انهم يطلقون على ستوكهولم عاصمة الانترنت في اوروبا. اذا سرت في شوارع ستوكهولم تجد الموائد منتشرة على الارضية امام محال الوجبات السريعة؟ وكل الجالسين والمشاة في الشوارع يضعون الهواتف المتحركة على آذانهم. وتشاهد اعلانات شركات الانترنت في كل مكان. انها حقاً المدينة التي تتصدر ثورة تكنولوجيا المعلومات في اوروبا ولا يمكن ان تخطىء العين ذلك. انها عاصمة الانترنت الاوروبية. تنتمي شركة نوكيا للهواتف المتحركة إلى دول اوروبا الشمالية, وهي اكبر شركة لانتاج الهواتف المتحركة في العالم, كما تنتمي شركة اريكسون ايضا لنفس مجموعة الدول, وهي التي توفر البنية التحتية للهواتف المتحركة. ويوجد لدى هذه الدول ايضا اكبر بنك للانترنت هو بنك ميريتا نور بنكين, ولديه عدد من اكبر شركات استشارات الانترنت هي فرام فاب وشركة انفور ميشن هاي واي كومكتا ولديهم ايضا شركة سيل نتورك مانديتور. وقد تمت اعداد لا حصر لها من الشركات الاصغر التي تنامت حول المجموعات الكبيرة من الشركات لتساعد في ان تتصدر المنطقة صناعة التكنولوجيا التي ستكون هي الصناعة الاولى في القرن الواحد والعشرين, مثل الانترنت على الهاتف المتحرك والشبكات العملاقة او ما يطلق عليه (برود باند) . ويقول جوناس بيرجرسون مؤسس شركة فرام فاب ومن اكبر رجال الاعمال المعروفين في السويد والذين يصل عددهم إلى اكثر من عشرين في مجال تكنولوجيا المعلومات ان السويد هي وادي السليكون الجديد. ويقول رجل اعمال آخر ان بورصة ستوكهولم يمكن ان تكون ناسداك اوروبا. ومن الغريب ان يحدث ذلك على اطراف اوروبا في دول تحتوي على عدد مخلخل من السكان ويمر عليها شتاء طويل ومجتمعات عرف عنها ارتفاع الضرائب اكثر مما عرف عنها من رجال الاعمال والمشروعات. هذه الدول توجد بها حكومات اشتراكية ديمقراطية ونقابات عمال قوية من فترة طويلة, وكان الشعور السائد انها تفتقر إلى الحيوية والطاقة فيما مضي. لكن النقابات العمالية فيها الآن مثل اي رجال اعمال يستثمرون في شركات التكنولوجيا المعلوماتية الجديدة. ويقول كاي كارتونين مدير مؤسسة ايفلي للتمويل في فنلندا ان تلك المرة الاولى التي يتصدر فيها هذا الجزء من العالم في شيء يهم بقية اجزاء العالم بالفعل. كان من المثير اننا صتعنا اسرع ماكينة ورق في العالم, لكن لم يهتم بذلك احد في مانهاتن او لوس انجلوس او طوكيو. ورجال الاعمال الجدد في العشرينات من عمرهم او الثلاثينات, رغم ان هناك من هم في الخمسينات والستينات ايضا ورجالات السياسة والمصارف الاستثمارية هم من الذين يتركون الوظائف التقليدية ويتجهون إلى حياة اكثر اثارة. ثورة التكنولوجيا المعلوماتية تساعد في تغيير المفاهيم الخاصة لدول شمال اوروبا, كما تغير مزاج شعوبها ايضا. يقول احد العاملين في البنوك الاستثمارية انه سيكتشف ثقة جديدة بالنفس في دول اوروبا الشمالية, فهي لم تعد خاضعة لظلام وبرد الشتاء الطويل. هل يمكن ان يغيروا اقتصادهم؟ السؤال الآن هل تستطيع هذه الدول تغيير اقتصادها ايضا؟ وفي حالة السويد مثلاً, هل تستطيع ان تغير اتجاهاً استمر لمدة 30 عاماً؟ الحقيقة ان تكنولوجيا المعلومات قد غيرت بالفعل اقتصاديات هذه الدول, وتساهم شركة نوكيا مثلاً بثلث اجمالي الناتج المحلي في فنلندا. وليس تأثير شركة اريكسون بهذا الشكل على السويد, ذات الاقتصاد الاكبر, لكن لا شك ان الثروة التي تكونها اريكسون وقطاع تكنولوجيا المعلومات له اثره على اقتصاديات المدن الكبيرة والبورصة والاسعار في ستوكهولم. والاكثر من ذلك ان الشركات القيادية مثل فولفود واطلاس كوبكو وساندفيك هي في طليعة مستخدمي الانترنت في اعمالها. وقالت شركة أي.دي. سي الاستشارية الامريكية ان السويد فاقت الولايات المتحدة في كونها مجتمعا معلوماتيا. فقد لعب برنامج تخفيض ضريبي يمكن اهالي السويد من شراء الحواسيب الآلية من جهات العمل دوراً كبيراً في مكانة الصدارة للسويد في هذا المجال. وقال بحث آخر ان فنلندا احتلت المركز الثالث والسويد المركز التاسع من حيث القدرة التنافسية على مستوى العالم واجرى هذا البحث المعهد الدولي للتنمية الادارية. وارتفعت مكانة فنلندا إلى هذه المرتبة من المركز الخامس عشر من اربع سنوات والسويد من المركز السابع عشر من عامين. ويقول ستيفان جارلي مدير المعهد ان هذا يثبت كيف يمكن ان يؤثر الاقتصاد الجديد على القدرة التنافسية للدول بغض النظر عن حجمها. وقد ساعد ارتفاع مستوى التعليم ورفع القيود المبكر في وضع اهالي دول اوروبا الشمالية في مقدمة موجة التغير في اوروبا. كما ساعد على ذلك ايضا الحماس للتكنولوجيا الجديدة وان المنطقة بها اعلى نسبة استخدام للانترنت في العالم واعلى نسبة في استخدام الهواتف المتحركة فتصل نسبة من يستخدمون الانترنت إلى 82% مما يجعلها الاولى في العالم. ازالة الامية الالكترونية ويقول ليف باجروتسكي وزير التجارة السويدي ان هذه هي نتيجة انتشار الوعي بتكنولوجيا المعلومات ومحو الامية الالكترونية, فالحواسيب الآلية في المنازل ليست حكراً على نخبة من الناس, فهذا امر هام جداً. ويضيف ان هذا الانتشار خلق نوعاً من المستهلك المتقدم مما ادى إلى التبني السريع لنشاط المصارف عبر الانترنت مثلاً. ويشير جورما اوليلا مدير شركة نوكيا إلى الكساد العميق الذي اصاب دول شمال اوروبا في بداية التسعينيات ويقول ان هذا اجبرنا على التكيف مع الاقتصاد الجديد في وقت مبكر مقارنة بالدول الاوروبية الاخرى, فكان لابد ان تكون التغيرات ثورية. ولم يكن من الممكن ان تقوم ثورة تكنولوجيا المعلومات دون نوكيا واريكسون, فهما ينتجان نحو 4 من كل عشرة هواتف متحركة في العالم, وتسيطران على قطاع البنية التحتية للهواتف المتحركة بنفس النسبة. وساعدت استثمارات الشركتين في الابحاث والتطوير في توسيع نطاق التجارة الالكترونية. موطن للشركات العالمية والاكثر من ذلك ان غالبية الشركات العالمية في مجال الاتصالات توجد في منطقة شمال اوروبا, ومنها سونيرا الفنلندية وتليا وتلنيور السويدية والنرويجية على الترتيب. وتتهافت الشركات العالمية على السويد من اجل الحصول على الخبرة خاصة في مجال الانترنت على الهاتف المتحرك وشركات مايكروسوفت واوراكل وانثل من الشركات التي انشأت لها فروعا في منطقة كيسا إلى الشمال من ستوكهولم حتى اطلقوا علي كيستا اسم وادى الهاتف المتحرك او وادي اللاسلكي. ويقول توماس جونسون المدير التنفيذي لشركة نوكيا ان هذا له دلالات هامة جداً, فالتكنولوجيا سوف تخرج من السويد, وليست من الدول التي تنتمي اليها هذه الشركات وهناك مدينة مماثلة هي مدينة اولو الواقعة على الساحل الغربي لها. والمجموعات الدولية لا تنقل عملياتها إلى المنطقة وحسب بل يشترون شركات في اوروبا الشمالية ويقيمون مشروعات مشتركة. وقعت مايكروسوفت عقد مشروع مشترك هام مع اريكسون في ديسمبر الماضي, وانفقت شركة انتل 25.1 مليار دولار لانشاء شركة مشتركة في الدنمارك. لكن قامت شركات تكنولوجيا المعلومات في شمال اوروبا ايضا بشراء اسهم خارج المنطقة وبعضها يخرج عن حدود اوروبا واصبح يطلق على هذه الشركات اسم اي ـ فايكنج, ويهدفون بذلك إلى تأمين مكان لهم امام المنافسين من بريطانيا وفرنسا والمانيا. ومن هذه الشركات الاستشارية السويدية في الانترنت الذين لهم وجود حاليا في اكثر من 20 دولة اوروبية. هل يمكن ان يستمر تفوق شمال اوروبا؟ مع انتشار ثورة الانترنت من المنطقة إلى دول اوروبية اخرى ذات اسواق اكبر, يخشى البعض ان تفقد دول شمال اوروبا هذه المكانة الرائدة والمتصدرة. والاكثر من ذلك ان نقص رأس المال والعمالة الماهرة وارتفاع الضرائب قد يدفع بعض شركات تكنولوجيا المعلومات إلى البحث عن مكان آخر. ويتذمر رجال الاعمال من ارتفاع الضرائب خاصة على الاسهم. واذا انتقلت الشركات ورجال الاعمال فهل تنتقل المهارات ايضا؟ يعبر بنك ايبو ـ كوم الذي سينقل مقره إلى لندن ويترك ستوكهولم على ان ذلك لن يحدث. ويقول اولا لوريتزون مؤسس البنك الاستثماري عبر الانترنت ان توفير المهارات التقنية والمهندسين في السويد اعلى بكثير منه في لندن, لكن الصفقات وتدفق المسثتمرين والاستثمارات في لندن اكبر كثيراً. ويشدد على ان تطوير الانظمة هو جزء من العملية سوف يظل مستوطناً في السويد. وهناك خطر آخر كما يقول جان اولسون الخبير الاستثماري بفرع البنك الالماني في لندن ان الشركات قد تقرر بيع الاسهم بدلاً من محاولة انشاء شركات جديدة. لكن هناك آخرين لديهم ثقة كبيرة في امكانية استمرار هذه الصدارة لشمال اوروبا. فيقول تبري نيمي رئيس مجموعة كابجان الفنلندية ان دول شمال اوروبا سوف تحتفظ بمركز الصدارة خلال الاعوام الاربعة او الخمسة المقبلة. ويقول باجروتسكي بوزارة التجارة السويدية ان الرضا الكامل عن النفس والوضع الحالي هو الخطر الاكبر. فلابد الا نأخذ نجاحنا على انه امر مسلم به ونتوقف عن الركض السريع ومحاولة الاستباق. كتب المحرر الاقتصادي