يعرف الاقتصاديون الاستهلاك على انه نشاط اقتصادي يقوم به الفرد أو المؤسسة (مؤسسة فردية أو شركة أو هيئة أو جهة حكومية) باستغلال السلع والخدمات الاقتصادية وتسخير درجة اشباعها ومنافعها لاشباع حاجاته الاقتصادية. ومن هذا المنطلق فإن كافة افراد المجتمع مستهلكون, وكافة افراد المجتمع لديهم الاستعداد والقابلية لأن يكونوا منتجين وإن لم يكونوا جميعا كذلك. من هنا يتبيّن لنا ان نشاط الاستهلاك أكبر مجالا من نشاط الانتاج, وهذا في الحقيقة ما دفع الانسان الى اختراع وتطوير الآلات والمعدات والتكنولوجيا التي تعمل على مضاعفة الانتاج ليغطي حجم الاستهلاك ومجاله. ومع كبر حجم الانتاج واتساع مجاله وازدياد حدة المنافسة في مجال الانتاج ومع حرص المنتجين على زيادة ومضاعفة أرباحهم نسوا أو تناسوا بأنهم في الوقت ذاته مستهلكون. ومع غياب الوازع الديني والرادع الذاتي, ومع ضعف الضمائر وضعف القيم الاجتماعية وضعف الرقابة الذاتية والخارجية انتشر الغش التجاري في كل دول العالم. بيد انه يتفاوت من دولة الى اخرى, وذلك حسب قوة الرقابتين الذاتية والخارجية. وأخذ الغش أشكالا عديدة جدا تركز جميعها على استغبان المستهلك النهائي (أي المستهلك الفرد) الذي في الغالب يجعل الكثير من الحقائق والمعرفة حول السلع والخدمات المصنعة. فالغش قد يكون في مكونات المواد الغذائية, وقد يكون في تاريخ صلاحيتها وقد يكون في اسم السلعة حيث يقلد المنتج اسم السلعة أو الماركة التجارية ولو بحرف واحد شبيه بالحرف الآخر (مثل س, ش, ص, ض, ع, غ... وهلمجرا). وقد يكون التقليد بالشعار, وقد يكون بلون العلبة أو حجم العلبة أو شكلها أو غير ذلك من الأساليب المعروفة. من الذي يستطيع حماية المستهلك من الغش التجاري؟.. في الدول الصناعية الغربية الدولة هي التي تحمي المستهلك من الغش التجاري, وذلك لأن المستهلك هو الثروة البشرية التي تملكها الدولة وتبسط سيادتها عليها والدولة هي السلطة الأقوى والنفوذ الأعظم داخل المجتمع ولا يعلو عليه نفوذ سوى نفوذ الخالق بالطبع. ان الغش التجاري بمستواه الحالي على مستوى العالم أكبر من ان تسيطر عليه جمعية حتى وان كانت مدعومة من قبل الدولة, وهذا لا يقلل اطلاقا من الدور الذي من الممكن ان تلعبه الجمعيات التعاونية وجمعية حماية المستهلك في توعية المستهلكين وتنبيههم الى أخطار الغش التجاري وأشكاله وأنواعه وتكون هي ذاتها قدوة للتجار والمنتجين في مكافحة الغش التجاري وذلك لأنها هي تاجر ايضا. أما في الوضع الحالي في الدولة فإن بعض الجمعيات التعاونية تمارس بعض أنواع الغش التجاري بمختلف صوره التي أشرنا اليها وخاصة في منتجات التعاون. ان مسألة الغش التجاري والتقليد تحتاج بالفعل الى تدخل قوي من قبل الدولة, غير ان ذلك التدخل يجب ان يكون مدروسا ومحسوبا بدقة وليس مجرد تدخل روتيني يعطي الفرصة للتاجر لبسط نفوذه عليه وممارسة الغش من خلاله, لأنه لو حدث ذلك فإن المشكلة سوف تكون أكبر مما هي عليه الآن, وذلك لأن الأمر يعني ان الدولة تعطي شرعية للغش والتقليد, ولكي يتم تجنب الوقوع في ذلك الفخ فلابد من ايجاد جهاز اداري قوي مؤهل لممارسة وظائفه وتحقيق الاهداف التي من أجلها تم انشاؤه والا فإننا سوف نكتفي بحملات التوعية للمستهلك وبشكل مكثف. د. محمد ابراهيم الرميثي