كانت رؤوس الأموال الاجنبية احد العوامل المهمة التي ساعدت على دعم اقتصاديات دول جنوب شرق آسيا ووصولها الى مراحل التقدم الاقتصادي المنشود, كما كانت ايضا سببا رئيسيا في بث الازمات الاقتصادية والنقدية التي حدثت في هذه الدول في صيف عام 1997 عندما تكالبت على الخروج منها بشكل كبير ودون حدود, وفي ضوء اشاعات لم تكن صادقة وانما كان اغلبها مغرضا ومبيتا. ونتيجة لهذه الاشاعات التي لم يعرف حتى الآن مصدرها, سارع الاجانب الى بيع ما يملكونه من اسهم وسندات في البورصات فانخفضت اسعارها بشكل واضح, وانهار اغلبها كما سارعوا ايضا ـ ومعهم بعض المواطنين للأسف ـ الى تحويل اموالهم الى الخارج وبأسعار صرف منخفضة جدا, وصل انخفاضها الى ما يزيد عن النصف, وهو ما ادى الى انهيار اقتصادي آسيوي شامل, والى ازمات نقدية واقتصادية خطيرة لم يسمع العالم مثيلا لها من قبل في هذه المنطقة. وقد اثير هذا الموضوع بشكل موسع اثناء انعقاد مؤتمر (الاونكتاد) في (بانكوك) عاصمة تايلاند خلال شهر فبراير الماضي, حيث تناوله المستر (كلاوس شوب) رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي, وذلك في الكلمة التي القاها في المؤتمر وذكر فيها ان حجم رؤوس الاموال الدولية يتحرك يوميا بين الدول النامية والدول المتقدمة بدون ضوابط كافية, مما يعرض النظام المالي العالمي للخطر في اي لحظة, بينما لم تتحرك الدول النامية حتى الآن للاستفادة من هذه التجارب. ولاشك ان انتقالات رؤوس الأموال الاجنبية الى الدول النامية تحكمها اعتبارات لصالح الدول المتقدمة تتمثل في الآتي: ـ الحصول على اكبر ربح ممكن لصالح اصحاب رؤوس الاموال الاجنبية المستثمرة في الدول النامية. ـ امكان استرداد رؤوس الاموال الاجنبية في اي وقت ودون اية قيود او ضوابط. ـ الحرية الكاملة التي تقدمها الدول النامية للمستثمرين الاجانب للمساهمة في المشروعات المحلية او تملكها بالكامل دون ضغوط. ـ حرية انتقال الاموال الاجنبية المستثمرة في البورصة من مكان الى مكان اخر في نفس الدولة او الى دول اخرى ودون آية قيود او شروط. ـ توافر الاستقرار السياسي والاقتصادي مع وجود سياسات حكومية سليمة وبنية اساسية صالحة. ومع التسليم بحق الدول المتقدمة والمستثمرين الاجانب في التأكد من توافر هذه النقاط, فانه من حق الدول النامية ان تتأكد من مدى اهمية الاستثمارات الاجنبية في العمل بمشروعات التنمية الاقتصادية في ضوء الخطط الاقتصادية الشاملة التي تضعها هذه الدول وتراعي فيها صالح شعوبها ودفعها الى التقدم الاقتصادي المنشود, وهو مالم يكن محل اعتبار المستثمرين الاجانب في السنوات السابقة بل كان سببا في الازمات التي آدت الى استرداد اموالهم بمجرد شعورهم باقتراب مشاكل سياسية او اقتصادية يمكن ان تؤثر على ارباحهم, حتى لو كان هذا الشعور غير مبني على اساس سليم او كان غير مدروس, وطالما وفرت لهم الدول النامية مناخ الاسترداد الكامل دون ضوابط وفي اي وقت يشاءون. ويمكن القول اليوم, بعد الازمات النقدية العديدة التي حدثت في كثير من الدول, انه اصبح هناك على الصعيد العالمي موقفان بالنسبة لتحرير رؤوس الاموال وتحركاتها بين الدول: ـ موقف يتبناه صندوق النقد الدولي بسياساته ومناهجه التي تنادي بالتحرير الكامل لانتقالات رؤوس الاموال ودون قيود او ضوابط, وان كانت اتفاقيته بما فيها من نصوص ومواد لا تتفق مع هذه السياسات كما سنرى فيما بعد. ـ وموقف آخر معارض تتبناه بعض الدول النامية, بدا يظهر في المؤتمرات والاجتماعات الدولية الاخيرة, كاجتماعات دافوس التي ضمت ما يقرب من 1700 عالم ومفكر من جميع اقطاب العالم, وكمؤتمر دول الخمس عشرة الذي يمثل مجموعة الدول النامية بما فيها من دول شديدة الفقر, ودول متوسطة الفقر, ودول ساعية الى النمو وكذلك اجتماعات (الاونكتاد) التي سبق الاشارة اليها. لقد عبر صندوق النقد الدولي عن موقفه الحالي بالتوسع في تحرير التحويلات الرأسمالية, وذلك خلال الاجتماعات السنوية التي انعقدت في هونج كونج في سبتمبر عام 1997 حيث اصدرت اللجنة المؤقتة التي تشكلت في هذه الاجتماعات بيانا عن تحرير تحركات رؤوس الاموال في ظل تعديل يتم على مواد اتفاقية الصندوق, ويدعو البيان الى استكمال التعديل المقترح لجعل تحرير انتقالات رؤوس الاموال احد اهداف الصندوق وتوسيع نطاق اختصاصه حسب الحاجة, وذلك من خلال وضع التزامات محددة يتم تطبيقها على جميع الاعضاء فيما يتعلق بتحرير هذه الانتقالات. وفي مارس عام 1998 استضاف الصندوق ندوة لاستطلاع الآراء حول التعديل المقترح, وقد اجمعت الندوة على ان الازمة الاسيوية اكدت اهمية المتابعة المنظمة والسليمة لحركات رؤوس الأموال, كما اكدت الحاجة الى انتهاج سياسات ملائمة على صعيد الاقتصاد الكلي وفي مجال اسعار الصرف وعلى الدور الحاسم الذي يقوم به القطاع المالي السليم, وقد اشار عدد من المتحدثين الى ان ضعف القطاع المالي يشكل جوهر الازمات القائمة في كل من اندونيسيا وكوريا وتايلاند, لان المشكلات الرئيسية تتمثل في محدودية قدرة المؤسسات المالية على تقييم المخاطر وادارتها وعدم كفاية الرقابة عليها, وايضا في تحريرها لحركات رؤوس الاموال بشكل مؤقت. وقد رأى بعض المتحدثين في الندوة ان الازمة الاسيوية اوضحت ضرورة توخي الحذر عند القيام بتحرير انتقالات رؤوس الاموال مع الحرص في نفس الوقت على احراز تقدم في مجالات اخرى, حتى تتحقق كافة المنافع المرجوة منه, كما أقر المشاركون الدور المحدد الذي يقوم به الصندوق في تشجيع التحرير المنظم لحركات رؤوس الاموال, بينما اختلفت اراؤهم على طريقة تنظيم هذا التحرير فبعضهم يرى تأييد الصندوق لزيادة تحرير اسواق المال وتحركات رؤوس الاموال, بينما يرى آخرون تحديد نطاق هذه الزيادة بحيث يكون ذلك في ضوء القواعد والنظم المطبقة في الدول الاعضاء وان يتم ضبطها في ضوء الظروف الاقتصادية التي تمر بها الدولة. وبذلك يتبين ان مجموعة المتحدثين الذين حضروا ندوة الصندوق لهذا الغرض وهي الندوة التي شارك فيها كبار خبراء الصندوق وادارته واعضاء مجلسه التنفيذي, كما شارك فيها ايضا مسئولون حكومين على مستوى عال وممثلون للقطاع الخاص وللمنظمات الدولية, هؤلاء جميعا لم يصلوا الى رأي موحد حول زيادة عمليات تحرير حركات رؤوس الاموال بين الدول او تحديدها بشروط وقواعد تنظيمية حسب الظروف النقدية والاقتصادية السائدة في الدولة. ولاشك ان نصوص اتفاقية صندوق النقد الدولي تتمشى مع الرأي المعارض لزيادة التحرير, اي عكس الرأي الاخر الذي ينادي بزيادة تحرير حركات رؤوس الاموال دون شرط, وبالتالي فان الرأي المؤيد لزيادة التحرير لا يتمشى للأسف مع نصوص الاتفاقية ولا حتى مع الاهداف التي قصدتها الاتفاقية عندما تم توقيعها عام 1945, لان هذه الاهداف وان كانت تسعى للوصول الى مجتمع عالمي متحرر من كافة القيود على التنقلات المالية والتجارية والنقدية وتنقلات السلع والاشخاص والخدمات فقد تم وضعها بتحديد واضح حتى لا يكون هناك لبث عند تنفيذها في اي وقت من الأوقات كما يحدث الآن, وكما ظهر من الاحاديث التي عرضها البعض في الندوة المذكورة. لقد ذهبت الاتفاقية الى تحديد المصطلحات العامة والخاصة خوفا من تأويلها والوصول منها الى منافع لفئة من الدول على حساب فئة اخرى كالذي يحدث الان بين الدول الغنية والدول الفقيرة, ففي مجال الرقابة على النقد والقيود النقدية حددت الاتفاقية في مادتها السابعة حالتين يجوز فيهما فرض القيود على المعاملات الجارية فقط (السلع والخدمات) وهما: ـ حالة ندرة العملة اذ نصت الاتفاقية على انه لا يجوز للعضو ان يفرض القيود على المعاملات الجارية بالنسبة لعملة معينة اذا اصدر الصندوق قرارا بأن هذه العملة اصبحت نادرة, علما بأنه لم يسبق ان اصدر الصندوق هذا القرار منذ توقيع اتفاقيته حتى الآن. ـ حالة فترة الانتقال من ظروف الحرب الى الظروف العادية, حيث اباحت الاتفاقية فرض القيود على المعاملات الجارية خلال هذه الفترة, علما بأن 140 دولة من اعضاء الصندوق اعلنت انتهاء فترة الانتقال والعودة الى حرية التحويل بالنسبة للمعاملات الجارية. وذلك مع بين مجموعه الاعضاء البالغ عددهم 182 دولة حتى الآن. وقد تركت الاتفاقية الاعضاء احرارا في فرض القيود النقدية على المعاملات الرأسمالية ودون الزام, بالاضافة الى انه, لاحكام الرقابة على هذه المعاملات, اجازت الاتفاقية فرض القيود الادارية على المعاملات الجارية للتأكد من أن هذه المعاملات لا تعتبر معاملات رأسمالية من المجاز فرض الرقابة عليها وهو ما يؤكد ان الاتفاقية رأت ان التحويلات الرأسمالية من دولة إلى أخرى دون قيود ودون ضوابط سوف تؤدى إلى الانتقاص من ثروة دولة وزيادة في ثروة دولة اخرى دون مبرر, كما تؤدى إلى توقف مشروعات انتاجية ونقص في الانتاج وبطالة تؤثر على اقتصاديات الدولة التي انتقص من اموالها حتى ولو كانت هذه الاموال قادمة اصلا من الخارج, وطالما تم تشغيلها في عمليات داخل الدولة المضيفة. ويبدو ان الرأي الذي طالب في الندوة المذكورة بزيادة تحرير انتقالات رؤوس الاموال بين الدول وكان اغلبه من العاملين بالصندوق ومن الدول الغنية, يبدو ان هذا الرأي هو المرشح للعمل به اذا ما تم تعديل الاتفاقية بحيث يحذف منها النصوص التي تجيز للدول الاعضاء فرض القيود النقدية على المعاملات الرأسمالية, وبالرغم من الرأي الذي عرضه الممثلون للدول النامية والذي طالب بضرورة الرقابة والتنظيم والحد من تحرير انتقالات رؤوس الاموال بين الدول والذي طبقته حاليا دولة ماليزيا مؤكدة ان النظام الرأسمالي الحر يحتاج إلى ضوابط وان المجتمع المفتوح على الآخر يحتاج إلى غلقه في بعض الجوانب إلى ان تتم التنمية ويبدأ التقدم الاقتصادي في الدول الفقيرة. والغريب ان مطالبة الصندوق بزيادة التحرير تم امام معارضة من الدول النامية في عدد من المؤتمرات الاقتصادية التي توصي بضرورة تنظيم تنقلات رؤوس الاموال الدولية ـ كمؤتمر دافوس السابق الاشارة اليه والذي طالب صراحة بتنسيق الرقابة على اسواق النقد والمال عبر الحدود وخاصة على صناديق الاستثمار والذي طالب به رئيسه المستر (كلاوس شواب) وبالرغم من الازمات النقدية المتزايدة والتي كان آخرها ازمة البرازيل التي حدثت منذ حوالي سنتين نتيجة هروب رؤوس الاموال وخاصة القصيرة الاجل, مما اسهم في هبوط العملة البرازيلية بحوالي الثلث واشعل لهيب الازمة بالرغم من القرض الذي وافق عليه صندوق النقد الدولي وقدره 5.41 مليار دولار امريكي وبالرغم من تغيير قيادات البنك المركزي البرازيلي. ان الدول النامية لم تكن مستعدة لهذا الانفتاح الكبير في تحرير حركة الاستثمار الاجنبي بالاضافة إلى انها لم تكن على وعي المجالات التي كان يتعين تحديدها للاستثمار الانتاجي لا الترقي, وهو ما ساعد على زيادة الفوارق الاجتماعية داخل سكان الدول النامية مما يؤدى إلى اضطرابات سياسية وانحصار المستلهكين للسلع التي تنتجها المشروعات الاستثمارية حيث يسارع اغلبهم إلى استرداد اموالهم وتحويلها إلى اماكن اخرى اكثر ربحية واكثر امانا, مما ادى إلى انهيارات اقتصادية داخل هذه الدول وبين بعضها البعض, وبالتالي توقفت عمليات التنمية في الدول التي واجهتها الازمة وتراجعت اقتصادياتها, وهو ما يؤكد الدور السلبي للتحرير والذي يتمثل في اجراء التحويلات الرأسمالية دون قيود ولا ضوابط. ومن هنا رأينا ان الازمات النقدية في بعض هذه الدول تحدث تباعاً, فقد بدأت في امريكا الجنوبية, ثم امتدت إلى دول جنوب شرق آسيا بما فيها كوريا الجنوبية كما شاهدنا هبوط الطلب في اليابان التي كانت تسبق الولايات المتحدة الامريكية في متوسط دخل الفرد فيها وامتدت الازمة إلى روسيا ثم عادت إلى امريكا الجنوبية حيث عاشت البرازيل اسوأ ايامها, بالرغم من قروض الصندوق والقروض الدولية ولا يعرف احد متى يتوقف هذا النزيف, بالرغم من وقوف صندوق النقد الدولي والمنظمات الدولية مع الدول التي تعيش الازمة لمنع امتدادها وتحويلها إلى ازمة عالمية كبرى كالتي حدثت في الثلاثينات من هذا القرن. وحتى لا تنتشر الازمات النقدية ولا تمتد عاجلا او اجلا إلى دول اخرى فإن الدول النامية يتعين عليها ما يلي: ـ اعادة فرض الرقابة على التحويلات الرأسمالية ومنع خروجها الا في حالات خاصة وضرورية وفي ضوء قواعد تنظيمية مع الوقوف بشدة ضد تعديل اتفاقية صندوق النقد الدولي والابقاء على نصوصها كما هي بالنسبة للتحويلات الرأسمالية ومطالبة الصندوق بمراعاة تطبيق هذه النصوص كما هي وعدم الخروج عنها. ـ تحديد المجالات الانتاجية المسموح لرأس المال الاجنبي الاستثمار فيها, بحيث تكون من تلك التي تسمح بها خطة التنمية الاقتصادية والبشرية الموضوعة في هذه الدول وحتى لا تمتد إلى مشروعات انتاج سلع وخدمات لا تخدم سوى طبقة واحدة فقط!! ـ تشجيع المدخرات بكل الوسائل الممكنة حتى تصل إلى المعدل المطلوب للاستثمار دون نقص علما بأنه في مصر على سبيل المثال تصل نسبة المدخرات إلى 18% بينما يبلغ المعدل المطلوب للاستثمار حوالى 25% اي بزيادة قدرها حوالى سبعة في المئة يتعين تغطيتها من المدخرات الوطنية في الداخل ومن رأس المال الوطني المستثمر في الخارج والذي يقدر بحوالي مئة مليون دولار امريكي مع دعوة رأس المال العربي للعودة من الخارج وتشجيعه بكل الوسائل الممكنة للاستثمار داخل مصر والدول العربية. ـ تنظيم اسواق المال وتنظيم القطاع المالي بحيث يعتمد على الوحدات الكبيرة التي يمتد نشاطها إلى انشاء وتمويل المشروعات الانتاجية من قروض ومساهمات بل واختيار مشروعات تقوم البنوك بالمساهمة فيها ودعوة رأس المال المحلي والعربي للاشتراك فيها, ويفضل ان تكون على المستوى العربي الشامل وفي ظل تعاون اقتصادي عربي مطلوب اليوم وليس غدا وعن طريق بنوك عربية شاملة, ولاشك ان السوق المالي الجديد في دبي يعتبر بداية طيبة في هذا المجال. ـ الوقوف برأي موحد ضد الذين ينادون بالغاء القيود النقدية على التحويلات الرأسمالية بين الدول مع عدم الموافقة على الاتفاقية الدولية للتحويلات الرأسمالية الا اذا اضيفت لها النصوص التي تخدم الدول النامية والعربية في عمليات التنمية, خاصة بالنسبة لانشاء المشروعات الانتاجية الكبيرة والتي تساهم رؤوس الاموال الاجنبية في تمويلها, مع الحد من عمليات المضاربة والمكاسب الكبيرة التي يحصل عليها المضاربون دون مبرر والتي ساعدت على توسع الازمات النقدية في الدول الآسيوية. هذه خطوات جادة ومطلوبة بعيداً عن مناقشات بيزنطية ونظرية, وهي خطوات ضرورية لابعاد المنطقة العربية عن مخاطر الازمات المالية والنقدية وفي دعم لاسواق المالية والنقدية كما انها يمكن ان تساعد على تحقيق الاهداف العربية في توحيد الدول العربية اقتصاديا وانشاء السوق العربية المشتركة, وفي تنمية الدول النامية وتقدمها الاقتصادي.