أصبحت مكافحة الفقر في أمريكا اللاتينية هي الشغل الشاغل لرجالات السياسة وصناعة القرار, بعد ان كان معضلة لخبراء الاجتماع وجماعات الضغط المختلفة. كما بدأت قضايا مثل الظلم وعدم المساواة وقضايا اجتماعية اخرى توضع على جدول الأعمال السياسي والاقتصادي، وسط مخاوف ان يشكل عدم توازن توزيع الثروة والغضب الجماهيري وعدم الرضا الشعبي والتردي الاقتصادي ضغوطاً على مسيرة التنمية والانتعاش بعد النكسة الاقتصادية في الأعوام الماضية. وتقول نانسي بيرسدال الباحثة في مؤسسة كارنجي اندومنت للسلام الدولي في واشنطن ان هذه القضايا أصبحت تشكل جزءاً هاماً من الأجندة السياسية أكثر مما كانت عليه من عشر سنوات. لقد أصبح خبراء الاقتصاد والمؤسسات متعددة الجنسيات يركزون على مكافحة الفقر وعدم المساواة بوصفهما عاملان يؤثران على النمو, في الوقت الذي قال فيه جيمس ولفنسون رئيس البنك الدولي عن إصلاحات الجيل الثاني ان الفقر هو نقطة التركيز الرئيسية بالنسبة للبنك الآن. وقد حققت أمريكا اللاتينية بعض التقدم في مجال مكافحة الفقر في العقد الماضي, وقد أثر التضخم المرتفع الذي انتشر في الثمانينات على القارة وبشكل مباشر على مستويات المعيشة في التسعينيات أيضا, لأن الأصول المادية لم تكن بالقوة التي تتحمل هذا التضخم, أو حماية نفسها من الارتفاع الشديد في الاسعار. وعلى ذلك ساعد الاستقرار في الاسعار في خفض معدلات الفقر وحدة الظلم, علاوة على ذلك ارتفع الانفاق الاجتماعي بنسبة 38% بين عامي 1991 و,1997 وتضاعف تقريباً في أربع دول هي بوليفيا وكولومبيا وباراجواي وبيرو. وتم التركيز على الكثير من برامج مكافحة الفقر واستغلت الحكومات الميزانيات الاجتماعية استقلالاً أفضل. ومن نتائج هذه الاتجاهات ان انخفضت مستويات الفقر في غالبية دول المنطقة بين عامي 1990 و1997. وقالت دراسة نشرتها اللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة للكاريبي العام الماضي ان عدد العائلات الفقيرة انخفض من 41% عام 1990 الى 39% عام 1997. لقد حدث تحسن كبير في بعض المؤشرات الاخرى أيضا حيث انخفض معدل الأمية بين الكبار من 16.3% عام 1985 الى 12.2% عام 1995, في الوقت الذي بلغ فيه عدد التلاميذ المسجلين في المدارس الثانوية 52.9% عام 1995 مقابل 47.7% عام 1987. كما انخفض معدل وفيات الأطفال من 44.1% الى 29.9% خلال فترة عشر سنوات بداية من 1987, وارتفع متوسط العمر المتوقع من 67.5 عاماً الى 69.7 عاماً خلال نفس الفترة. علاوة على ذلك, هناك أدلة على انخفاض عدم المساواة مع تزايد فرص الحراك الاجتماعي التي أدت إلى تزايد الاستقرار الاقتصادي. وتقول بيرسدال ان الحراك الاجتماعي قضية رئيسية لأنها تعزز الأمل في حياة أفضل, ليس فقط للناس بل لأولادهم أيضا, ويرى الشعب ان النظام هو الذي يوفر لهم الفرص, وبرغم هذا التقدم, هناك بعض الدول يبدو انها تعافت من آثار عقد من التردي الاقتصادي بينما دول اخرى لم تحقق نفس النتائج الايجابية. ويوضح المسح الذي أجرته لجنة الأمم المتحدة ان 15% من عدد العائلات كان يعيش في فقر مدقع عام 1997 في امريكا اللاتينية, وهو نفس العدد المسجل من 17 عاماً. فالنمو السكاني خلال هذه الفترة يعن ان العدد المطلق للذين يعيشون في فقر مدقع ارتفع من 62 مليونا الى 90 مليون نسمة, حتى ان عدم التوازن في توزيع الموارد والفقر في امريكا اللاتينية أصبح الآن أكثر مما كان عليه من 15 عاماً. وتشير احدى الدراسات عن توزيع الدخل, الى ان الدخل ارتفع بنسبة 0.56% عام 1996 مقابل 0.54% عام 1986, وهو يعد من أقل معدلات نمو الدخل في العالم. وقد ساهمت الصدمات الخارجية في هذا الوضع. فقد تدهورت المؤشرات الاجتماعية في المكسيك عقب أزمة العملة المحلية (البيزو) عام 1995, وحذرت الدراسة من ان البطء الاقتصادي عامي 1998 و1999 قد يزيل أثر التقدم الذي حققته بعض الدول الاخرى في المنطقة. وتوضح تجربة امريكا اللاتينية ان عاماً واحداً من الكساد يقضى على النتائج التي تتحقق في القضاء على الفقر على مدى أربع او خمس سنوات ماضية من النمو الاقتصادي. وتوضح البيانات الخاصة بالارجنتين والبرازيل ان الاتفاق الاجتماعي يتبع دورة النمو, فهو يرتفع مع تزايد النمو الاقتصادي وينخفض مع حدوث انكماش في الاقتصاد. وحذر كتاب صادر عن البنك الدولي مؤخرا من ان خفض الانفاق يزيد من آثار الازمة على الفقراء. ومما يزيد الامر سوءا ان التحسن لم يكن على مستوى التوقعات والآمال. ويقول ميجيل سيزكيلي الباحث في بنك التنمية للامريكتين ان الجميع توقع ان تتحسن الامور لكن ما حدث في التسعينيات يشير إلى عدم تحقيق تحسن. فهناك حالات تشير إلى انخفاض كبير في معدل الفقر, لكن في الفترة الاخيرة عادت مؤشرات الفقر للارتفاع مرة اخرى. وتشير استطلاعات الرأي الاخير إلى ان غالبية سكان امريكا اللاتينية يعتقدون ان بلادهم ليست على ما يرام من الناحية الاقتصادية, وان الاجيال السابقة كانت حياتها افضل, وان الفقر في تزايد وان توزيع الدخل غير عادل. ويقول ريكارد هاوسمان كبير الباحثين الاقتصاديين في بنك التنمية للامريكيتين ان سكان امريكا الجنوبية في حالة قلق وتشاؤم وعدم يقين. وفي الوقت نفسه حققت الاقتصاديات نوعاً من الاستقرار وبدأ خبراء الاقتصاد يركزون عن قرب على التي تعوق النمو السريع, فيما يعكس تجربة شرق آسيا حيث يعني تزايد عدالة توزيع الدخل ارتفاع وتزايد القوة الاقتصادية, وبدأ كثير من خبراء الاقتصاد يدفعون بأن عدم توازن توزيع الدخل يعوق النمو. وقد مهد بحث للبنك الدولي الطريق امام هذه الفكرة. فقد استطاع خبراء الاحصاء ان يقرأوا مزيدا من البيانات بشكل آخر حول توزيع الدخل في مختلف الدول في امريكا اللاتينية بمساعدة تزايد التقدم في الحاسب الآلي. وتقول بيرسدال فجأة استطاع جيش من الباحثين الحصول على قدر هائل من المعلومات المفيدة عن توزيع الدخل وتزايد اهتمام وشعور الناس بعدم عدالة توزيع الدخول واثر ذلك على النمو الاقتصادي. وتقتنع بيرسدال بهذه العلاقة وتقول انها احد الاسباب الرئيسية التي تمنع نمو امريكا اللاتينية من الانطلاق السريع. ولا غرو ان اكثر من نصف السكان لا يشاركون في الانتاج والانتاجية. مصادر التمويل في امريكا اللاتينية الحساب الجاري صافي التمويل الخارجي صافي تدفقات قطاع خاص استثمارات في الاسهم صافي استثمارات مباشرة محافظ استثمارية دائنين قطاع خاص بنوك تجارية صافي تمويل مؤسسات غير مصرفية تدفقات رسمية دائنين بشكل ثنائى اقراض داخلي احتياطيات 1996 -36.3 86.8 97.3 48.8 35.8 12.7 48.9 15.9 33.0 -10.5 -11.2 -25.0 -25.4 1997 -62.3 105.1 107.7 62.0 48.8 13.2 45.6 18.1 27.6 -2.6 -2.5 -30.8 -12.0 1998 -83.0 113.2 97.5 50.5 48.9 1.6 47.0 5.8 41.2 15.7 6.0 -39.6 9.4 1999 -51.4 74.4 68.8 61.5 66.5 -5.0 7.3 -11.2 18.5 5.5 -2.5 -34.9 12.0 2000 -56.8 87.6 89.6 55.3 47.6 7.8 34.3 6.4 27.9 -1.9 -5.6 -12.8 -18.0 (عن صحيفة وول ستريت جورنال)