بعين الاعتبار أهمية هذا الموضوع, عند التخطيط لإنشاء مجمعها الجديد لمنتجات مسطحات الصلب المدرفلة على البارد والساخن المجلفنة.