بينما كانت وسائل الاعلام مشغولة ومنذ مدة بقضية التعديلات الدستورية وتمديد فترة رئاسة الرئيس ديميريل, نشر المعهد الوطني للاحصاء تقريره السنوي عن حالة الاقتصاد التركي في العام الماضي. فقد أظهرت الأرقام والاحصاءات المقدمة من قبل المعهد, وهذه حقيقة لايمكن تجاهلها, بأن الاقتصاد التركي قد سجل تقلصا حادا في العام الماضي. فقد سجل تراجعا في جميع القطاعات الاقتصادية والتي بلغت 4.6% في عام ورغم الأهمية البالغة لهذا التقرير الذي عممته إدارة العلاقات الاقتصادية والتعاون الدولي بوزارة الخارجية بالدولة بعد تلقيه عن شعارات الامارات في انقرة ورغم ضياعه وسط صخب موضوع التعديلات الدستورية وتمديد رئاسة ديميريل. وان بعض الصحف المعارضة قدمت هذا التقرير بعناوين كبيرة إضافة الى التحليلات الاقتصادية, إلا انه لم يلق الاهتمام المطلوب. فقد تعمدت الصحف الموالية للحكومة فرض تعتيم إعلامي عليه ولفت الانتباه الى موضوع التعديلات الدستورية. ويقول التقرير بان أكبر تراجع شهده الاقتصاد التركي, في العهد الجمهوري كان في أعقاب الحرب العالمية الثانية, فقد انكمش الاقتصاد التركي آنذاك بنسبة 3.15%, ويمكن فهم وتبرير ذلك الانكماش بسبب ظروف الحرب التي دمرت اقتصاديات الدول الأوروبية وحتى المتقدمة منها, ولولا مشروع مارشال الذي أنقذ الاقتصاد الأوروبي لعانت هذه الدول من مشاكل اقتصادية كبيرة. ومنذ عام 1950 بدأ الاقتصاد التركي نموا متزايداً حتى عام 1998 إلا اذا استثنيا بعض الازمات الاقتصادية التي مر بها وخاصة عام ,1994 فقد بلغ متوسط حصة الفرد من الناتج القومي التركي عام ,1998 3224 دولاراً بينما بلغ متوسط حصة الفرد في العالم حسب تقرير البنك الدولي لنفس الفترة حوالي 2950 دولارا, أي ان حصة الفرد في تركيا تجاوزت المتوسط العالمي لحصة الفرد من الدخل القومي. ولكن بعد هذا التقلص الكبير في الاقتصاد التركي هبط متوسط معدل حصة الفرد من الدخل القومي الى 2878 دولارا, أي ان متوسط حصة الفرد في تركيا من الدخل القومي هبط دون المتوسط العالمي. وتشير الاحصائيات الى أن رفاهية الفرد التركي قد ارتفعت الى أكثر من 60 ضعفا منذ تأسيس الجمهورية التركية عام 1923 وحتى عام 1998. فخلال 75 عاما من تأسيس الجمهورية اكستب الاقتصاد التركي قوة متصاعدة, ففي عام 1923 كان دخل الفرد حوالي 45 دولاراً سنويا, حيث كان اجمالي الدخل القومي ذلك العام 723 مليون دولار, أما عام 1998 فقد ارتفع الدخل القومي التركي الى 200 مليار دولار. وتشير احصائيات المعهد الخاص بالتراجع في القطاعات الاقتصادية حسب الآتي: الزراعة 6.,4 الصناعة 0.,5 التجارة 8.,6 البناء 7.,12 المواصلات والاتصالات 0.,4 الأعمال الحرة والخدمات 8.,4 ضريبة الواردات 7.5. وعلى الرغم من انكماش الاقتصاد التركي إلا ان بعض القطاعات سجلت بعض التقدم وأهمها: البنوك والمؤسسات المالية 3.,5 نسبة تملك المساكن 1.,1 خدمات الدولة 7.,2 المؤسسات غير الربحية 5.2. وإذا أخذنا المحصلة النهائية لمجموع الزيادة والتراجع نجد بان الناتج محصلته بالسالب أي -4.6%. أسباب الانكماش وعند البحث في اسباب انكماش الاقتصاد التركي خلال عام 1999نجد جواب الحكومة واجهزة الاعلام الموالية للحكومة والاحزاب المشاركة في الائتلاف هو ان لذلك سببين هما: ـ سبب خارجي ويرجع إلى الازمة الاقتصادية التي اصابت دول جنوب شرق آسيا في عامي 1998 و1999 والتي تسربت إلى دول عديدة منها روسيا وبالتالي تأثر الاقتصاد التركي سلبا بهذه الازمة نظرا لحجم التبادل التجاري الكبير بين البلدين, ولاسيما (تجارة الشنطة), حيث بلغ حجم هذه التجارة حوالي 7 مليارات دولار في العام في بعض السنين قبل حدوث الازمة, وبعد الازمة الكبيرة في الاقتصاد الروسي تراجعت هذه التجارة تراجعاً كبيراً. سبب داخلي ويرجع إلى الزلزال الذي ضرب تركيا في شهر اغسطس الماضي والذي سبب للاقتصاد التركي باضرار بالغة. فقد ضرب الزلزال اهم منطقة صناعية في تركيا حيث يتركز حوالي 30% من البنية الصناعية التركية, وقد قدرت قيمة الاضرار الناتجة عن الزلزال فيما بين 150ـ 200 مليار دولار. ويرى كثير من المحللين الاقتصاديين والصحف المعارضة ان تبريرات الحكومة غير مقنعة, ويرون ان هذا الانكماش في الاقتصاد هو نتيجة للسياسة الاقتصادية الخاطئة لحكومة مسعود بلماز السابقة كما كان للمافيا دور كبير كذلك, وحكومة اجويد الحالية. فحكومة مسعود يلماز ركزت على مشاريع الطرق الباهظة التكلفة والتي شابتها شكوك كثيرة في سوء استغلال النفوذ. كما ركزت الحكومة السابقة والحالية إلى اصدار سندات حكومية بنسبة فوائد مرتفعة جداً في محاولة لسد العجز في الميزانية. مما ادى إلى تركيز المستثمرين على شراء هذه السندات لما لها من عائد ربحي كبير بدلاً من استثمار رؤوس اموالهم في توسيع القاعدة الصناعية وامتصاص البطالة الموجودة. ويقول احد المحللين الصحفيين لقد كان هناك تراجع في جميع القطاعات الاقتصادية في عام 1999كان هناك تراجع في الانتاج والتصدير, وفي السياحة, وفي قطاع البناء والخدمات وفي الصناعة والاستثمار فلا يحق لاحد ان يربط التراجع في الاقتصاد بكارثة الزلزال. لان التراجع في الاقتصاد كان مستمرا منذ بداية عام 1999 وان الزلزال قد وقع في شهر اغسطس ,1999 اي ان تركيا كانت مقبلة على فقر اقتصادي قبل وقوع الزلزال. صحيح ان الزلزال اثر في البنية الاقتصادية الا انه لم يكن سببا رئيسيا في الانكماش الاقتصادي. يرجع الخبراء الاقتصاديون التراجع الكبير في الاقتصاد التركي إلى التضخم العالمي والانخفاض الكبير في قيمة العملة التركية مقابل العملات الرئيسية في العالم والذي اثر بشكل كبير في قيمتها الشرائية وبالتالي انخفاض الطلب الداخلي والخارجي والذي تبعه هبوط في الانتاج وانخفاض في الصادرات وزيادة في البطالة. ويقول محللون صحفيون غير مقنعين بتبريرات الحكومة حول التراجع الاقتصادي ان هذين السببين لا يقدمان الا جزءاً من التفسير لهذا التراجع ولهذه النسبة الاكبر منذ 55 سنة. اضافة إلى ذلك فإن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللذان يجريان مفاوضات مع الحكومة التركية لمنحها قروضا طلبتها الحكومة التركية, قد فوجئا بهذه النسبة العالية في تراجع الاقتصاد التركي ولم يكونا يتوقعا ذلك, مما يعني بان الاصلاحات الاقتصادية التي تقوم بها الحكومة غير مجدية او غير كافية ويتوقع ان يفرضا على تركيا شروطا اقسى في مباحثاتهما المقبلة, وهذا ما ستكشف عنه الايام المقبلة. كان يدعي رئيس الوزراء بان الاستقرار في البلاد مرهون بإعادة انتخاب الرئيس سليمان دميريل لولاية رئاسية ثانية, وهذا خطأ كبير, الآن الاستقرار الاقتصادي هو أهم شروط استقرار البلاد, وإن هذا الاستقرار لا يمكن ان يكون في بلد فيه هذه النسبة الكبيرة والمتزايدة من البطالة, اضافة الى التضخم التي تؤدي إلى هبوط القيمة الشرائية للعملة الوطنية وباستمرار مع الارتفاع الحاد في قيمة السلع والخدمات, ولاسيما عند الطبقة المتوسطة والطبقة الفقيرة. ان حكومات الدول النامية تبذل جهودا كبيرة واهتماما اكبر من اجل اعادة الامور الى نصابها على الساحة الاقتصادية ومعالجة التضخم والبطالة بالقضاء على المافيا واتباع نظم اقتصادية صارمة تحد من التلاعب. وقد نجحت في حلها العديد من تلك الحكومات, وليس من الصعب على الحكومة التركية حل ازمتها خاصة وانها تعد نفسها للدخول في الاتحاد الأوروبي التي لا يمكن دخولها الا بالتقيد بشروط صعبة للتأهيل, وتجاوز النظرة الآنية الضيقة والخاصة في المسيرة الاقتصادية.