لاتزال الهند تعاني نزيفاً في العقول, خاصة في مجال التكنولوجيا المتقدمة وتكنولوجيا المعلومات والحاسب الآلي. فهناك كثير من الدول المتقدمة في أوروبا مثل بريطانيا والمانيا تقبل إقبالاً كبيراً على توظيف مهندسي الحاسب الآلي والمبرمجين من الهند نظراً لانهم يجيدون الانجليزية، من ناحية وإنخفاض اجورهم من ناحية اخرى. ولكي تحافظ الهند على النمو الاقتصادي السريع لابد لها ان تزيد من تخريج العاملين في مجال تكنولوجيا المعلومات والتكنولوجيا الفائقة لتعويض هذا النزيف الذي يتجه الى الغرب, خاصة الولايات المتحدة, حيث ان نحو 38% من العاملين في شركات وادي السليكون هم من الهنود أو من أصل هندي. وبدأ البعض في صناعة تكنولوجيا المعلومات في الهند يتساءل اذا كان الطلب الغربي على خبراء الحاسب الآلي من الهنود, الذين يتحدثون الانجليزية, سيهدد خطط البلاد الطموحة لتحقيق نمو في هذا القطاع. ويقول ناندان نيلكاني رئيس شركة إنفوسيز تكنولوجيز الهندية الرائدة المسجلة على مؤشر ناسداك الأمريكي اننا دائما قلقون بشأن هذا النزيف وسطو الشركات الغربية على العمالة الهندية في التكنولوجيا الفائقة, والان بدأت الدول أيضا تفعل ما تفعله الشركات. ويذكر ان صناعة تكنولوجيا المعلومات الهندية تتضاعف كل 18 شهراً ونصيبها من السوق العالمية للبرمجيات يصل الى نحو 20%. ويقول اتحاد شركات الخدمات والبرمجيات الهندي )ناسكوم( ان صادرات البرمجيات خلال العام المالي الماضي بلغت 9.3 مليارات دولار, وكان ينبغي لها ان تصل الى 5 مليارات دولار, في الوقت الذي تحتاج فيه 203 شركات من أكبر 500 شركة في العالم للشركات الهندية للبرمجيات. لكن هذه الصناعة لكي تحافظ على نموها لابد ان تحافظ على توفير العمالة التي تحاول دول عديدة في العالم ان تستنزفها من الهند. يعمل في قطاع تكنولوجيا المعلومات الهندي حالياً 280 الف شخص, وهناك تقديرات تشير الى الحاجة الى نحو 2.2 مليون شخص بحلول عام 2008 في هذا المجال. لكن نظام التعليم ليس مؤهلاً للوفاء بالطلب على العاملين في صناعة تكنولوجيا المعلومات, فما بالنا أيضا بعملية النزيف الى الدول الاخرى. ويحتمل أن تزيد الولايات المتحدة حصة تأثيرات الدخول للعاملين في قطاع تكنولوجيا المعلومات من 115 الفا الى 00_ الف تأشيرة دخول ويحصل على نصف هذه التأشيرات عاملون من الهند. وإذا أضفنا الطلب الأوروبي وفي أماكن اخرى على العمالة الهندية في قطاع تكنولوجيا المعلومات نجد أن الهند لا تستطيع الوفاء بهذا الطلب. فليس الأمر مجرد أعداد مطلقة, بل ان نوعية مؤهلات هذه العمالة والنقص فيها يرفع اجورها أيضا ويخفيض من قدرة الهند النسبية على توفير العمالة بتكلفة تنافسية, مما يجعل دولا مثل الصين قد تتفوق عليها في ذلك. وقد بلغ عدد المتقدمين لدراسة برامج هندسية في الهند الى 729 الفا, وهناك ما يزيد على 200 الف من هؤلاء كانوا يتنافسون على دخول ستة معاهد في الهند لتكنولوجيا المعلومات, لكن هذه المعاهد لا تستطيع ان توفر الا 2200 مكان فقط. ويقول وزير الاعلام والتكنولوجيا الهندي برامود مهاجان انه يريد توسيع قاعدة التعليم الهندسي الذي يتكون من 43 كلية اقليمية تستطيع حاليا استيعاب 31 الف طالب لتصل طاقتها الى 100 الف طالب او نحو ذلك. ويقول الاستاذ فيجسينا جو مدير معهد تكنولوجيا المعلومات في نيودلهي ان خريجي هذه المعاهد كانوا يحتاجون الى دراسة تكميلية من الولايات المتحدة حتى يدخلوا سوق العمل هناك, الا ان الشركات الامريكية تأتي الى هذه المعاهد الان وتوظف خريجيها مباشرة. ويقول رئيس شركة انفوسيز تكنولوجيز انه لابد من زيادة اعداد خريجي معاهد تكنولوجيا المعلومات دون المساس بمستوى الجودة. وينبغي ان تزيل الحكومة العوائق امام انشاء المدارس المتوسطة للتعليم باللغة الانجليزية والجامعات الخاصة وان تسمح لصناعة تكنولوجيا المعلومات بتمويل هذه المدارس والجامعات. ويضيف اذا كنت تريد انشاء طرق فأنت بحاجة للمال, لكن في هذا المجال ليس على الحكومة ان تدفع مالا. واذا استطاعت الحكومة وصناعة تكنولوجيا المعلومات التعاون في القضاء على عنق الزجاجة التعليمي, قد يتحول نزيف العقول الهندية الى اتجاه عكسي. فعندما يعود خريجو معاهد تكنولوجيا المعلومات العاملين في الخارج, فإنهم يعودون بالمال والخبرة وايضا بالرغبة الشديدة في ادارة مشروعات خاصة بهم. لكن الهند في حاجة لترغيب خريجي معاهد تكنولوجيا المعلومات للعمل في بلادهم. ووفرت شركة انفوسيز تكنولوجيز مخزونا من هذه العمالة للهند في عام ,1994 وهو السلاح المستخدم الان للحد من نزيف هذه العمالة الى الخارج. وانخفض معدل هذا النزيف من 25% في ذاك العام الى 12% العام الماضي ويقول بعض العاملين في هذه الصناعة ان توفير فرص العمل وادارة مشروعات جيدة ايضا له اهميته ويمثل مكاسب كبيرة. ويقول مدير احدى شركات البرمجيات الصغيرة في بنجالور ان منتجها باسم تاليزما وهو نظام خدمة للتجارة الالكترونية اثبت نجاحا كبيرا, لكن هذه الشركة تتعاون مع شركات امريكية لجذب عمالة هندية في قطاع تكنولوجيا المعلومات, بدلا من ان تعمل ضد هذا النزيف. وتقول الشركة بإعادة ثلث العاملين فيها وعددهم 750 عاملا لشركة مايكروسوفت الامريكية وغيرها. ويقول مدير الشركة ان 99% من هؤلاء يفكرون في كيف يصلون الى الولايات المتحدة بمجرد تخرجهم من معاهد تكنولوجيا المعلومات ولذلك نؤمن لهم اماكن للعمل هناك. وقد عاد اربعة اخماس المعارين من هذه الشركة.