وفي دراسة علمية للدكتور محمود منصور مدير معهد بحوث الاقتصاد الزراعي بعنوان: اتفاقيات منظمة التجارة العالمية ومستقبل الاقتصاد الزراعي المصري تحذيرات شديدة من الآثار السلبية للجات على الزراعة المصرية والأمن الغذائي يسبب رفع الدعم عن الإنتاج والتصدير موضحة أن هذا سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار العالمية للغذاء وارتفاع تكاليف الاستيراد. والصعوبات المالية كذلك فإن خفض معدلات التعريفة الجمركية سيؤثر على الإيرادات العامة وسيزيد عجز الموازنة مشيرا إلى أن إلغاء الدعم سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الحاصلات الزراعية المحلية وإضعاف تنافسية الصادرات في الأسواق العالمية. وتشير الدراسة إلى أن مصر أصبحت عضوا في الجات وشاركت في جولاتها منذ عام 1970 وحاولت مع الدول النامية زيادة حصتها في التجارة الدولية وزيادة صادراتها والحصول على فترات انتقالية بعد التوقيع على اتفاقية تحرير التجارة في عام 1995 وصلت في مجال الزراعة إلى عشر سنوات وتخفيض الرسوم الجمركية بنسب أقل من الدول المتقدمة حيث تلتزم الدول المتقدمة بتنفيذ التخفيض بنسبة 36% على ست سنوات على السلع الزراعية أما الدول النامية فتلتزم بالتخفيض بنسبة 24% على عشر سنوات وتخفيض دعم الإنتاج بنسبة 2% خلال ست سنوات في الدول المتقدمة وعشر سنوات في الدول النامية. اتفاق الزراعة وتوضح الدراسة أن اتفاقية جولة أورجواي في 15 ديسمبر 1993 نجحت في ا لتوصل إلى اتفاق الزراعة وتحرير التجارة الدولية للسلع الزراعية وإخضاعها لقواعد الجات ويشتمل الاتفاق على البنود التالية: ـ تخفيض القيود الجمركية بعد تحويل القيود غير الجمركية إلى تعريفة جمركية مع التثبيت والتخفيض في فترة تتراوح من ست إلى عشر سنوات. ـ فتح الأ سواق أمام الواردات التي كانت خاضعة لقيود غير جمركية بما لا يقل عن 3% تزيد إلى 5% خلال هذا العام. ـ تخفيض دعم الإنتاج والتصدير بنسب 21% و36% على التوالي. ـ تنظيم حق الدول في الرقابة الصحية والبيطرية بما لا يشكل عائقا تجاريا. وتشير الدراسة إلى احتلال القطاع الزراعي مكانة بارزة في الاقتصاد القومي المصري إذ يسهم القطاع الزراعي بنصيب وافر من الناتج المحلي الإجمالي ويعمل فيه حوالي 6.4 ملايين عامل يمثلون 7.32% من إجمالي القوى العاملة المصرية وتعتبر الزراعة ركيزة أساسية لتوفير الغذاء للشعب المصري وتلعب دورا أساسيا في التجارة الخارجية المصرية حيث تسهم بنحو 3.20% من إجمالي حصيلة الصادرات. وتعتمد الصناعة على المنتجات الزراعية ويمكن الاعتماد عليها في الإنتاج قدر كبير من بدائل الواردات من السلع الغذائية والمواد الخام, ويستطيع القطاع الزراعي أن يلعب دورا هاما في علاج العجز في الميزان التجاري المصري الذي يتزايد سنة بعد أخرى. وتضيف الدراسة أن استراتيجية الزراعة المصرية تقوم في الوقت الحالي على أساس تحقيق التنمية الزراعية عن طريق تحرير القطاع الزراعي من القيود ومن التدخل الحكومي. وذلك في إطار السياسة الاقتصادية العامة للدولة ا لتي تهدف إلى التحرير الاقتصادي وإطلاق قوى السوق لتوجيه شتى الجوانب الاقتصادية, وتهدف هذه الاستراتيجية إلى تحقيق الكفاءة الاقتصادية في تخصيص واستخدام الموارد الاقتصادية الزراعية وتحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع الدخل القومي بين القطاع الزراعي والقطاعات الأخرى, وتحاول مصر تحقيق هذه الأهداف بالتدريج حتى تتلافى حدوث أية هزات اجتماعية عنيفة فيما لو كان التحول فجائيا من النظام الاشتراكي والتخطيط المركزي إلى النظام الحر القائم على اقتصاد السوق وقوى العرض والطلب. سياسات التحرير وتعرض الدراسة لأهم السياسات المتعلقة بالنواحي السعرية والتسويقية والإقراضية والدعم والتجارة الخارجية التي اتبعتها مصر منذ الثمانينات لتحرير الزراعة المصرية وتتمثل هذه السياسات في: ـ تحرير أسعار الحاصلات الزراعية وإلغاء التوريد الإجباري وقد اتبعت الحكومة سياسة متدرجة في رفع أسعار الحاصلات الزراعية استرشادا بأسعارها العالمية فتم إلغاء حصص التوريد الإجباري لمحاصيل القمح والفول البلدي والسمسم والعدس والفول السوداني وفول الصويا والبصل وأصبحت أسعارها منذ عام 1987 خاضعة لقوى السوق. أما محصول الأرز فقد تم تحريره على مراحل متدرجة استمرت حتى عام 1991. أما القطن فقد استمر تسويقه عن طريق الحكومة حتى عام 1991 إلى أن تم تحرير إنتاجه وتسويقه وتجارته الخارجية في فترة وصلت إلى خمس سنوات. أما القصب فلكونه محصولا صناعيا فسيظل مرتبطا باحتياجات المصانع التي تنتج السكر. ـ إلغاء دعم مستلزمات الإنتاج الزراعي فمع اتجاه للدولة إلى رفع أسعار الحاصلات الزراعية إلى المستويات العالمية كان طبيعيا أن تتجه الدولة إلى الإلغاء التدريجي للدعم السعري لمستلزمات الإنتاج الزراعي من أسمدة ومبيدات وتقاو وأعلاف وغيرها وذلك لتجنب الآثار السلبية للدعم والمتمثلة في عدم تحقيق الكفاءة الاقتصادية في تخصيص واستخدام الموارد الاقتصادية. ـ إلغاء الدعم عن أسعار الفائدة للقروض الزراعية تمشيا مع إلغاء الدعم السعري عن مستلزمات للإنتاج الزراعي, وذلك بعد أن كانت الحكومة تمنح القروض الزراعية بأسعار فائدة منخفضة تقل عن أسعار الفائدة السائدة بالبنوك التجار ية. ـ إلغاء احتكار الحكومة لاستيراد وتوزيع مستلزمات الإنتاج الزراعي والسماح للقطاع الخاص بالدخول في عمليتي الاستيراد من الخارج والتسويق في الداخل وسيترك هذا المجال للقطاع الخاص في النهاية ويقتصر دور الحكومة على مراقبة جودة مستلزمات الإنتاج المستوردة. ـ الإصلاح المؤسس والاتجاه نحو الخصخصة وإعادة هيكلة إدارة القطاع الزراعي ففيما يتعلق بالهيئة العامة للإصلاح الزراعي يتم تعديل سياستها بالاتجاه لتضييق ملكية الحكومة للأراضي والأصول الزراعية وبيع ما تمتلكه للقطاع الخاص. وتم تحويل الهيئات العامة إلى شركات قابضة تعمل و فقا للأسس الاقتصادية ـ واقتصر دور بنك التنمية والائتمان الزراعي على تمويل الأنشطة الزراعية فقط وأصبح دوره محدودا فيما يتعلق باستيراد مستلزمات الإنتاج وتوزيعها على المزارعين. كما تم تحويل الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية إلى هيئة خدمية يقتصر دورها على تشجيع المنتجين وتهيئة المناخ الملائم للإنتاج في ظل اقتصاديات السوق وقوى العرض والطلب وكذلك تم دمج 80 مركزا من مراكز الزراعة الآلية في شركة واحدة تمارس أعمالها على أساس الربح هذا بجانب الإصلاح التشريعي بصدور القانون 96 لسنة 1992 الذي حرر العلاقة بين المالك والمستأجر في فترة انتقالية مدتها خمس سنوات انتهت في عام 1997م. الأمن الغذائي ويؤكد الدكتور محمود منصور أن تكامل الزراعة مع الاقتصاد المحلي والدولي يستلزم إعادة صياغة الخيارات والتحديات التي تواجهها مصر والدول النامية عند قيامها بتصميم استراتيجيات أمنها الغذائي وفي تخطيط السياسة الزراعية وعدم الاعتماد على عنصر الاكتفاء الذاتي وحده لأنه ينطوي على تكلفة مرتفعة أو التطبيق المباشر لنظرية الميزة النسبية لأنها تنطوي على مخاطر شديدة وآثار سلبية على بعض قطاعات السكان التي لا تتسم بالقدرة التنافسية في اقتصاد مفتوح وتجد نفسها غير حائزة لأي مصدر من مصادر الدخل. ويرى أنه يمكن تحسين الأمن الغذائي المصري الإجمالي عن طريق إعادة تخصيص الموارد بين سلع الغذاء )الحبوب( والسلع النقدية )القطن( وإحلال محاصيل الغذاء محل المحاصيل النقدية عند الرغبة في عدم التعرض لمخاطرة كبيرة ويشير إ لى ضرورة استخدام توليفة معقدة من السياسات والإجراءات لتحقيق الأمن الغذائي وزيادة صادرات السلع الغذائية موضحا أن الدول العربية تعد أكبر سوق استيرادي للسلع الزراعية المصرية خاصة الأرز والفواكه والخضروات إذ تستورد 40% من إجمالي الصادرات الزراعية المصرية وتحتل دول الاتحاد الأوروبي المرتبة الثانية وتستورد أكثر من ربع الصادرات الزراعية المصرية خاصة البطاطس والنباتات الطبية والعطرية والخضر والأرز والقطن والموالح. ثم تأتي الدول الأفروآسيوية في المرتبة الثالثة ودول الكومنولث المستقلة في المرتبة الرابعة. القطن وتوضح الدراسة توقعات أوضاع بعض الحاصلات الرئيسية في إطار تطبيق اتفاقية الجات فبالنسبة للقطن من المتوقع تقلص الطلب العالمي على القطن المصري في الفترة القصيرة وهذا يستلزم المبادرة إلى تفعيل عناصر الميزة التنافسية لاستعادة النصيب السوقي العالمي المألوف للقطن المصر ي كما أن الاعتماد المغالى فيه على العناصر التقليدية للميزة النسبية قد أضر بالاقتصاد المصري وظهرت ذلك بصفة خاصة في محصول القطن وهذا يستلزم ضرورة تخطي النظرة التقليدية والبحث من عناصر الميزة التنافسية التي من شأنها توليد مزايا بطريقة مختلفة ويرى ا لدكتور منصور أن تطور التنافسية في مجال القطن أدى إلى ابتكار آلات جديدة بمقدورها أن تغزل نسيجا مرتفع الجودة من الأقطان قصيرة أو طويلة التيلة الرخيصة الثمن وهذا يضع على كاهل منتجي الأقطان الفائقة الجودة مهمة خلق الطلب على الزي غير النمطي المصنوع من القطن الممتاز كذلك يتطلب الأمر القيام بمزيد من الأبحاث التسويقية للتعرف على المنافذ التسويقية بأسواق جديدة وعملاء جدد لتوليفة تسويقية دائمة التغيير. ويخلص المؤلف إلى وجود عاملين كانا وراء انخفاض تميز صناعة القطن المصري. الأول: انهيار أسواق أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي التي كانت تسودها اتفاقات التجارة التبادلية للسلع مع مصر مع اهتمام قليل بالجودة وبالتوقيت. الثاني: انتقال كثير من المستهلكين من استعمال الزي التقليدي النمطي إلى أنماط غير تقليدية. هذا بجانب مغالاة مصر في تسعيرة منتجاتها القطنية ورفض السوق العالمي لدفع أسعار مرتفعة للمنتجات التي يمكن إحلال غيرها محلها. وقد أدرك بعض العاملين في إنتاج وتسويق وتجارة وتصنيع القطن المصري خطأ هذه السياسة وبدأت حركة تغييرات لإحراز تنافسية أكبر بما يعيد لمصر نصيبها في السوق العالمي من القطن فائق الجودة في الاستعمالات النهائية. وتتوقع الدراسة فرصا سوقية أفضل للأرز المصري بعد اكتمال تطبيق الالتزامات التي نصت عليها جولة أورجواي. أما الموالح خاصة عصير البرتقال فتشير التوقعات إلى تحسن الطلب عليه وبالنسبة للبطاطس فمن المتوقع عدم تغيير الطلب الخارجي عليها أما بالنسبة للإنتاج الحيواني فإن فرصا تنافسية أفضل من ذي قبل تنتظر الدواجن والأسواق في حين لا يحتمل تحسن موقف اللحوم الحمراء والألبان إلا بقدر طفيف أما القمح فهناك اتجاه تصاعدي لتحقيق الاكتفاء الذاتي مما يقلل من اعتماد مصر على الأسواق الخارجية. سياسة طموحة وتؤكد الدراسة على ضرورة التركيز على إنتاج محاصيل ذات قيمة تصديرية مرتفعة تكون مصدر أمن مصادر العملة الصعبة وتساهم في القضاء على البطالة ورفع مستوى معيشة العاملين في القطاع الزراعي موضحة أن الدولة تبنت عدة سياسات طموحة لتنمية الصادرات مثل التحرير الكامل للقطن تصديرا وإنتاجا وتسويقا وإتاحة المعلومات والبيانات التسويقية بصفة دورية للمصدرين وتوجيه الأنشطة البحثية والإرشادية لتدعيم الصادرات من السلع الزراعية وتشجيع مصدري الحاصلات البستانية لإنشاء أنظمة ومعايير ضبط الجودة وتحسين شروط وتوقيتات الشحن مع ربطها بمعايير الجودة ومراقبة تطور أسواق أور و با الشرقية وإقامة علاقات تستند إليها الصادرات المستقبلية وتبسيط إجراءات التصدير بالإضافة إلى ظهور مجموعة من المصدرين لديهم القدرة على تحمل مخاطر التصدير وفقا لمعايير الجودة. وتشير الدراسة إلى أهم السياسات التي اتبعتها الدولة لتحسين الأوضاع التنافسية للحاصلات المصرية: ـ توجيه البحوث لإنتاج سلع تصديرية وتلبية احتياجات القطاع الخاص من خلال استنباط وإنتاج أصناف عالية الإنتاج والجودة ومقاومة للأمراض والحشرات وأقلمة الأصناف التصديرية من الحاصلات الزراعية لزراعتها في كل الظروف البيئية ومراقبة تكاليف وربحية الأصناف و تحليل ظروف السوق وإتاحة المعلومات للمنتجين والمصدرين. ـ المطالبة بأن يقوم البنك الرئيسي للتنمية والائتمان الزراعي ببرامج لتنمية الصادرات وتحسين سياساته الائتمانية لأداء دور في تمويل الصادرات. وضع خطة لتدريب المنتجين والعاملين في مجال تسويق المنتجات الغذائية على الجمع والحصاد والتسويق لتقليل نسبة الفاقد ويتم تخفيض مبلغ 60 مليون دولار لتنفيذ هذه الخطة. ـ خصصت الدولة 276 ألف فدان لإنتاج غذاء نظيف تستخدم في إنتاجه الأسمدة العضوية الطبيعية وعدم استخدام هرمونات النمو أو الأسمدة الكيماوية. وامتد الاهتمام بإنتاج غذاء نظيف إلى الإنتاج الحيواني والسمكي. ذلك أن الغذاء النظيف فرصته أكبر في التصدير وبأسعار تفوق ضعف أسعار المنتجات التي استخدمت في إنتاجها مواد كيماوية. ـ تطبيق خطط وبرامج جادة في مجال التفتيش ومراقبة الجودة خلال عمليات إعداد المنتجات الزراعية للتصدير وفي الموانىء للتأكد من خلوها من الأمراض ومطابقتها للمواصفات. ويؤكد الدكتور محمود منصور في ختام دراسته أن حدة المنافسة في الإنتاج الزراعي سوف ترتفع بين دول العالم نتيجة إزالة القيود والحواجز وهذا سيؤثر على الإنتاج الزراعي القائم على مزايا نسبية هشة وسوف يتأثر الاستهلاك المحلي والتصدير إذا لم تأخذ الدولة في الاعتبار الشروط الواجب توافرها في ظل النظام الاقتصادي الجديد.
القطن المصري يفقد حصته في الأسواق العالمية جهود لزيادة الصادرات الزراعية والتركيز على إنتاج المحاصيل التصديرية مازال الحديث عن الآثار السلبية لاتفاقية الجات يمثل حيزا كبيرا لدى خبراء الاقتصاد والسياسة وزاد منه الانتقاد الواسع لبعض جوانب الاتفاقية وكان أبر ز ذلك ما حدث في مفاوضات سياتل الاخيرة.. وفيما يبدو أن الاقتصاد الزراعي يحتل حيزا مهما في هذه القضية لد ى دول العالم كل حسب منطلقاته ,
