مرة بعد أخرى تتوالى تأكيدات مسئولي المنظمات الاقتصادية الدولية, ومعهم الخبراء والمختصون, أنه لا بديل أمام الدول النامية بصفة خاصة كي تستفيد من النظام الاقتصادي الجديد إلا التعايش معه والاندماج داخله. وفي هذا الإطار يأتي طرح ستانلي فيشر, حيث يركز على ثلاثة أبعاد لهذا النظام تبرز أكثر أهمية من غيرها, هي الانفتاح المعلوماتي وتحرير تجارة السلع والأصول, والتي تسير جميعا جنبا إلى جنب في مستويات التطور والصعود. فهل يمكن أن يكون الاندماج هو وسيلة الوقوف أمام رياح تغيير الاقتصاد العالمي؟ بكل تأكيد تعتبر المظاهرات ومظاهر الاحتجاج, التي قامت ضد الاجتماعات المشتركة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي, مصدر قلق وإزعاج وتوتر, ليس فقط لما أحدثته من تشويش على تلك الاجتماعات, ولكن أيضا بسبب ما تنطوي عليه من رسالة تحذيرية واحتجاجية. فبعض المتظاهرين كانوا ينادون بإلغاء ديون الدول الأفقر في العالم, وآخرون كانوا يحتجون ضد العولمة ومظاهرها استكمالا للمظاهرات التي قامت ضد اجتماع منظمة التجارة العالمية للعام الماضي. وفي هذا الصدد أود أن ألقي بعض الضوء على موضوع العولمة, وأؤكد ثانية (الفوائد) الكبيرة التي أوجدتها العولمة لصالح شعوب العالم. فالاندماج داخل الاقتصاد العالمي هو أفضل طريقة لتنمية وتطوير اقتصادات الدول ومستويات المعيشة بها, وإيقاف عجلة العولمة ووضع الحواجز بين الدول هو أقصر الطرق التي تؤدي إلى تدهور الأوضاع داخل الدولة والإبقاء على حالات الفقر, ولاسيما إذا كانت الدولة لاتزال نامية. ولذا فإنه علينا أن ندعم جهود الدول الفقيرة الرامية إلى الاندماج داخل الاقتصاد العالمي. بيد أنه في الوقت نفسه لا يمكننا تجاهل مخاوف هؤلاء الذين يشعرون بأنهم مهددون من قبل العولمة, فعلينا أن نضمن أن عملية العولمة تتم إدارتها على نحو صائب وسليم. فالعولمة لها أبعاد عدة, يمكننا أن نلقي الضوء على أهم ثلاثة منها وهي: التجارة في السلع والخدمات, والتجارة في الأصول, وتدفق المعلومات, وهذا البعد الأخير تغير وتطور بصورة كبيرة للغاية. فمنذ نحو 40 عاما قال عالم الاتصالات الكندي المعروف, مارشال ماك لوهان, إن التكنولوجيا الإليكترونية ستحول كوكب الأرض إلى قرية عالمية. وقد كان الأمر صائبا إلى حد ما أو لدرجة معينة وقت أن قال تلك المقولة, ولكنه أصبح صائبا كل الصواب الآن. ففي العام ,1956 كانت أول الكيبلات الكهربائية التي تعبر الأطلسي تستوعب إجراء 36 مكالمة هاتفية في وقت واحد, والآن فإن الكيبلات نفسها بوسعها أن تحمل 15 مليون مكالمة تجري كلها في وقت واحد! وتشير التقديرات إلى أن تكلفة تخزين ونقل وفرز المعلومات يتم تصنيفها كل 18 شهرا, والآن وصل عدد مستخدمي الإنترنت حسب بعض التقديرات إلى 250 مليون نسمة, وكل يوم يأخذ هذا العدد في الارتفاع بصورة مذهلة. وكل هذه التطورات ساعدت على تقويض الحدود بين الدول ودعم المظاهر الأخرى للعولمة. وفي الوقت نفسه تأخذ التجارة في السلع وتدفقات رؤوس الأموال في الزيادة أيضا بسرعة كبيرة, ولكن مع وجود بعض الانتكاسات الوطنية نتيجة لاندلاع بعض الحروب أو حدوث تغيرات في السياسة الحكومية لدولة ما. فنسبة صادرات الدول إلى الإنتاجية العالمية ارتفعت من 6% العام 1890 إلى 9% العام 1913. وتراجعت هذه النسبة عندما تراجعت أنشطة العولمة أثناء الحروب, ولكنها ازدادت بعد ذلك إلى 13% في عقد التسعينات. وبدورها تلعب الدول النامية دورا اقتصاديا متزايدا في الأهمية على الساحة العالمية, حيث زادت صادراتها من أقل من 20% من صادرات العالم في فترة الستينات إلى 30% تقريبا مع قدوم العام 1999. وتبين لنا النظريات الاقتصادية أن التجارة العالمية وتدفقات رؤوس الأموال يجب أن تشير إلى اتجاه المصلحة العامة وإفادة جميع الأطراف, فالتجارة تشجع التخصص وتزيد الإنتاجية العالمية وترفع من مستويات المعيشة, وتمكن المستهلك من الوصول إلى مدى أكبر من السلع ذات الجودة الأفضل بأسعار أقل. والشيء نفسه ينطبق على تنقلات رؤوس الأموال, فالأموال يمكن أن يتم ضخها واستعمالهـا في أغراض أكثر إفادة, مثل تمويل الاستثمارات, ومنـح المودعين وأصحاب الحسابات التوفيرية عوائد أكبر. ولكن هذا لا يعتبر فقط كلاما نظريا, فقد تمت ممارسته وتجربته على أرض الواقع. ففي العقود الأخيرة, أدى النمو التجاري إلى إحداث نمو في الإنتاجية العالمية, ففي الفترة ما بين 1950 و1999 نما الناتج الإجمالي المحلي على مستوى العالم بنسبة 3.4% سنويا في المتوسط, في حين أن التجارة العالمية ازدادت بنسبة 7.5% سنويا. وفي ضوء الأخذ في الاعتبار الزيادة الكبيرة في عدد سكان العالم, أدى هذا النمو في التجارة والناتج الإجمالي المحلي إلى إحداث زيادة وطفرة واسعة في مستوى معيشة الشعوب ماديا. ولذا فإن العولمة والاستعداد إلى الانفتاح على العالم الخارجي, هما المفتاح والطريق إلى التقدم الاقتصادي ورفع مستويات المعيشة. فالسياسات الموجهة إلى زيادة الصادرات ساعدت دول شرقي آسيا في الانتقال من مرحلة كانت فيها هذه الدول من أفقر دول العالم, وذلك منذ 40 عاما فقط, إلى أن تكون من ضمن الدول الثرية التي تنعم بقدر كبير من الرخاء والازدهار في يومنا هذا. وفي الوقت نفسه استفادت الدول الصناعية وتنوعت الخيارات أمام المستهلك وازدادت جودة الأشياء والإنتاجية العالمية ككل. وعلى نحو مغاير ننظر إلى ما جرى عندما أغلقت الدول أبوابها أمام الانفتاح, فعندما نصبت الحواجز بين الدول في فترة الثلاثينات, انكمشت التجارة, وشهدت دول العالم انخفاضا كبيرا في دخول الأفراد والمستوى المعيشي العام. ومؤخرا فشلت الدول الأفريقية وامريكا اللاتينية, التي تتبع سياسات ضد العولمة والانفتاح العالمي, في رفع معـدلات نموهـا, وأضـاعت العديد من الفرص التي كان يمكن أن تؤدي إلى خفض معدلات الفقر بها في السبعينات والثمانينات. وعلى وجه مماثل انخفض الأداء الاقتصادي للدول الشيوعية, بسبب السياسات الانغلاقية نسبيا التي كانت تتبعها. فالتاريخ دائما يعطي دروسا واضحة ودلائل قوية على أن الانفتاح هو طريق النجاح, والانفتاح على المعلوماتية والأفكار يسير جنبا إلى جنب مع الانفتاح التجاري في السلع ورؤوس الأموال. إلا أنه في الوقت نفسه هناك العديد من الانتقادات الموجهة إلى العولمة, مثل عدم توزيع المكاسب الاقتصادية بالتساوي بين دول العالم, فعلى سبيل المثال ازداد مستوى دخل الأفراد في الربع الأفقر من العالم ثلاثة أضعاف أثناء القرن الماضي, في حين أنه ازداد ستة أضعاف في الربع الأغنى من العالم. ومن الانتقادات الأخرى أن العمال يشعرون أنهم مهددون بسبب التكنولوجيا الحديثة, وأن الحكومات تبدو غير قادرة على توفير القدر اللازم من الحماية الاجتماعية, وأن شدة المنافسة تمثل ضغوطا كبيرة لخفض عدد العمال عالميا. وكل هذه المخاوف لا يمكن تجاهلها, وكلها مخاوف حقيقية وجديرة بالأخذ في الاعتبار, إلا أن الحل ليس أن نتخلى عن العولمة, ولكن الحل هو أن تتم إدارة العولمة بشكل أفضل. وبالتالي نتساءل: ما هو الدور الذي يجب على المؤسسات الدولية القيام به؟ فهدفنا يجب أن يكون العمل على أن يستفيد كل فرد من أفراد العالم من العولمة, بما في ذلك هؤلاء الذين يتخلفون اليوم عن الركب العالمي. فإذا كنا نريد أن نبقي على انفتاح الاقتصادات العالمية, فإن علينا مسؤولية كبيرة تتمثل في تمكين النظام المالي والاقتصادي العالمي من العمل بشكل أفضل, وعلينا أن نخفض من عدد المخاطر التي تسببها العولمة بأكبر شكل ممكن, ولاسيما تلك التي تصيب المجتمعات الهشة والأكثر تأثرا بالأزمات.