بقلم: لستر ثرو ـ العميد السابق لكلية سلون الأمريكية للإدارة كأن جميع خيوط اللعبة الاقتصادية قد تجمعت في يد الاقتصاد الامريكي, هكذا يفهم من خلال قراءة كلام لستر ثرو, وهو فهم صحيح بالفعل! فالملاحظ اعتماد سرعة أداء الاقتصادات العالمية, ارتفاعا وانخفاضا, على معدلات نمو الاقتصاد الامريكي ودرجة انتعاشه, وبكلمة فإن ازدهار هذه الاقتصادات وأزماتها مرتبطان بنشاط الاقتصاد الامريكي وركوده. لكن مؤشرات قياس نمو هذا الاقتصاد لاتزال حتى الآن غير دقيقة, ولا نقول خاطئة, وهو ما يصيب سياسات الكثير من الدول بالإرباك والاضطراب. تشترك دول العالم الآن في رهان كبير حول ما إذا كانت معدلات النمو المتسارع لاقتصاد الولايات المتحدة الامريكية قد تجاوزت حدود المعقولية, وما إذا كان يتوجب عليها أن ترفع من معدلات الفائدة كي تخفض من مستوى النمو بشكل كبير. فمع وجود عجوزات في ميزانيات دول العالم الأخرى تقدر بنحو 400 مليار دولار امريكي, فإن إمكانية حدوث ازدهار في هذه الدول متوقف على المبيعات الامريكية. ففي حالة حدوث ركود امريكي, فإن الصادرات الأجنبية المتجهة إلى الولايات المتحدة ستنخفض بشكل كبير, وسيتسبب الأمر في حدوث أزمات اقتصادية في بقية دول العالم تفوق ما يحدث داخل الولايات المتحدة نفسها. وقبل أن نتفق أو نختلف مع السياسات الخاصة بمعدلات الفائدة التي وضعها آلان جرينسبان ومجلس الاحتياط الفيدرالي, علينا أولا أن نجيب عن السؤالين الآتيين: الأول ما هو معدل السرعة الذي يجب أن يقف عنده الاقتصاد الامريكي؟ وبأية سرعة عليه فعلا أن يسير قبل أن يحدث تضخم؟ والسؤال الثاني: إذا كان الاقتصاد الامريكي بالفعل يتعدى السرعة المعقولة في النمو, كيف لك أن تقوم بفرملة هذه السرعة قبل أن تقع حادثة؟ وبعبارة أخرى كيف لك أن تقوم بإبطاء خطى الاقتصاد من دون إحداث ركود؟ ففي العام 1994 عندما وصلت نسبة البطالة إلى 6% في امريكا, أكد العديد من خبراء الاقتصاد وكل أعضاء مجلس الاحتياط الدولي أن هذه النسبة هي الحد الأدنى الذي سوف تحدث بعده حالة من التضخم, بمعنى أنه إذا انخفضت البطالة عن 6% سيزداد معدل التضخم. إلا أن هذا القول لم يكن صائبا, فالبطالة كانت تدور حول معدل 4% لمدة زادت عن العام, إلى درجة أنها انخفضت عن 4% حديثا, ولم يكن هناك إلا مؤشرات قليلة, إن لم تكن غير موجودة في الأصل, على حدوث تزايد في معدلات التضخم. وقد قام كارتل أوبك برفع أسعار الجازولين, إلا أن هذا الأمر كان ليحدث مهما كان معدل البطالة الامريكية. فإذا نظرنا إلى ولاية مثل ماسا شوسيتس, حيث تنخفض نسبة البطالة عن 4% بكثير, نجد أنه لا يوجد إلا مؤشرات قليلة للغاية تشير إلى حدوث التضخم. ويذكر هنا أن انتشار التكنولوجيا يؤدي إلى خفض الأسعار في نواح كثيرة من الاقتصاد, مثل الزراعة والمواد الخام والطاقة والإليكترونيات. وعلى نحو مغاير للثمانينات, نجد أن السياسة النقدية ليس عليها الآن أن تخوض المعارك الخاصة بمكافحة التضخم وحدها, ولربما يمكن أن يقل معدل الأمية عما هو عليه الآن دون أن يكون هناك خطر حدوث تضخم. فارتفاع معدل النمو لم يؤد إلى النقص المتوقع في القوى العاملة, وأسباب ذلك بسيطة.. فمنذ العام 1994 انخفض عدد هؤلاء الذين ليست لديهم وظيفة بمقدار 3.2 مليون, ولكن في الوقت نفسه ازداد عدد الموظفين بمقدار 1.12 مليونا. فإذن الإحصاءات الخاصة بأعداد العاطلين في العام 1994 كانت خاطئة, فقد كان هناك ملايين من الناس لم يتم اعتبارهم في تعداد العاطلين في ذلك العام, حيث كانوا فقط متقدمين لشغل وظائف حينذاك, ولربما كان هناك ملايين مثلهم. وبعد الوصول إلى الحد الأدنى من البطالة الذي بعده يحدث تضخم, فإن حد السرعة الخاص بأي اقتصاد يعتمد على السرعة التي تنمو بها قوة العمل والإنتاجية الخاصة بهذا الاقتصاد. وفي الولايات المتحدة الامريكية, تنمو قوة العمل الداخلية بمعدل 1% سنويا, إلا أن هناك مليون مهاجر يدخلون البلاد بطريقة شرعية ومليونا آخرين يدخلون بطريقة غير شرعية يضافون كل عام لتعداد الشعب, وبعض هؤلاء كبير جدا أو صغير جدا لدرجة لا تمكنه من العمل, ولكن وجودهم يؤدي إلى إضافة 1% إلى معدل نمو قوة العمل سنويا. وعلى الوجه الآخر نجد أن معدلات نمو الإنتاج على المستوى البعيد هي الأخرى لغز كبير. ففي منتصف الثمانينات والنصف الأول من التسعينات, كانت معدلات الإنتاج تتجه إلى أعلى بنسبة 1% سنويا, وبوجود معدل نمو يتراوح ما بين 1 و2% في قوة العمل, حسب عدد المهاجرين, فإن هذا يعني أن سقف السرعة الخاص بمعدلات نمو الاقتصاد الامريكي يتراوح ما بين 2 و3%. وبينما يبدو من الواضح أن معدل النمو الإنتاجي آخذ في الازدياد بسرعة في النصف الأول من التسعينات, إلا أن مستوى التوازن الجديد ليس واضحا. فعملية قياس النمو الإنتاجي تبدو مشوشة ومتذبذبة بسبب تلك الأرقام والإحصاءات الربع السنوية, والتي ترتفع وتنخفض بنسب عالية. والاتجاه الجديد يشير إلى أن النمو الإنتاجي هو 2% على الأقل سنويا, إلا أن النتائج التي تم التوصل إليها في العامين الأخيرين من العقد الأخير, يمكن أن يعدها الشخص المتفائل تشير إلى معدلات نمو أعلى مما حدث في نهاية العقد السابق. وإذا كانت هذه التخمينات صحيحة, فإن معدل النمو البالغ 4% سنويا يكون متماشيا مع سقف السرعة التي ينمو بها الاقتصاد. إلا أنه لا يمكن تأكيد ما إذا كانت هذه التخمينات والتوقعات صحيحة أولا. فمن يعلم أين تقف حدود تلك السرعة التي إذا تخطاها الاقتصاد يحدث تضخم؟ ومن يعرف ما هو سقف السرعة الحقيقي؟ فالاقتصاد الجديد الذي يقوم على تكنولوجيات حديثة لا يمكن التنبؤ بما سيحدث خلاله وما سينتج عنه. أما بشأن الاتجاه إلى رفع معدلات الفائدة من أجل إبطاء النمو, فإن الأمر أشبه ما يكون باستعمال فرامل السيارة في عربة نظام الفرملة بها غير مضغوط! فالذي يحدث في هذا الموقف أن الشخص يأخذ في الضغط على الفرملة ولا يحدث شيء لفترة طويلة, ثم فجأة تعمل الفرامل على نحو سريع وتطيح السيارة بعيدا عن مسارها. وهذا بالضبط ما يمكن أن يحدث في الاقتصاد, فالزيادات الكبيرة في معدلات الفائدة يمكنها أن تدفع بالاقتصاد إلى هاوية الركود. ومما يزيد الموقف تعقيدا أنه بعد شهر يونيو سيجد مجلس الاحتياط الفيدرالي قدرا كبيرا من الصعوبة في رفع معدلات الفائدة, إذ إنه إذا قام برفع معدلات الفائدة فإن الأمر سيفسر على أنه خطوة حزبية سياسية تهدف إلى مساعدة مرشح الرئاسة من الحزب الجمهوري بوش الابن, الذي سيعتبر الركود في نوفمبر أفضل الاختيارات حتى يمكنه إلقاء اللوم على مرشح الرئاسة آل جور, النائب الحالي للرئيس الامريكي, ودحض تأكيدات الأخير أنه ساعد في الوصول إلى اقتصاد امريكي قوي ومزدهر, لاسيما وأن الركود كان أحد الأسباب التي أدت إلى خسارة بوش الأب لانتخابات 1992. والشيء المؤكد هو أن النمو السريع للاقتصاد الامريكي يؤدي, على الصعيد الخارجي, إلى زيادة معدلات الإنتاج المحلي في دول العالم الأخرى, وبالتالي فإن المنطق يحتم أن يتروى مجلس الاحتياط الفيدرالي حتى تحدث علامات حقيقية تشير إلى حدوث تضخم.