يجد الإنسان نفسه في هذا الزمن الذي سيطرت عليه الماديات مدفوعا بقوة خارقة لا يعرف مصدرها نحو اكتناز الأموال, ليست فقط لسد احتياجاته الضرورية الآنية, ولكن تحسبا للطوارئ وما يستجد في حياته من أمور. ويؤكد المثل القائل (القرش الأبيض ينفع لليوم الأسود) مدى سطوة الأموال وقدرتها على تحويل حياة الإنسان إما إلى نعيم أو إلى جحيم. إلا أن هناك (الأذكياء) الذين يعرفون كيف يجمعون الأموال ويوظفونها لتتوالد وتتكاثر, وهناك (الغلابة) الذين لا يعرفون كيف يكدسونها حتى تتراكم وتتحول إلى ثروات كبيرة. وللحظ دور هنا, كما أن هناك مجالا لما يسمى بـ(الفهلوة) , فعلم الرياضيات يؤكد أن (واحد زائد واحد يساوي اثنين) .. وهنا مربط الفرس. ولابد من سؤال هنا وهو: كيف يمكن للإنسان أن يصبح غنيا؟ وهو سؤال محير, وتعتمد الإجابة الصحيحة عنه على كلمتين فقط هما (إدارة الأموال) . فالذي يدير أمواله بطريقة سليمة ولا يبخل على نفسه بشيء منها وينظر إليها كمورد قابل للزيادة والنقصان, ومع ذلك يجب ان يتزايد, هو الذي يستطيع جمع الأموال. أما ذلك الذي ينظر إليها كشيء عابر يأتي لكي يذهب, فسيكون كمن سافر في رحلة طويلة وعاد منها كما يقول الشاعر (لا إبلا وسق ولا بكفيه القصيد روائعا) .. وتلك هي المشكلة. ولابد هنا من سؤال آخر هو: كيف يمكن للإنسان أن يدير أمواله حتى يصبح غنيا؟ إن الأمر برمته يعتمد على نظرة كل منا إلى مفهوم المال والثراء, إضافة إلى الاعتراف بأهمية الأموال في حياتنا ومعرفة أساليب المحافظة عليها وزيادتها. وبطبيعة الحال ليست هناك وصفة جاهزة, ولكن هناك خطوات وإجراءات قد تسهل من عملية إدارة الأموال والدخول إلى عالم الثراء والجاه. ولعل الخطوة الأولى هي كيفية حفظ النقود. وقد كان باطن الأرض في يوم من الأيام هو المكان المثالي لحفظ النقود, ولكن مع تطور الحياة وتنوع احتياجات الإنسان وسعيه إلى تأمين ممتلكاته ظهرت مؤسسات متخصصة في حفظ النقود والمقتنيات الثمينة, وهي البنوك. ولم يقف الأمر عند هذا الحد, بل استحدثت البنوك أساليب متعددة لتسهيل عملياتها, منها الشيكات والشيكات السياحية وبطاقات السحب الآلي وبطاقات الائتمان والحوالات والكمبيالات وغيرها من المسميات والأدوات. ولأن زمن حفر حفرة وسط إحدى الحجرات ووضع النقود داخلها وإحكم إغلاقها قد ذهب وبلا عودة, فلم يبق أمام الإنسان إلا البنوك, تلك المؤسسات المالية التي بدأت صغيرة ثم توسعت بفضل تشغيل الأموال التي يودعها العملاء بحساباتهم الجارية وحسابات الادخار وغيرها وبفضل الفوائد التي تفرضها نظير القروض والائتمانات. ولكن, وبالنظر إلى الأعداد الهائلة من البنوك, يظل السؤال الآخر: (أي بنك أختار؟ وكيف؟) . وهذا سؤال لا يصدر إلا عن عاقل يقدر عاليا المجهود الذي يبذله لكي يحصل على المال. إن اختيار البنك قد يبدو ولأول وهلة أمرا يسيرا.. وهو هكذا بالفعل, إلا أن اختيار البنك الخطأ قد يجعل الإنسان يفقد كل أمواله, وبالتالي عقله. وللخروج من هذا المأزق هناك بضعة أسئلة يمكن للإنسان أن يطرحها على نفسه وعلى مسئولي البنك الذي سيتعامل معه, شريطة أن يتم ذلك قبل التوقيع على أي مستند يحمل اسم ذلك البنك. والأسئلة هي أربعة فقط, إلا أنها ضرورية للغاية لأنها تمثل المناورة الحربية التي تسبق المعركة, وهي: * ما هي احتياجاتي بالتحديد؟ وبعبارة أخرى: ماذا أريد من هذا البنك؟ إن تحديد هذه الاحتياجات وتقويمها ثم العثور على بنك يلبيها هو العنصر الرئيسي الذي يجعلك تعثر على البنك المثالي. ويتطلب تحديد تلك الاحتياجات الإجابة عن أسئلة أخرى, مثل: هل أنت كثير السفر والتجوال ويحتم عليك ذلك الاستفادة من خدمات أجهزة الصرف الآلي محليا وعالميا, أم أنت رجل أعمال مبتدئ يبحث عن تمويل في المستقبل, أم هل ترغب فقط في فتح حساب ادخار أو حساب جار؟ إن تحديد الاحتياجات ومقارنة ما يمكن أن تقدمه مختلف البنوك للاستجابة إلى تلك الاحتياجات يجب أن يكون على رأس قائمة أولويات أي إنسان يبحث عن مكان آمن لأمواله. * كم ستكون تكاليف التعامل مع البنك؟ إن تكلفة التعامل مع أي بنك هي الخطوة الثانية التي يجب أن تلقى ما يكفي من اهتمام, إذ من السهل على الإنسان أن ينسى الرسوم التي يفرضها البنك وذلك لأنه لا يقوم بدفعها يوميا. ويكون العميل ذكيا عندما يقوم بإجراء مسح شامل على السوق لكي يتأكد من الرسوم الشهرية ورسوم السحب على المكشوف ورسوم تجاوز الحساب للحد الأدنى من الرصيد المسموح الاحتفاظ به ورسوم إيداع الشيكات المرتجعة ورسوم إرسال كشوف الحساب الشهرية. وهنا يجب على الإنسان أن يكون حريصا للغاية, فقد تتراكم دراهم هنا وبضعة فلوس هناك حتى تصبح عبئا ماليا ثقيلا في نهاية كل شهر. * ما هي الأداة التي أفضلها للتعامل مع البنك؟ يوجد في الحقيقة عدد كبير من الأدوات الحديثة للتعامل مع البنوك.. فهناك أدوات لإيداع الأموال, وهناك أجهزة الصرف الآلي, وهناك الأرقام التي تبدأ دائما بالرقم 800. وهناك الخدمات البنكية الهاتفية وغيرها من الأدوات. وإذا كنت تعشق واحدة من تلك الأدوات, فالعشق وحده لا يكفي, إذ لابد من التأكد من أن البنك الذي ستتعامل معه يمتلك تلك الأداة. وهناك أسئلة ذات صلة بهذا الموضوع, ولابد من النظر إليها بعناية مثل (كم تبلغ تكاليف هذه الخدمات؟, وما هو مستوى المساعدة التي يمكن أن يقدمها عند الضرورة؟ وهذه أسئلة لابد من الحصول على إجاباتها. * هل البنوك الكبيرة أفضل من غيرها؟ إن كثيرا من الناس يقع في خطأ افتراض أن البنك كلما كان كبيرا فإنه يقدم خدمات ممتازة ويكون أفضل من غيره, وبهذا يتجاهلون الفوائد المحتملة للتعامل مع البنوك الصغيرة. وفي معظم الحالات تولي البنوك المحلية الصغيرة عناية أكبر بعملائها, وقد تتطور العلاقة بين كثير من العملاء وموظفي هذه البنوك إلى علاقات خاصة تتجاوز المساحة الجغرافية التي يشغلها البنك. والبنوك الصغيرة تسعى لأن تكون كبيرة, ولهذا فهي تجتهد في تقديم خدمات ممتازة. ومهما كان انحيازك واختيارك فلابد من أن تكون مطمئنا للبنك الذي تقرر التعامل معه وراضيا عن الخدمات التي يقدمها والرسوم التي تدفعها. وتذكر ليس فقط تقويم موقفك الحالي ولكن علاقتك المستقبلية مع البنك, وتأكد من أن اختيارك قد وقع على البنك الذي يمكن أن تكبر معه أنت وأموالك. والآن, وبعد أن ضمنت أن أموالك في حفظ وأمان ولا خوف عليها من الضياع, كيف يمكنك أن تصبح ثريا؟ وكيف يتحقق الثراء؟ هل يتحقق ذلك من تملك الأسهم أو افتتاح شركة تتعامل في التقنيات الحديثة, أم من خلال التعليم الجيد, أم هل الأمر كله ضربة حظ ليس غير؟ إن هناك إجابة واحدة فقط عن كل تلك الأسئلة, وهي ببساطة شديدة أنه لا توجد طريق واحدة نحو الثراء, وكل ما تضمنته تلك الأسئلة حقق الثراء لعدد ليس بالقليل من الأشخاص. إلا أن هناك خمس خطوات عملية لها فعل السحر في جعل الأموال تتكدس وتتراكم, ولن نبخل بها عليك, على الرغم من أننا لم نجربها, وهي: ـ أنفق أقل مما تكسب, وهذا هو السيناريو الذي يتم تجاهله دائما, لأن معظم الناس يعتقدون أنه يعني أن يحرم الإنسان نفسه من عدد كبير من الأشياء التي يرغب فيها, الأمر الذي يؤثر سلبا على نمط حياته ومستوى معيشته, وهو أمر يصعب على معظم الناس القبول به. وبطبيعة الحال فإن نمط ومستوى المعيشة سوف يتأثر إذا قام الإنسان بخفض إنفاقه على تناول الوجبات في المطاعم, ولكنه في الوقت ذاته إن لم يفعل فإن دخله سيتأثر سلبا أيضا. ولهذا لابد من الكف عن النظر إلى الدخل وكأنه قطعة كيك يجب أن تقسم إلى قطع متساوية لتغطية النفقات المنتظمة مثل إيجار المنزل وفواتير الهاتف والكهرباء وخلافها, والتركيز بدلا من ذلك على كيفية زيادة وزن قطعة الكيك. وبطبيعة الحال يمكن للموظفين طلب زيادة أجورهم, إلا أن هذه الزيادات قد لا تأتي مطلقا, وإن أتت فسوف لن تكون كافية. لذا فالأفضل هو البحث عن مصادر أخرى لزيادة الدخل. والطريقة المثالية للبحث عن مصادر دخل إضافية هي معرفة كيفية قضاء الوقت وأيضا كيفية إنفاق الأموال. وقد يكون العمل كبائع في أحد المحال التجارية مقابل أجر إضافي أفضل بكثير من إنفاق بعض المال في شراء سلع من المحل ذاته. كما أن استثمار الأموال الفائضة عن الحاجة أفضل بكثير من إنفاقها. ـ استثمر أموالك واجعلها تعمل من أجلك كما تفعل أنت من أجل نفسك, إذ أن سر النجاح المالي الحقيقي يعتمد على تشغيل الأموال حتى يستريح أصحابها. ولكن ذلك يستوجب تراكم استثمارات كافية حتى يمكن لعوائدها أن تحررك من مشاعر القلق والتوتر التي تصاحب التوقعات المالية. ولكن ذلك لا يمنعك عن العمل, فكثير من الأثرياء يجدون متعة عظيمة في مزاولة أعمالهم العادية. ـ تأكد من أن أموالك تعمل لمصلحتك وليس ضدك, فمثلما تعمل أموالك بقوة من أجل مصلحتك إذا اتخذت القرارات السليمة والتزمت بخطة استثمار واضحة, فإن القرارات المالية الخاطئة تضع العديد من العراقيل أمام النجاح في تحقيق الثروات. وهناك المثال الكلاسيكي المتمثل في بطاقة الائتمان, فإذا سحب أحدهم مبلغ ألفي دولار أمريكي بفائدة مقدارها 8.19% ورسم سنوي مقداره أربعون دولارا ولم يدفع إلى الحد الأدنى من الدفعات الشهرية فإنه يحتاج إلى واحد وثلاثين عاما وشهرين لسداد كل المبلغ, إضافة إلى مبلغ 8202 دولار رسوم تمويل. وإضافة إلى ذلك فإن كل ما يحصل عليه ذلك الشخص من خلال هذه البطاقة اللعينة سيكون إلى زوال, إلا قيمة تلك الأشياء التي سوف تلازمه كظله لأكثر من ثلاثين عاما. ـ فإن كنت مدينا لأية جهة, خاصة بطاقات الائتمان, عليك بمضاعفة الدفعات الشهرية لكي تتخلص من تلك الديون خلال أقل من ثلاث سنوات, إن سداد الديون هو الطريق الوحيد نحو الحرية المالية. ـ تذكر أنك إن لم تراقب أموالك فإنك سوف لن تنفقها, فإذا تمعنت في أجرك جيدا فسوف تلاحظ أن هناك العديد من الخصومات قد تتجاوز المبلغ الذي تستلمه فعلا. فهناك أقساط شهرية لسداد القروض, ومبالغ أخرى ستذهب إلى الكهرباء والهاتف وإيجار المنزل وغيرها من اوجه الإنفاق, ولن يتبقى إلا القليل. ـ حدد أهدافا لمدخراتك واستثماراتك, مثل هل ترغب في أن تبلغ ثروتك مليون دولار عندما تصل إلى سن الأربعين أو الخمسين؟ ولهذا حدد أهدافك الخاصة وفي وضوح تام, ولكن لا تقدم على تحديد هدف لن تستطيع تحقيقه, لأن تحقيق أهدافك لا يعتمد على زيادة في الأجر يمنحها لك رئيسك, إذ اانها يجب أن تتحقق من خلال جهودك وحدك. وقد تفكر في الاستثمار بتطوير مستوى تعليمك حتى تكون مؤهلا لوظيفة ذات أجر جيد, وقد تحتاج إلى أن تخاطر أو تجازف في تنويع استثماراتك أو في نمط حياتك بشغل وظيفة مقابل عمولة وليس نظير أجر معلوم.. فقط قم بإجراء تقويم شامل لكل المخاطر المتوقعة, وتأكد من أنك إذا كنت واضح الأهداف وصافي الذهن ومثابرا فإنك ستصل إلى مبتغاك, وهو تحقيق الثراء.