كل من قرأ التاريخ السابق, لابد ان ينظر الى جهود بنك الاحتياطي الفيدرالي الامريكي المالية بإعجاب وانبهار, في محاولة كبح جماح الاقتصاد الامريكي. فقد قام البنك المركزي الامريكي منذ العام الماضي برفع اسعار الفائدة من 75.4% حتى 5.6%, والهدف من ذلك هو السيطرة على طفرة المضاربة دون التسبب في كساد أو اطلاق معدل التضخم للارتفاع. اذا تركت كل طفرة مضاربة على الأسهم لطبيعتها, سوف تنحدر حتى تتوقف, لكن المشكلة ليست ان البنك المركزي الامريكي شديد القلق, بل هناك نوع من عدم الاستقرار الذي لا يمكن تجنبه يصاحب طفرات المضاربة, فأسعار الاسهم أو الاراضي التي كان يبدو انها معقولة تصبح عكس ذلك ويزداد فقر الناس مع فقدان قيمة الاسهم أو الأرض. لكن جهود تهدئة الطفرة قد تبدو غير فعالة, أو ببساطة تؤدي الى انخفاض في النمو الاقتصادي. فالبنك المركزي الامريكي يواجه معضلة, وقد يخسر اذا لم يتخذ أية خطوة. ان هدفه النهائي لابد وان يكون الانفاق الاستهلاكي خارج سوق الاوراق المالية, فقد بلغ الانفاق الاستهلاكي الامريكي عام 1999 نحو 26.6 تريليونات دولار, أو مثل نسبة 68% من الناتج الاقتصادي. وظل الانفاق الاستهلاكي يرتفع على مدى سنوات سبع وتسارع بمعدل يفوق الدخل, فالامريكيون ينفقون بمعدل متزايد أكثر من تزايد دخولهم بسبب قوة الأسهم وسوق العمل اللذين عززا الثروة والثقة. هذا الانفاق دفع الطفرة بشكل أكبر والآن يمثل مخاطرة بأن يرتفع معدل التضخم. من الناحية النظرية يمكن ان يساهم رفع أسعار الفائدة في تهدئة الانفاق الاستهلاكي وهذا يكفي لخفض معدلات التضخم لأقل مستوى ممكن مع تجنب الكساد, لكن من الناحية العملية لكل حالة ظروفها الخاصة. في عام 1992 أنفق المستهلكون 91% من دخولهم وادخروا النسبة الباقية. وفي عام 1999 انفقوا نحو 98% من دخلهم وزاد الانفاق الاستهلاكي من أرباح الشركات, ورفعت الارباح أسعار الأسهم والاستثمارات التجارية. لنفرض ان خفض الانفاق الاستهلاكي عكس العملية بالكامل, هل ينخفض معدل النمو الاقتصادي, أو يدخل في حلقة من الكساد؟ التاريخ يجيب بأن هذا لن يحدث, لقد انتهت طفرات مضاربة سابقة نهاية سيئة. ففي الأزمة الآسيوية عام 1997/1998 لم تستطع البنوك التي أطلقت قروضا تبالغ فيها ان تحصل القروض التي منحتها للشركات والمصانع, لأن الأخيرة بدورها لم تحقق أرباحا كافية. وحدث الشيء نفسه في اليابان في الثمانينات حتى الآن فإن البورصة اليابانية في نصف الذروة التي وصلتها عام 1989. ومرت الولايات المتحدة ايضا بعدة طفرات مضاربة, منها العشرينات بالطبع. وقارن استاذ اقتصاد جامعي بين ارتفاعات أسعار الأسهم المعدلة حسب التضخم عندئذ والآن, وقال ان كلاهما يمثل ذروة. في عام 1929 رفع البنك المركزي أسعار الفائدة, والسبب انه كانت هناك طفرة مضاربة على الأسهم لابد ان تتوقف. وفي بداية القرن الحالي أصاب الذعر البنوك الامريكية, وفي عام 1913 أنشأت الولايات المتحدة البنك المركزي لتجنب هذا الذعر, ويبدو انه نجح في أواخر العشرينات. ويقول الاستاذ الجامعي ان الحديث كله عن كيفية استطاعة البنك المركزي ان يحافظ على الازدهار وخفض التضخم, كما هي الحال الآن, لكن الكساد الذي وقع في الثلاثينات أوقف كل هذا الحديث. في ثلاثينات القرن الماضي كانت الولايات المتحدة متفائلة بسبب اصدار السندات لانشاء الطرق والقنوات التي ستساهم في توصيل المنتجات الزراعية للاسواق بسرعة أكبر. وبحلول عام ,1842 اخفقت ثماني ولايات في بيع السندات. وفي ثمانينات القرن الحالي كانت اليابان هي صرعة المستقبل. وقبل الأزمة الآسيوية كان هناك ما يسمى المعجزة الآسيوية. التاريخ لا يحتاج لتكرار نفسه, لقد تخلت البلاد منذ فترة طويلة عن معيار غطاء الذهب الذي سبب الكساد العظيم. الاقتصاد ينمو بسرعة كبيرة لذلك يمكن ان يبطىء دون ان تتوقف اذا تباطأ الاقتصاد كثيرا يمكن للبنك المركزي خفض أسعار الفائدة. ليس هناك الكثير يعرفون تاريخ طفرة المضاربة على الأرض في ثلاثينات القرن الماضي. كانت احتمالات ازدهار تجارة الأرض رائعة. من 1830 حتى 1836 ارتفعت أسعار القطن والقمح بمعدل الثلثين. وازدهرت مبيعات الاراضي الفيدرالية, بل وسجلت طفرة. في عام 1830 بلغت مساحة هذه الاراضي مليوني هكتار, وعام 1836 بلغت تجارتها 20 مليون هكتار, عندئذ توقفت الطفرة. وحاول الرئيس اندرو جاكسون وقف المضاربة على الأرض من خلال مرسوم أصدره عام 1836 وجاء فيه قبول الذهب والفضة فقط لشراء الأراضي الفيدرالية وليس الاموال الورقية. عام 1837 و1839 كان هناك ذعر بين المصارف, كان الكساد أسوأ ما شهدته الأمة, انخفضت اسعار المنتجات الزراعية وأغلقت أبواب المصانع.. الذي يشبه ما حدث في ذاك الوقت الآن هو الاندفاع نحو المضاربة. ولا تزال هناك أسباب يتمسك بها المتفائلون لا يزال التاريخ يلقي بظلاله.. ما فعله البنك المركزي عام 1929 كان عملية جراحية.. حقاً هي عملية صعبة, ويحاول البنك ان يجريها مرة اخرى اليوم.. لاتزال العملية صعبة بمعايير اليوم ايضا ولا يمكن ان يختلف على ذلك اثنان, لكنها ضرورية ولازمة.