عقد محافظو البنوك المركزية الخليجية اجتماعاً الاسبوع الماضي ناقشوا فيه العديد من القضايا والموضوعات ذات الصلة بتوحيد السياسات المالية والنقدية بدول مجلس التعاون الخليجية بما في ذلك توحيد اسعار الصرف للعملات الخليجية مما يحافظ على مستويات، مستقرة لمعدلات اسعار هذه العملات في مواجهة العملات الاخرى ويساعد على تنمية معدلات التبادل التجاري من جهة واستقرار تمويل برامج التنمية من جهة اخرى. ويبدو ان هذه القضايا باتت أيضا من القضايا المستعصية حيث اننا لم نلمس بعد وبعد هذه السنوات الطويلة من المناقشات اتخاذ خطوات واضحة وملموسة على هذا الصعيد. واذا ما بدأنا بالحديث عن توحيد اسعار الصرف الخليجية, يمكننا ان نلاحظ ابتداء أن معظم الدول الخليجية اختارت نظم اسعار صرف ثابتة اذ قامت معظمها بربط عملاتها بالدولار الأمريكي, اما رسمياً كعمان, أو بحكم الواقع كبقية دول مجلس التعاون الخليجية باستثناء الكويت التي تربط سعر صرف عملتها بسلة من العملات. وفي الحقيقة فان سعر الصرف الثابت يحافظ على ثقة المستثمرين بالعملة المحلية مما يشجع على الادخار والاستثمار ويحفز على تدفق الرساميل من الخارج. واذا كان معدل التضخم اعلى مما هو في الولايات المتحدة فان اسعار الفائدة على الودائع بالعملات المحلية ينبغي ان تكون اعلى منها على الودائع بالدولار وذلك لزيادة جاذبية هذه العملات. ان الدول التي يلائمها اتباع سياسة سعر صرف ثابت مقابل الدولار تكون عادة صغيرة تصدر في الغالب سلعاً زراعية و/أو منتجات معدنية (كالنفط والغاز والفوسفات والقطن الخ) ومسعرة بالدولار حيث لا يؤدي تخفيض قيمة العملة المحلية الى زيادة القدرة التنافسية لهذه المنتجات في أسواق الصادرات العالمية. كما ان الدول التي لها نسبة تدفقات رأسمالية الى الناتج المحلي الاجمالي اعلى من نسبة التدفقات التجارية الى هذا الناتج وحيث يمول عجز الحساب الجاري, يلائمها ايضاً اتباع سعر صرف ثابت. اذ ان وجود مثل سعر الصرف هذا له أهمية كبيرة للمحافظة على ثقة المستثمرين المحليين والاجانب على حد سواء. ومن الواضح ان معظم هذه الخصائص, ان لم يكن كلها, ينطبق على دول الخليج. فمنذ اوائل الثمانينات تم ربط عملات دول الخليج بالدولار الأمريكي ومع ذلك لم تتأثر تلك الدول بشكل سلبي حتى عندما سجلت اسعار صرف العملة الأمريكية ارتفاعاً كبيراً مقابل العملات العالمية الاخرى, بل على العكس, فلقد ادى ذلك الى تراجع معدلات التضخم وزيادة القدرة الشرائية للمستهلك الخليجي. والمقولة بان تخفيض سعر صرف العملة يجعل الصادرات ارخص في الاسواق من دول المجلس تصدر بصورة رئيسية النفط والمنتجات البتروكيماوية والالمنيوم والغاز والحديد والمنتجات الغذائية وغير ذلك ومعظم هذه المنتجات مقومة بالدولار ولا تستفيد من تخفيض سعر صرف العملة المحلية. ومن ناحية الواردات, فان ارتفاع الدولار واسعار صرف عملات دول الخليج مقابل الين الياباني والعملات الأوروبية ادى الى تراجع اسعار الواردات من دول أوروبا والشرق الاقصى وزاد من تنافسية صادرات هذه الدول في أسواق الخليج. وعلى الرغم من جميع هذه الايجابيات الا انه يحدث احياناً كثيرة العكس حيث يؤدي انخفاض قيمة الدولار الى ارتفاع قيمة الواردات الخليجية من أوروبا والتي تمثل نحو 80% من اجمالي الواردات. ان هذه الضغوط من شأنها ان تخلق بيئة عدم استقرار للعملات الخليجية مما يضيف عبئاً جديداً على الاقتصاديات الخليجية التي دخلت في سلسلة من برامج الاصلاح واعادة التكييف لتواجه الانخفاض المستمر في ايراداتها. علاوة على ذلك تبرز احتمالات تأثر الصناعات الخليجية الناشئة التي تعتمد على واردات المعدات والمواد الخام, وكذلك انخفاض القيمة الحقيقية للاستثمارات في المشروعات الجديدة وكذلك في الموجودات والارصدة الخليجية الموجودة في الخارج. وعلى صعيد آخر فان عدم استقرار العملات الخليجية يخلق بيئة عدم استقرار للسياسات النقدية والمالية الخليجية ايضاً. ان جميع تلك السلبيات تقود الى نتيجة واضحة وهي ضرورة قيام دول مجلس التعاون الخليجي باعادة النظر في سياسات اسعار الصرف والتنسيق بين هذه السياسات. حسين محمد