أثبتت التجارب والأبحاث عدم وجود معلومات صحيحة مئة بالمئة ويعتمد عليها وأنه لا وجود لمثل هذه المعلومات (اليوتوبية) إلا في عقول اولئك الذين يقفون خلف صناعة قرارات ليست فاشلة فحسب بل ومدمرة في كثير من الحالات ومن المهم للغاية الاقرار بذلك خلال تفسير وتحليل المعلومات التي تتوفر لنا. ونظرا الى ان هناك مجموعة كبيرة من العوامل وفي مقدمتها التحريف والاخطاء فإنه يستحيل القضاء على مثل هذه العوامل ولكن يمكن التقليل كثيرا من احتمالات الانخداع وذلك بإخضاع المعلومات لعمليات تقويم وتمحيص تشمل ما يلي: ـ المصادر التي تمدنا بالمعلومات. ـ الارقام الحقيقية التي تتخفى وراء الارقام الظاهرة. ـ التفريق بين مفهومي المعلومات والمعرفة. وإذا تناولنا مصادر المعلومات فإن الفرضية التي تؤكد انه يمكن لأي مجموعة من الارقام الصحيحة ان تتحول لشيء في غاية الخطورة تصبح في نهاية المطاف حقيقة وامرا واقعا. فعلى سبيل المثال يعرف متابعو نشرات الاخبار في التلفزيون والاذاعة ما يشاهدونه ويسمعونه فقط ولايدرون شيئاً عن تلك المواد التي قام معدو نشرات الاخبار بحذفها وبالمثل نادراً ما يدرك صانع القرار المواقف العرضية والطريقة المنحازة التي تم بها تصنيف المعلومات التي يقدمها لهم مسئول القسم. ومهما كانت الادارات والمؤسسات صارمة في ادارة عمليات تجميع المعلومات لايمكن فرض الا قدر ضئيل من الرقابة على البيانات والاحصاءات والارقام التي يرتكز عليها الامر برمته. وقد يكون التقرير الانيق والمغلف بطريقة (رائعة) والموضوع على سطح مكتب المدير او صانع القرار مصدره بضعة اوراق متسخة ومكتوب على بعض منها ملاحظات تكاد لا تقرأ بالقلم الرصاص ضاع جزء منها أكوام ضخمة من الاوراق والمهملات. وقد يطلب احيانا من احد الموظفين اللا مبالين مراجعة هذه الاوراق ويقوم بمراجعتها وعقله بعيد تماماً في امر لا علاقة له بواجبه ويقرر الموظف اثناء هذه العملية اهمال بعض الملاحظات وتزييف بعض الارقام وغير ذلك من التجاوزات الضرورية لضبط عملية تزييف الارقام. ومن بين جميع هذه العوامل هناك حقيقة واحدة مؤكدة وهي انه وبمجرد ادخال هذه الاخطاء الى ذاكرة الكمبيوتر أو نظام المعلومات المبرمجة تبقى مكانها قابعة هناك وتحول المعلومات الى حقيقة ولا يتوفر لاي احد الوقت الكافي لمراجعتها اضافة الى ان الاصول المأخوذة منها تكون قد ضاعت او تم تدميرها. ويستحيل بطبيعة الحال القضاء على هذه المشكلات قضاء تاما الا انه يمكن تقليل احتمالات الاهمال بدرجة كبيرة وذلك عندما يدرك الموظفون ويتفهمون اهمية العمل الذي يقومون به ويرون جهودهم وهي تؤتي الثمار المرجوة. وفي غالب الاحوال يقضي العديد من الموظفين في المؤسات والهيئات اوقاتهم في اساءة استخدام مختلف الاستمارات والمستندات وفي القيام بواجبات ومهام متكررة دون ادنى تقدير لأهمية اعمالهم ويمكن استثمار الوقت الذي نستنزفه في شرح اهمية العمل أن يعود بمردودات طيبة في جميع الاحوال وبحسب الجهد المبذول. وللتدليل على اثر الارقام الحقيقية التي تتخفى خلف الارقام الزائفة والمضللة نفترض ان مهندساً حضر بعد خمسة اسابيع من الموعد المحدد الى ورشة لاستبدال فيلتر احدى الشاحنات العملاقة ولكنه نسى أن يحضر معه الفيلتر الخاص بالشاحنة ونظراً لان الورشة كانت تنتظر ـ بفارغ الصبر ـ حضوره قبل خمسة اسابيع لم يسمح له المسئولون بالورشة بالعودة إلا بعد تغيير الفيلتر واضطروا الى تأمينه من مستودع الورشة وبعد ستة اسابيع اخرى وصلت مطالبة للورشة برفع قيمة الفيلتر الذي قامت بتأمينه. وكثيراً ما تظهر اخطاء مثل هذا في مكان ما من مشروعات الميزانية وكثيراً منهايلغي بعضه بعضا ولكن مع هذا تظل دلالات هذه المواقف خطيرة في عملية صنع القرار حيث تأتي الاخطاء لاساليب محاسبية مشوشة او غير موجودة اصلا. وحتى المؤسسات العملاقة متعددة الجنسيات والتي توظف الآلاف من المحاسبين الاكفاء ولا تسلم من اخطاء في تسجيل حسابات مثل تدوين الحسابات المدينة للعملاء في الخانات المخصصة للحسابات الدائنة واحيانا العكس او تسديد قيمة فاتورة مرتين او كتابة فواتير تحمل اسعاراً مختلفة للسلعة الواحدة وغير ذلك من الاخطاء الشائعة التي غالبا ما تضلل الارقام التي يوردها المديرون بسبب عدم اهتمامهم الكافي بكيفية الوصول الى هذه الارقام. وعلى سبيل المثال قد يتفاخر أحد المديرين التنفيذيين بأنه قد نجح في تخفيض نسبة الاجازات المرضية بين موظفي المؤسسة من 12% مثلا الى 8% فقط ولا يبدي الاهتمام الكامل بما تم لانه يعلم جيداً ان ما قام به هو مجرد حساب الاجازات المرضية بالنسبة المئوية على اساس سنة كاملة اي 365 يوما بدلا من حسابها على اساس ايام العمل وهي 288 يوماً. ويفضل ان تقوم ادارات اقسام الحسابات بالحد من وقوع مثل هذه الاخطاء والتي تحدث دائما بسبب ان المحاسبين يفترضون تلقائيا ان المديرين على علم تام بالكيفية التي يتم بها تجميع المعلومات والبيانات المالية. وننتهز هذه الفرصة النادرة وننصح المديرين التنفيذيين بالتعود على حسن الاطلاع بالاجراءات الادارية والمحاسبية للمؤسسات التي يديرونها وبالتأكيد من حين لآخر من سلامة النظم المعلوماتية وذلك قبل اتخاذ القرار في ضوء ما يتوفر لهم من معلومات. وهناك بعض المعلومات التي يستحيل جمعها وتصنيفها بالدقة المطلوبة او حتى بشكل متسق ويعتبر الحصول على مثل هذه المعلومات كالامساك بالماء او الامساك بالسمك وهو داخل الماء. ويساعد اتساع قواعد التصنيف وتباينها الشديد في تعقيد المشكلات وهنا ايضا نجد فرصة نادرة اخرى لننصح صانعي القرار بأن يفحصوا جيداً المعلومات التي تصل اليهم وان يسألوا انفسهم: هل هذه المعلومات جيدة التصنيف بحيث نعتمد عليها؟ وقد تتسبب العجلة في تصنيف المعلومات باستخدام اجهزة الكمبيوتر في نسيان تاريخ ادخال المعلومات الى النظام. وتؤدي المشكلات الفنية والتوظيفية في كثير من المؤسسات والهيئات الى تراكم تقارير العمل والبيانات والاحصاءات والفواتير وغيرها انتظاراً لادخالها في نظام المعلومات ولذلك يتعين الاهتمام بتحديث المعلومات ومتابعة ذلك بين حين وآخر وذلك نظراً الى ان المعلومات القديمة غير المستخدمة اسوأ بكثير من عدم وجود معلومات على الاطلاق ويمكن التدليل على صحة هذا القول باكتشاف احدى شركات المقاولات العملاقة انها تعاني من عجز مستمر مقداره 20% في احد عقود صيانة الارضيات قيمته مليون درهم وكان سبب هذه الخسارة يكمن في ان البيانات التي يتم استرجاعها من جهاز الكمبيوتر كانت شديدة التفصيل لدرجة ان المشرفين على العمل كانوا يهملونها وينفذون المهام بالطريقة التي سبقت ادخال جهاز الكمبيوتر غير مدركين ان مواصفات العقد قد تغيرت فكان عمال الصيانة يقومون بأعمالهم في الموقع المعني كل اسبوعين بحسب النظام القديم بينما كان يفترض صقل الارضية كل تسعة اسابيع بحسب المواصفات الجديدة. وينبغي ان نشيد هنا بذكاء العميل والذي لابد من انه كان سعيداً للغاية بمستوى هذا العمل لانه غير مجبر على دفع اية مبالغ. ويتعين التأكيد هنا على ان المعلومات والمعرفة ليست نفس ولتوضيح الفرق نفترض انه تمت دعوة الجمعية العمومية لاحدى المؤسسات للاجتماع بأحد المراكز التجارية الكبيرة باحدى المدن وتوافد أعضاء الجمعية وهم في قمة أناقتهم تسبقهم آمال عريضة بتوزيع جزء من الارباح. إلا أنه لم يكن هناك شخص واحد من هؤلاء السادة يعلم أين سيعقد الاجتماع فالمركز التجاري العملاق يضم مئات القاعات وغرف الاجتماعات. وبعدها بدأ الزحام يشتد واللغط يعلو فقد كان المساهمون يعرفون جيداً موقع المركز التجاري إلا أن معلوماتهم كانت ناقصة التفاصيل بحيث أعاقت وصولهم الى قاعة الاجتماع. ونظراً لأن تكرار المعلومة وبقوة وتركيز يؤدى للاعتقاد بصحتها فإن تمكن الاعتقاد في فكرة معينة في عقول الناس يمنع دراستها مرة اخرى إلا اذا حدث شىء غير موات, فمثلاً كانت إدارة أحد الأندية الرياضية تعتقد أنه اذا زاد عدد مستخدمي بركة السباحة على العشرين شخصاً يتعين توظيف مراقب آخر ولم يتغير هذا الاعتقاد إلا تحت وطأة ضغوط مالية شديدة دفعت مسئولي النادي الى التقصي عن هذه المسألة وكشف خباياها. ولشدة صدمتهم اكتشفوا أن القوانين المنظمة لرياضة السباحة وقوانين الأمن والسلامة في البلاد لم تتعرض لهذه المسألة اصلاً وأن إدارة النادي المجاور كانت تسمح لما يزيد على الثلاثين شخصاً بالسباحة في بركة السباحة. ويوضح هذا المثال أهمية مواجهة الأمور وتقصى معرفتها ومن المفيد للغير في هذه الحالات تكرار اسئلة من نوع لماذا؟ وما الذي تعرفه على وجه الدقة؟ كيف عرفت ذلك؟ ما هو الدليل على ذلك؟ وهناك أسلوب بسيط وحاسم للتمييز بين المعلومات المحضة والافتراضات غير المؤكدة ويتلخص هذا الأسلوب في تقسيم المعلومات الى: معروفة ـ غير واضحة ـ مفترضة. وتمثل المجموعة الأولى المعلومات الوحيدة التي يتعين أن يثق فيها صاحب القرار وعليه يتوجب عدم اضافة أي معلومات اليها من دون دليل تأكيدي وإذا لم يتم تطبيق هذه القاعدة بدقة تامة تصبح الشائعات والأكاذيب جزءاً من الحقيقة. وإضافة الى ذلك يتحتم مراجعة المعلومات المعروفة بين حين وآخر نظراً لأن التغيير سمة لجميع الأمور وينبغي عند معاينة المعلومات المعروفة طرح السؤال المهم: كيف لي ان أعرف ان هذا صحيح؟ أما المجموعتان الأخريان فما هما إلا عبارة عن مرادفات للجهل وعدم المعرفة فعبارة (غير واضحة) تعنى أنها قد تكون أو لا تكون. وبالنسبة للافتراضات فإنها ليست سوى بدائل للمعرفة فمثلاً نفترض استناداً الى خبراتنا السابقة ان العلب التي يكتب عليها (حليب نيدو) تحتوى على حليب وأن الماء يغلى إذا تم وضعه على النار إلا أننا مع هذا لا نستطيع ان نجزم بصحة هذه الأمور ولذلك مهما كانت الافتراضات مقبولة ومعقولة إلا أنها ستظل مجرد افتراضات وإذا تم اتخاذ قرار استناداً اليها فان هذا لابد وأن يجعلنا نتوقع حدوث خطأ ما. وفي بعض الأحيان لايوجد بديل سوى المضي في العمل على أساس الافتراضات وفي مثل هذه الظروف ننصح صانعي القرار بالتشدد في البحث وراء الشكوك والتأكد منها والاهتمام بأي شيء مثير للقلق وتحديد أية تطورات تعطى اشارة الخطر وكتابة تحليل عن هذه التطورات ومراجعة التحليل على نحو منتظم. ومن المهم ان نعى ان مفاهيمنا تعكس نظرتنا المحددة للعالم من حولنا وان ما نسميها (حقيقة) ليست الحقيقة ذاتها لكنها تلك الحقيقة الخاضعة لطريقة تمحيصنا.